الرئيسية » مقالات » التظليل آخر الأسلحة لتمرير مسودة قانون النفط

التظليل آخر الأسلحة لتمرير مسودة قانون النفط

لقد تكرر على لسان أكثر من مسؤول “”أن الذي ينتقد مسودة قانون النفط بصيغتها الحالية له دوافع سياسية مغرضة وليس على أساس مهني””!
لكن الذي تبين في ندوة دبي التي نظمها مجلس النواب العراقي أن التكنوقراط النفطيين الذين شاركوا في الندوة، وعلى أسس مهنية، قد انتهوا إلى وضع ملاحظات كثيرة أوردناها في تقرير عن هذه الندوة يجده القارئ الكريم على الرابط التالي:
http://www.sotaliraq.com/Hamza-Al-Jawahri-article.php?id=30
الملاحظات التي وردت بهذا التقرير جميعها جاءت من ناس على درجة عالية من المهنية وبعيدين كل البعد عن السياسة، فلم الإصرار على الخطأ والمزايدة على وطنية الناس والتقليل من شأنهم؟ رغم احترامنا الشديد للعديد من المشككين بمواقف التكنوقراط العراقي الوطنية من المسودة على تباينها، نقول لهم أنكم سياسيون، ونعتقد جازمين أنكم بدفاعكم هذا عن هذه المسودة التي تفرط بحقوق الشعب العراقي لا تخدمون مصالح شعبكم، بل تخدمون مصالح الشركات العالمية ونخبة من السياسيين لهم مصلحة بهذا القانون بصيغته الحالية، أي كما نقرأها بمسودة شباط من هذا العام.
من أبرز ما يقال هذه الأيام عن مسودة قانون النفط أنه يمنح شركة النفط الوطنية حقول تحتوي على83% من الاحتياطي النفطي الأكيد في العراق، هذه مغالطة كبيرة ولا تعبر إلا عن استخفاف المسؤولين بالناس لجهلهم بالأرقام والشؤون النفطية عموما، حيث أن هذه العبارة تشبه إلى حد بعيد تلاوة الآية الكريمة “لا تقربوا الصلاة” دون إكمال ما بقي منها ليكتمل المعنى.
قصة هذه الحقول التي تحتوي على هذا الرقم صحيحة لكنها ليس كل الحقيقة، فهناك جزء مهم منها تجاوز عليه المدعون دفاعا عن مسودة القانون المجحفة بصيغتها التي عرفناها في منتصف شهر شباط الماضي، حيث أن هذه الحقول هي الحقول المكتشفة من أصل114 تركيب جيولوجي تم الاستكشاف فيها من خلال حفر آبار استكشافية، حيث تم العثور على النفط في84 تركيب منها، وأن الباقي ليس خالية من الغاز، حيث معظمها يحتوي على الغاز الذي أصبح له شأن كبير هذه الأيام ولا يقل أهمية عن النفط، ما تم إعطائه لشركة النفط الوطنية هو27حقل نفطي فقط، صحيح أن بعضها تعتبر عملاقة وهي الأكبر بين الحقول المكتشفة، لكن هذا لا يعني أننا نستطيع الجزم أن الحقول الأخرى التي تم العثور على النفط فيها ليست عملاقة، السبب في ذلك لأنها لم يكتمل الاستكشاف فيها، وبعضها تم حفر بئر واحدة فيه فقط، أي أن الكميات المحسوبة لا تعتبر نهائية، وهي في جميع الأحوال أكثر من التقديرات الأولية لها.
لكي يكون كلامي واضحا، أعطي مثلين فقط على ما أعنيه، كنت شاهد عيان ومشارك فيها، يوم اكتشف حقل شرق بغداد كانت الظنون أنه ينتهي في شرق بغداد، وإن كميات النفط فيه متواضعة جدا، لكن بعد الحفر الاستكشافي وحفر المزيد من الآبار لتقصي حدود الحقل تبين أن الحقل يزيد حجمه عن التقدير الأولي بعدة مرات وأنه أكثر طولا وعرضا من صورته الأولى قبل أن يتم الحفر الاستكشافي المتكامل فيه. المثال الثاني، هو أن حقل مجنون يوم بدأ الحفر الاستكشافي فيه كان يعتقد أن الاحتياطي النفطي فيه متواضع، لكن تبين بعد الحفر أن هذا الحقل عملاق بكل المقاييس وأن الاحتياطي النفطي الذي اكتشف فيه يزيد بعشرات المرات عما كان متوقعا قبل الحفر.
في الواقع إن العراق فيه524 تركيب جيولوجي يمكن أن يحتوي على النفط أو الغاز أو كليهما معا في طبقات مختلفة من التركيب، وهذه114 تركيب التي نسمع عنها تعتبر جزء من هذا الرقم الكبير، أي أن التراكيب الباقية عددها410 تركيب، فهي مكتشفة بالطرق الجيوفيزيائية لكن لم يتم الحفر فيها لحد الآن، لذا من الإجحاف أن لا يؤخذ هذا العدد الكبير من التراكيب بنظر الاعتبار. وفي الواقع أيضا أننا نستطيع أن نستنتج من الأرقام الوارد ذكرها أن نسبة النجاح بالحصول على نفط في هذه الحقول تصل إلى أكثر قليلا من73 بالماءة، وذلك بقسمة الرقم84 على الرقم114، أي أن المتوقع هو الحصول على نفط في أكثر من300 حقل نفطي أخرى من أصل ال410 الباقية والتي لم يتم الحفر الاستكشافي فيها.
إن ما تقدم يعني أن شركة النفط الوطنية بعد تأسيسها من جديد وفق القانون سوف تحصل على عدد من الحقول التي تحتوي على النفط تعتبر متواضعة، أي27 حقل نفطي من أصل84 حقل نفطي مكتشفة لحد الآن.
• فلو أسقطنا من حساباتنا الحقول ال300 ، فإن نسبة الحقول التي منحت لها هو32 بالماءة.
• أما لو أردنا أن نأخذ بنظر الاعتبار تلك الحقول التي يمكن أن نحصل على نفط فيها والتي قدرناها ب300حقل نفط، فإن حصة شركة النفط الوطنية سوف تكون بحدود7 بالماءة، والباقي، أي93بمائة، يترك لمن يشاء من الشركات العالمية والعراقية التي يملكها القطاع الخاص.
ملاحظة مهمة بهذا الصدد، وهي أننا قد نكتشف من بين الحقول التي لم يكتمل الحفر الاستكشافي فيها وتلك التي لم يتم الحفر فيها والتي يصل عددها في أسوأ الأحوال إلى370 حقل نفطي، قد نكتشف من ضمنها عددا من الحقول العملاقة أيضا كما بينا من الأمثلة السابق ذكرها. لذا فإن نسبة ال7 بالماءة تعتبر الأكثر واقعية من أي رقم آخر، أضف إلى ذلك إن هذا التقدير وفق علم الإحصاء يمكن الأخذ به لأن عدد الحقول كبير جدا.
لذا يجب التوقف عن تظليل عموم الناس، وحتى النخب، بأن الحقول التي منحت لشركة النفط الوطنية تمثل83 بالماءة من الاحتياطي النفطي، فهي نسبة لا تزيد على ال7 بالماءة في الحقيقة.
وما يعزز تلك الادعاءات بأن شركة النفط الوطنية أخذت حصة كبيرة من الحقول هو الموقف الكوردي الغير واضح من هذه المسألة، حيث أن هذا الاعتراض يعطي انطباع للمستمع العادي بأن هذا الأمر أكيد في حين هو في الواقع أنه فقاعة ما أنزل الله بها من سلطان، لأن الكورد لم يبينوا لحد الآن السبب وراء موقفهم هذا، لأنهم لا يعارضون تشكيل شركة النفط الوطنية ولا يعارضون منحها حقل كركوك العملاق، فما السبب باتخاذ هذا الموقف؟ وهذا ما نطلب توضيحه من قبل الأخوة الكورد.
والذي يزيد من الطين بلة هو ما يقال عن المنطقة الغربية، والتي تسمى وفق الخطاب الطائفي بالمنطقة السنية العربية من العراق، حيث يقال عنها أنها لا تحتوي على النفط! وهذا الأمر بعيد عن الصحة تماما ومظلل للرأي العام بشكل مريب، حيث أن هذه المنطقة تحتوي على عدد كبير جدا من الحقول التي اكتشف فيها النفط، كما وتحتوي على عدد أكبر بكثير من الحقول التي لم يتم الاستكشاف فيها، ومناطق أخرى منها لم يتم فيها حتى المسح الجيوفيزيائي. حيث أن هذه النسبة وفق التقديرات التي أوردناها في هذا الموضوع لا تقل عن ال40 بالماءة من نفط العراق، لكن الذي يجعل الإنسان العادي يعتقد بمقولة “أن هذه المنطقة ليس فيها نفط” هو أن الحقول المكتشفة لم يتم تطويرها لأسباب لا يعرفها إلا مخططوا سياسات التطوير في وزارة النفط سابقا.
أما مسالة عقود المشاركة في الإنتاج كونها لم تذكر في المسودة، فهي مغالطة كبرى القصد منها تظليل الرأي العام، حيث أن عقود “التطوير والإنتاج” وعقود “الاستكشاف والإنتاج” تعني أنواع من عقود المشاركة بالإنتاج، أضف إلى ذلك وهي مسألة مهمة جدا، في حال تم منح شركة عالمية عقدا من هذه العقود فإنها سوف تؤسس مكتب صغير لإدارة عمليات الاستكشاف والتطوير والإنتاج معتمدة على عقود الخدمة، وهنا يأتي السؤال، فإذا كانت هذه الشركات تستطيع أن تطور الحقول بالاعتماد على عقود الخدمة، لماذا لا تستطيع شركة النفط الوطنية فعل نفس الشيء؟ ورب قائل يدعي بأنها لا تستطيع فعل ذلك ولا تمتلك الخبرة لمثل هذا النوع من العلاقات الإنتاجية المتطورة، المسألة بغاية البساطة، وهي أنها تمنح شركات متخصصة عقود خدمة للقيام بالعمال التي لا تستطيع الشركة الوطنية القيام بها.
فلم الإصرار على منح عقود المشاركة بالإنتاج؟
لماذا الإصرار على هذه العقود المجحفة إذا لم تكن هناك ضغوط خارجية من قبل أمريكا والغرب عموما على الحكومة؟
لمذا الإصرار على هذه العقود إذا لم تكن هناك ضغوط داخلية من قبل سياسيين متنفذين يريدون الاستئثار بالنفط وتقاسمه مع الشعب العراقي؟