الرئيسية » التاريخ » شعب كوردستان يستذكر بجلال مهندس المصالحة الوطنية أدريس البارزاني في ذكرى ثورة كولان

شعب كوردستان يستذكر بجلال مهندس المصالحة الوطنية أدريس البارزاني في ذكرى ثورة كولان

تحل علينا ذكرى اندلاع ثورة كولان التقدمية في 1976/5/26، والتي عبرت عن مدى التزام الجماهير الكوردستانية بمبادئها تجاه قادتها وشعبها وتجاوز المحن والمصاعب مهما بلغت قساوتها، ومنحت الروح المعنوية والمقاومة التي غرسها البارزاني في اعماقهم والقدرة على التواصل والاستمرار والنهوض مهما كان حجم مؤامرات ودسائس الاعداء، وكان للقائد ادريس البارزاني دور اساس في تجاوز المحن حيث انقذ شعباً كاملاً من حالات اليأس والاحباط بتحريره من براثن وقيود اشرس مؤامرة تعرض لها في تأريخه المعاصر ليمنح بجهده وتعبه اللذين لم يكن لهما مثيل المسيرة الكوردستانية التحررية لتواصلها وفرص تقدمها الى ما هي عليه اليوم، مستظلاً بتوجيهات البارزاني الأب وبالتعاون مع شقيقه مسعود البارزاني وبذلك ارسى قواعد النهوض من النكسة وتجاوز تداعياتها. ويروي معاصروه بأنه كان يتصف بأروع مدارك الحكمة في اتخاذ قراراته، صلباً لا يهاب الاعداء ولا لومة لائم، وبقدر ذلك كان محباً للسلام وقد تجسد ذلك خلال زيارته الى بغداد سنة 1974 لاقناع الحكومة المركزية بالجنوح للسلم والى مائدة التفاوض والحوار وتجنيب ابناء العراق الويلات والكوارث واراقة الدماء، وقد ظل الفقيد ادريس البارزاني اميناً للرسالة التي نادى بها البارزاني القائد طوال مسيرته النضالية على ضرورة الحفاظ على وحدة الاراضي العراقية وتجنيب هذا البلد ما أمكن في التدخلات الخارجية وأيجاد حلول واقعية لمشكلة الديمقراطية وحقوق القوميات المتعايشة في العراق. وقد التحق الفقيد ادريس البارزاني بثورة أيلول عام 1962 واستطاع بحنكته السياسية وخلال مدة قصيرة ان يثبت جدارته في الميادين العسكرية والسياسية، حيث كان يشرف على قوات البيشمركة بتوجيه من الأب البارزاني، ولم يكن يتصرف مع رفاقه في السلاح كقائد لتلك القوات انما كان يتفاعل معهم كأخ ودود ومحب وكان بابه مفتوحاً لهم على مصراعيه ليل نهار فيحل مشكلاتهم ويلبي طلباتهم بحدود الامكانيات المتوفرة له في تلكم الأيام الصعبة والمريرة ويرفع معنوياتهم ويشجعهم على ابداء رأيهم بكل حرية، نزيهاً نقي السريرة متواضعاً جداً مع الناس، لا يحب المظاهر لذا عرف بنكران الذات فلم يمنح نفسه امتيازاً شخصياً على مدى سني نضاله، ذا خلق رفيع، لا يتذمر مهما صعبت الاوضاع والمهام الموكلة اليه، ولم يدخل الملل والضجر قلبه، وكان كثير الحركة والنشاط لذا فانه قد اشتهر وكما يقول معاصروه (بالرجل الذي لا يعرف الكلل) وكان يؤمن ايماناً مطلقاً بحقوق الانسان وحقوق المرأة على وجه الخصوص ويقدرهن ويحترمهن ويصفهن بأنهن روح المقاومة، وقد قام الفقيد العزيز بأعادة ترتيب البيت الكوردي حيث سعى من أجل المصالحة الكوردية بين الاحزاب الوطنية الكوردستانية سنة 1986. ونستطيع ان نقول أنه مهندس الجبهة الكوردستانية التي اثبتت جدارتها في تفجير الانتفاضة الربيعية سنة 1991 وبالتالي يبني هذا الشعب لأول مرة في تأريخه مؤسساته الديمقراطية ويدير شؤونه بنفسه، ورغم عمره القصير فقد ترك اثراً بالغاً في قلوب معاصريه، حيث كان حافلاً بالمآثر والبطولة، ولد الفقيد العزيز عام 1944 في قرية بارزان موطن الآباء والاجداد والثوار والقادة في الوقت الذي كان يعيش البارزانيون حياة قاسية فتعرض منذ نعومة اظفاره للتشرد والمطاردة مع عائلته في الموصل وبغداد والبصرة، بعيداً عن الأب البارزاني ولمدة (11) عاماً بعد لجوء القائد الى الاتحاد السوفيتي سنة 1947، مما أثر في تكوين شخصيته ليشب انساناً مناضلاً وذا شخصية فذة لكونه ترعرع في خضم آلام الكوردايتي وفي ظل اجواء من القهر والكبت والظلم من السلطات العراقية المستبدة بحق الاسرة البارزانية وبحق الشعب الكوردي عموماً، فعرف منذ صباه معنى الظلم والاضطهاد والشعور بآلام ابناء شعبه ليكون مناضلاً عنيداً ومدافعاً صلباً عن حقوق الجماهير، رافضاً جميع اشكال المساومات على حساب تلك الحقوق، وعندما اندلعت ثورة شعبنا التحررية في أيلول سنة 1961، ألتحق ادريس البارزاني سنة 1962 بصفوف المناضلين والبيشمركة من أجل حرية بلاده وأدى دوراً بارزاً ومهماً في تقريب وجهات نظر الاحزاب وأول من وضع اللبنة الاساسية للجبهة الكوردستانية وايصال القضية الى المحافل والاوساط الدولية، وقاد ملحمة هندرين سنة 1966، وانتخب عضواً في اللجنة المركزية للحزب الديمقراطي الكوردستاني في مؤتمره الثامن سنة 1970، وكان عضواً فعالاً في المفاوضات بين الثورة الكوردية والحكومة المركزية، وبعد نكسة عام 1975 عاش منفياً مع ابناء شعبه في المخيمات الايرانية، وادى دوراً فعالاً في اسئناف الثورة وعودة البيشمركة الى ساحات النضال والوغى، انتخب في المؤتمر التاسع لعام 1979 عضواً للمكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني ومشرفاً على الشؤون العسكرية، عمل فترة طويلة مسؤولاً للعلاقات العامة للحزب، وفي عام 1986 ادى بجدارة وتفان مهمة مهندس المصالحة الوطنية ومن جهوده تلك انبثقت الجبهة الكوردستانية آنفة الذكر، رحل عنا في زمن مبكر من عمره في يوم 1987/1/31 الساعة 6.30 مساء بمقره في ناحية (سليفانا) التابعة لمدينة اورمية- الأيرانية. وبرحيله فقدت الحركة التحررية الكوردستانية قائداً فذاً نذر نفسه منذ صباه في سبيل نصرة قضية شعبه التي آمن بها ومات من اجلها، وبرغم النكبات الخطيرة التي واجهتها الثورة الكوردية برحيل الملا مصطفى البارزاني ثم الرحيل المبكر للمناضل القدير ادريس البارزاني فأن الروح المعنوية التي ربى بها البارزاني الأب ابناءه ثوار ومناضلي كوردستان منحت هذا الشعب التواصل ومواجهة اشرس حملات الابادة والتطهير العرقي… ورغم ان عمر الانسان لا يقاس بالسنوات بل بما يمنح شعبه من مآثر بطولية تخلده أبد الدهر، ربما الموت قد غيبه عنا لكن مآثره بقيت خالدة في ضمائر الكوردستانيين، وما زيارات ضريح الخالدين من كل عام وفي مسيرات طوعية من قبل الجماهير الكوردستانية وأصدقائهم والشخصيات والقادة الا عرفان بالجميل، وها هم ابناؤهما البررة يحققون الانجازات تلو الانجازات بقيادة الرئيس مسعود البارزاني ونيجيرفان البارزاني الابن البار للفقيد العزيز ادريس البارزاني الذي انهل هو الآخر من مدرسة البارزاني الراحل فأخذ عن جده ووالده الشعلة واستحق مفخرة خدمة شعبه من موقعه الحالي بجدارة، فكانت النجاعة الاقتصادية واشاع الرقي الاجتماعي اولى الخطوات نحو بناء المجتمع المدني بأعتبار الانسان صانع التنمية وغايتها، وكانت نتيجة هذه التحولات التي يشهدها الاقليم هي التواصل مع هذا المسار وتحقيق الانجازات والمزيد من النجاحات بفضل الارادة السياسية الحكيمة حيث تمكن نيجيرفان البارزاني في فترة وجيزة من تجسيد رؤيته الحضارية المتطورة وعلى مراحل مترابطة ومتماسكة دون نكسات وهزات بالرغم مما تكتنف الظرف الاقتصادي العالمي من صعوبات والمناخ السياسي الدولي من تقلبات، فبين الأمس واليوم يبرز التواصل البناء في رؤية عزمه على المضي قدماً بالاقليم على درب التنمية الشاملة حتى يرتقي به الى مصاف الدول المتقدمة بخطى ثابتة ورؤية ثاقبة لتتطور البلاد وشعب كوردستان. حقاً ان حياة ادريس البارزاني كانت حافلة بالبطولات والمواقف الانسانية ويكفينا فخراً انه قاد نضال شعبنا في ظروف غاية الصعوبة وايصاله الى بر الأمان، حيث يتفق معاصروه بأن الفقيد كان يمثل علامة مضيئة في تأريخ الحركة التحررية الكوردية وركيزة اساسية في الزعامة في الحقبة الممتدة من منتصف الستينيات حتى رحيله… فسلاماً لروحه الطاهرة ومجداً لشعبه الأبي.
* رئيس تحرير مجلة الصوت الآخر
التآخي