الرئيسية » مقالات » كركوك في البرلمان الأوروبي

كركوك في البرلمان الأوروبي

عندما أعلنت موعد جلسة الرئيس مسعود بارزاني مع البرلمان الأوروبي كان البعض ينتظر منه أن يتحث بنفس دبلوماسي وجمل مبهمة تقبل التأويل والتفسير المزدوج درءأ من ردود فعل جاهزة من هذا الطرف أو ذاك ، ولكن الرئيس لم يفعل هذا ، بل تحدث بلسان الفرد الكوردستاني وعبر ممثلا عنه عما يريد هذا الفرد وما يقوله عن مجمل ما يجري في المنطقة بشكل عام وفي كركوك بشكل خاص وكيف يفكر أزاءه ، فالبرلمان الأوروبي الذي له ثقله وسمعته الخاصة في العالم كان بعيدا شيئا ما عن الأحداث الساخنة في العراق قبل وأثناء وبعد سقوط النظام العراقي السابق فكان عليه أن يستمع الى أحد أهم شخصيات العراق الذي يتصف بثبات الرأي حول القضايا المهمة ومن خلاله التعرف على ما يفكر الفرد العراقي والكوردستاني حول محافظة كركوك التي أصبحت قضية يتهافت الغريب فيه وأبن كركوك غريب أزاءه لا حول له ولا قوة ، فابن المحافظة لازال يتحمل وزر سياسة التعريب وخلفيات تلك السياسة التي جعلت من المدينة مركزا من أسخن مراكز الإرهاب في العراق ، فبدلا من تطبيع الأوضاع فيها حسب المادة ( 58 ) من قانون مجلس الحكم السابق والمادة ( 140 ) من الدستور العراقي الدائم الذي حل محل الأول ، أصبح المواطن وخاصة المواطن الكوردي ينتظر رسائل التهديد من الأرهابيين ( ترك المدينة أم الذبح حسب طريقتهم المألوفة ) وقد شاهدنا أمثلة حية لتطبيق ذلك التهديد الإرهابي ، والرئيس أكد في أجوبته الشافية لأسئلة مندوبي البرلمان الأوروبي على أن تطبيق المادة ( 140 ) هو ضمان لأمن و لسلامة الوطن والمواطن في آن واحد ، ولا أعتقد أن يختلف مع هذا الكلام من في قلبه ذرة من الإخلاص أزاء قضية كركوك وكافة المناطق التي عاشت وضعا شاذا في العهود السابقة ، فالخوف الذي تبديه تركيا على تطبيق هذه المادة هو الأستفتاء الذي تشمله تفاصيل تلك المادة والتي ستنجم عن إلحاق مدينة كركوك الى إقليم كوردستان حسب رغبة الأكثرية وهذه الحقيقة تدركها تركيا ومن يسير على ركبها سلفا وهذا تحصيل حاصل من رغبة المواطن الكركوكي المتعطش الى الأمن الذي يعيشه مواطنيهم في كل من السليمانية وأربيل اللتين تبعدان من مدينتهم 100 كلم فقط ناهيك عن التنمية العمرانية والأقتصادية والحقوق الشخصية التي يتمتع بها الفرد فيهما وهم محرومون منها رغم إرتباطهم بالمركز الذي حرمهم من كل شئ وأحيانا وضع المركز العصي في طريق توفير الخدمات الأساسية لهم في بحر السنين المنصرمات بعد صقوط صنم صدام في بغداد ، أمام عدد الذين يعارضون مبدأ تطبيق المادة المذكورة أعلاه فقليل جدا بحيث لا يشكلون 1% من مجموع سكان المحافظة ، حيث أن معظم الكورد والعرب والتركمان والآشوريين يؤيدون تطبيق تلك المادة بكافة تفاصيلها عدى أفراد من الجبهة التركمانية المدعومة من قبل تركيا ، تلك الجبهة التي لم تحصل الا على مقعد يتيم في البرلمان العراقي بعد كل الجهد الذي بذلتها في عموم العراق لا في كركوك فقط ومن العجيب أن هذه الجبهة لم تفكر بمصالح الفرد التركماني أبدا ولهذا بدأ التركمان يشكلون أحزاب أخرى تمارس أدوارها بشكل واقعي بعيدا عن الديماغوغية والذيلية ، فالمواطن التركماني لم يعد جاهلا بمصالحه كي يركب موجة الاحزاب العميلة التي تهمها مصالح تركيا قبل مصالح التركمان ، فحقوق التركمان في العراق كانت مختزلة في ناد إجتماعي يتخذ من بغداد مقرا له أثناء الحكم السابق ولكن الجبهة التركمانية تريد أن تطور تلك الحقوق الى التعامل باللغة التركية وإهمال اللغة التركمانية الجميلة بكل تراثه الغني وإن هذه الجبهة لم تفكر يوما بإعادة التركمان المهاجرين الى مناطق سكناهم ولكنها تحرص على رفع صور كمال أتاتورك في مقراتها ، ترى لماذا لا نجد تركمانيا واحدا من الشيعة وهم يشكلون نصف تركمان العراق بين صفوفها ؟ فمن المؤكد أنها لم تجد تركمانيا شيعيا واحدا تؤمن بمصداقية تركيا في تباكيها على التركمان ، أين كان هذا الحرص التركي على التركمان حينما كان التركمان يهجرون من كركوك ويرغمون على تغيير قومياتهم ويوم نسف حي تسعين في كركوك وسوي مع الأرض وهو حي تركماني خالص ويوم طبق الانفال البعثي على القرى التركمانية في محافظة كركوك ترى لماذا لم تهدد تركيا بإجتياح العراق دفاعا عن التركمان الذين كانوا يساقون الى المشانق والرمي العشوائي !؟ ولذلك أننا نجد أن ما قاله الرئيس مسعود بارزاني أزاء الجبهة المذكورة كلام في محله ، ومن يراقب الوضع التركماني منذ تشكيل حكومة أقليم كوردستان ولحد الآن يجده وضعا سليما فيكفي أن نقول أن تركمانيا واحدا لم يسجن لسبب سياسي طوال ستة عشر سنة من عمر هذه الحكومة ما يعزز كلام الرئيس حينما يقول أن التركمان والآشوريين في كوردستان هم شعبنا ونحن حريصون على المحافظة على مصالحهم ولم يكن كلامه حول التركمان وحول مجمل القضايا التي تحدث عنها في إطار إجابته على الأسئلة وليد ساعة حديثه بل إنه تكرار وتأكيد لتصريحات سابقة له وآخرها في الحوار الذي أجرته إياه فضائية ( العربية ) تلك التي ولدت موجة من التهديدات التركية وعلى مستوى كبار المسؤولين العسكريين والحكوميين ، تركيا تلك الدولة التي تلهث بدخول ذلك البرلمان الأوروبي الذي أستضاف الرئيس مسعود بارزاني والذي كرر كل ماقاله في فضائية العربية حيال الأحداث فترى هل تفكر تركيا هذه المرة أن تتراجع عن أسلوبه في التعامل مع جيرانه لعل تراجعه يسحب تراجع الأعضاء الدائميين في الاتحاد الاوروبي عن رفضهم الدائم لقبول تركيا لاعبا في صفوفها بسبب العقلية القديمة التي تحملها في سلوكها في التعامل مع الديمقراطية المزعومة في تركيا .
بعيدا عن موضوعة كركوك سأل الرئيس عن حزب العمال الكوردستاني في تركيا فقال أن مسألة هذا الحزب مسألة سياسية وأيد حل تلك المشكلة بأسلوب سياسي ، فتركيا تعاملت مع قضية الكورد في تركيا بسياسة حديدية وتجاهلت كل الندائات العقلانية التي أطلقها هذا الحزب لوقف إطلاق النار والجلوس على مائدة التفاوض غير أن تركيا لا زالت ماضية في قهر شعب تعداده عشرين مليون نسمة ولم تكترث حتى الى إعمار مناطقهم فالزائر يجد بونا شاسعا جدا بين مناطق الكورد في تركيا ومناطق الترك فعلى تركيا بعد أنتقلت قضية كركوك الى المحافل الدولية أن تراجع سياساتها إن كانت تريد رفع تهم التمييز والقمع والتنكيل والتدخل في شؤون لا تعنيها ، فترى هل تتعاون تركيا مع الرئيس مسعود بارزاني في تقريب وجهات النظر ببينها وبين حزب العمال الكوردستاني وإنهاء مشكلة لا تعرف مخرجا آخرا غير الحل السلمي والديمقراطي !؟