الرئيسية » مقالات » أثنين في واحد !! *

أثنين في واحد !! *

انتشر في الفترة الأخيرة أسلوب دعائي جذاب للجمهور، وهو الدمج بين أمرين في أمر واحد، فمثلا في المنظفات: تجد الإعلان يخاطب المرأة التي تغسل الملابس بهذه العبارة: وفري يا سيدتي الآن، بدلا من أن تشتري زهرة ومنظف ملابس، الآن اتنين في واحد، زهرة ومنظف معا. وفي الشامبوهات، ترى إعلانا يخاطبك قائلا: لا تشتري بلسم وشامبو، الآن وفر: اتنين في واحد (شامبو وبلسم).
ويبدو أن هذا الأسلوب الدعائي قد ألقى بظلاله على حياتنا الثقافية والدينية، فأصبحنا نرى كثيرا من الناس يريد أن يجمع اثنين في واحد، ولا يقنع بما هو ميسر لما خلق له من حيث تخصصه الذي يجيده ويتقنه.
فربما رأيت شيخا أو عالما، لكنه أراد أن يجمع بين عالم المشيخة والعلم الشرعي، وعالم التجارة، فلا يفلح لا في العلم، ولا في التجارة، بل ربما دخلها بعقلية الدروشة فأفسد وفشل، ونسب فشله لا إليه، بل لما يحمل من علم، وما يمثل من تدين. فهو يريد أن يكون شيخا وتاجرا، أي: اتنين في واحد!!
وقد تجد شيخا أو داعية، وفجأة تراه يقتحم ميدان السياسة، غير متسلح بأدواتها ولا وسائلها، فيرسل التصريحات والأقوال يمنة ويسرة، مما يصيب الحالة السياسية بحالة مربكة، ومما يضع مكانته كعالم أيضا موضع نقد، وربما انتقل النقد إلى الدين نفسه وإن كان هذا التوجه خطئا، إلى أن الذي يجر الناقدين لذلك هو تصرف الداعية أو العالم الذي تغريه الكاميرات، أو عدسات المصورين، ومانشيتات الصحف الضخمة، ونعترف أننا معشر المشايخ مساكين بسطاء، يستطيع أصغر صحفي أن يجرنا إلى ما يريد، وكنت دوما أقول: نحن أسرى من يسألوننا الفتوى، فتجد الرجل البسيط يريد سؤالك عن الطلاق: فيقول: يا عم الشيخ حلفت على زوجتي بالطلاق ألا تخرج من البيت، وقد قصدت بذلك التهديد، ولم أقصد الطلاق، وأظن يا عم الشيخ أن الطلاق للتهديد لا يقع، ثم يضيف: وقد كانت زوجتي في دورتها الشهرية (الحيض) وقد علمت أن شيخ الإسلام ابن تيمية لا يوقع الطلاق في الحيض، وهو الطلاق البدعي، وقد كنت غضبانا، وقد سمعت حديثا يقول فيه صلى الله عليه وسلم: “لا طلاق ولا عتاق في إغلاق” أي غضب، ثم يتركك السائل لتقول رأيك، وقد حاصرك من كل الاتجاهات، ولم يدع لك إلا خيار واحد: أن تقول له زوجتك ليست طالقا، وأنت لا تحتاج إلى مثلي ليفتيك!! هذا السائل هو الرجل العادي العامي، فما بالنا بالصحفيين المخضرمين في عالم الإيقاع بالدعاة في فخ التصريحات السياسية، أو الإدلاء بالأراء التي هي من صميم عمل السياسي، ولكن عين الداعية تطمح كشأن غيره ليكون: داعية ومهتم بالشأن السياسي، أي: اتنين في واحد!!
وقد ترى فنانا أو فنانة تائبة، يسر الله لها أمر الهداية، سواء اعتزلت الفن أم أكملت مسيرتها الفنية، وتريد أن تحتفظ بما لها من نجومية وشهرة، فكما كانت نجمة في التمثيل تريد أن تكون نجمة في عالم الدعوة والشرع، وهي ليست مؤهلة لذلك بحال من الأحوال، مع احترامي وتقديري للعاطفة التي تملي عليهن ذلك، فتفاجأ بفنانة تجلس لتفسر القرآن، أو تنصب نفسها داعية تتحدث في أمور علمية دقيقة، أو دعوية تحتاج إلى عالم أفنى حياته في العلم، وقلب بصره بين صفحات الكتب سنين عددا، كي يدلي بدلوه في قضية من القضايا التي نرى بعض أخواتنا من الفنانات التائبات تقف تقول رأيها فيها، فهي تريد أن تكون: فنانة وداعية: اثنين في واحد!!
وقد ترى منظِّما في حركة من الحركات، فيتولى قيادة وزمام الأمر في جماعة إسلامية، ناسيا أنه مجرد إداري، أو عسكري مرور لا يعدو هذا القدر، أو العقل المدبر للأمور، وأن التنظير الفقهي والعلمي ليست وظيفته، وهذا الخلل أصاب معظم الحركات الإسلامية في فترة السبعينيات من القرن العشرين، فجماعات العنف نشأت تفتقر إلى المتخصص الشرعي، فحدث لها ما حدث، وكذلك جماعة الإخوان المسلمين عندما عادت للعمل الدعوي في عهد السادات، كان عندها رصيد علمي وثقافي تركه علماؤها يكفيهم لمدة عشر سنوات، ولا يحتاجون إلا لمن يجمع شتاتهم، وينظم صفوفهم، فتولى أمر الحركة المنظِّم، ولكن طالت المدة وصار المنظِّم هو المنظِّر أيضا، ونحي أو تنحى المتخصص الشرعي، فصرنا نرى الطبيب المتكلم في شأن الشرع، والمهندس المفتي في أمر الشرع، وظلت الأمور تمشي لأنه لا احتكاك حقيقي لقضايا بحثية متخصصة، تبرز هذا الخطأ، إلى أن جاءت قضايا شائكة ليس لها إلا المتخصص في البحث الشرعي، فهو ابن بجدتها، وسبب هذا الخلل هو أن المنظِّم أراد أن يكون منظما ومنظرا: اتنين في واحد!!
والأمثلة في هذا المجال كثيرة لا حصر لها، وهذه مجرد نماذج لتوضيح الفكرة التي أريد أن أنبه إليها، ولست أعني بذلك أحدا بعينه فالتفسير التآمري هو الأقرب للذهن عندنا للأسف، عندما ننبه إلى حالة سلبية. وأعلم ما سيرد علي به من أن الإسلام ليس دين كهنوت كغيره من الأديان، بحيث يكون هناك رجال دين، ليس لأحد غيرهم التحدث في الدين. أعلم ذلك وأعيه جيدا، ولكن فرق بين الكهنوت والتخصص، نحن لا نمنع أحدا أن يصل في تدينه إلى أعلى الدرجات هذا لا خلاف عليه، ولا أحد يستطيع أن يضع حاجزا عليك فيه، كن في العبادة والتدين كما شئت، ولكن عند أمور الشرع نحتاج إلى التخصص، وكذلك أن نعطي القوس باريها كما يقال، وأن سوبر مان الدعوة لم يعد له وجود في حياتنا العلمية والثقافية والدعوية، أو ما نطلق عليه (بتاع كله) أو بمصطلح الإعلانات: اتنين في واحد!!

[1] أعتذر للقارئ من جعل العنوان باللهجة العامية، ولكن الضرورة ألجأتني لذلك