الرئيسية » مقالات » ماذا قدم التجمع العربي لنصرة القضية الكوردية

ماذا قدم التجمع العربي لنصرة القضية الكوردية

لانغالي اذا قلنا إن العلاقة بين الكورد والعرب والتركمان في العراق علاقة متميزة ، تميزت بتلك الوشائج الحميمة والترابط النضالي خلال ذلك السفر الطويل من الملاحم الوطنية التي سجلها بفخر التاريخ العراقي الحديث ، والتي لم تضعفها مواقف السلطات التي تركت آثار ظلمها على جميع تلك القوميات .

وبالرغم من أن السلطات القامعة التي توالت على حكم العراق كانت تتستر بعباءة القومية والدين وغالبا ما تكون العروبة الرداء الذي تبرقع به وجهها البشع ، الا إن تلك الروابط والعلاقات الإنسانية بقيت وثيقة على الدوام لم يخدشها الأساليب البعيدة عن المنطق ، والتطرف البعيد عن العقل ومنطق الحياة ، ويمكن إن نستدل بالخليط القومي الذي ضمته الأحزاب العراقية الوطنية ، والذي بقي متينا وثابتا لم يتغير ، وكما يمكن إن تكون نتائج الحروب التي شنتها الجيوش الجرارة التابعة للسلطات الشوفينية ، والتي لم تستطع إن تسحب قتالها وكراهيتها الى الشارع العراقي بين تلك القوميات ، ولا أستطاعت إن تجعل قيم المحبة والتآخي بين القوميات تندحر أو تتراجع لتحل محلها الكراهية والحقد ، اذ بالرغم من كل الخسائر والتضحيات التي قدمتها تلك الشعوب فقد بقيت العلاقة الإنسانية متينة وتزداد متانة على الدوام .

وبقيت تلك العلاقة متميزة حقا ومختلفة عن ما يجاورها من بلدان يسكنها الكورد منذ الأزل ، فلم تبرز مثل تلك العلاقة الحميمة في تلك المناطق ، ولا ارتقت لمستوى التلاحم والأنسجام بين شعوب تلك القوميات في العراق ، ولطالما قدم العرب والتركمان ارواحهم قربانا من اجل حقوق الكورد إيماناً منهم بحق الأنسان في الأختيار ، ولطالما ضحى الكورد والتركمان بأرواحهم من اجل حق الشعب العربي في العراق في حياة ديمقراطية وضمان لحقوق الإنسان ، وبما تكفله الشرائع السماوية والقوانين الدولية لهذه الحقوق ، ولطالما ضحى العرب والكورد من اجل حقوق التركمان المشروعة وهم جزء حيوي وفاعل ومؤثر في الساحة العراقية .

وعانت تلك الشعوب معاناة انسانية كبيرة نتيجة لسياسة تلك السلطات التي افقرت العراق وضيعت أنسانه وثرواته ،ووظفت كل تلك الثروات في حروب داخلية وخارجية وأنفقت المليارات على المؤسسات الأمنية والمخابراتية ، وضيعت ثروات العراق بالأنفاق على الصحافة المعروضة للبيع وعلى شراء الذمم والمواقف السياسية وكل من يساهم في تغطية حقائق العراق .

وخلال التاريخ الحديث سجل ابناء تلك القوميات سفرا نضاليا وصفحات خالدة في التضحية والصمود وتحدي السلطات والحكام ، وبالرغم من كل تلك التضحيات تساقط الحكام كالورق وانتهوا مع بقاء الجماهير مصرة ومتمسكة بحقوقها المشروعة .

وتفرد الكورد بحالة من الظلم تميزت في هيمنة الفكر الشوفيني على العقل العربي في معالجة قضاياهم وحقوقهم ، وانتشرت تلك الهيمنة لتعم مساحة ليست بالقليلة من العقل العربي ، فقد تحالفت قوى متطرفة وظالمة وشوفينية ومتخلفة ضد حقوقهم ، وكما تحالفت السلطات التي تنكرت لحقوقهم مع توظيف كل مقدراتها المادية والمعنوية من اجل تشويه تلك الحقوق ، وأزاء تلك الظاهرة المتناقضة مع الحقوق الشرعية ومع مفاهيم الحق والحقوق في الشرائع السماوية ، ومع لوائح حقوق الإنسان ، فقد ابتلي العرب بهذه الظاهرة مع وجود عقول خيرة ونيرة تقر بتلك الحقوق وتدافع عنها ، ومع وجود تلك النخبة التي بقيت تتمسك بضمائرها وتناضل من اجل حقوق الجميع ، مما جعلها تشعر بثقل المهمة الملقاة على عاتقها في التنوير الثقافي وأبراز الحق والحقوق من خلال تجمع يتوحد بت الضمير العربي ، ويقف من خلاله الصوت العربي الحي في الأنتصار لقضية شعب كوردستان ، شعرت تلك النخب أنها إمام مرحلة يتوجب عليها الزمن إن تقف بجرأة وبكل مصداقية في الدفاع عن قضية الكورد ، ليس لها علاقة بالسلطات ولا ترتبط بالحكام ولاتخضع لشروط احد ، فكان عليها إن تعلن أنها تنتصر لقضية شعب كوردستان ، وانها بهذا الموقف انما تنتصر لقضية شعبها العربي وتعلن ايضا أنها تزيح تلك الغشاوة من العقل العربي لتشعل شمعة صغيرة في درب طويل غير معبد وموحش ، مع الأيمان المطلق بأن ذلك الضياء سينير ولو جزءا محددا من قضية الحقوق وفقا لتلك الأمكانيات المتواضعة التي جمعت تلك النخبة .

الكورد في كردستان العراق على الدوام كانوا الظهير الحقيقي والمسند الثابت لقضية الشعب العراقي بشكل عام في نضاله ضد السلطات الدكتاتورية والشوفينية التي مارســت أبشع أنواع الظلم والهدم والخراب ، وفقا لرغبات الحكام الذين انتهوا في ذاكرة التاريخ الى مواقعهم المتردية ، وكانت الحركة الكوردية الوطنية المسلحة في نظر تلك السلطات ظلما على الدوام الحركة الأنفصالية والعاصية والرجعية والجيب العميل والقوة الهدامة ، والحقيقة التي يدركها العقل والضمير العربي أنها الحركة الوطنية والشعبية المطالبة بحق شعب كوردستان العراق في الأختيار الأنساني ، والتي لاتدركها العقول التي تطبعت على سلطات الأستبداد والطغيان .

ولانزعم إن هذا التجمع يطلق الشرارة الأولى في الأنتصار لحق شعب كوردستان ، فقد سجل التاريخ العراقي الحديث مواقف مشرفة لأحزاب عراقية وطنية وقفت الموقف الوطني والمطالب ، وأصطفت مع الشعب في المطالبة بحقوقه ، ولعل الحزب الشيوعي العراقي كان من بين الأحزاب المتميزة في مواقفها التأريخية المنصفة أزاء قضية شعب كوردستان ، وللحقيقة والأنصاف فقد اعلنت مواقف أنسانية مشرفة يحفظها التاريخ ويسجلها بفخر لعرب انتصروا لقضايا حقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها ، ومع كل تلك المواقف كان لابد لتجمع يضم النخب العربية من كل الأقطار يدعم تلك الحقوق ويدافع عنها ، مندفعا من خلال مبدأ حق وحرية كل شعب في تقرير مصيره بنفسه واختيار طريق حياته ونظامه السياسي بعيداً عن الوصاية ورفض ممارسة الضغوط أو استخدام العنف والقسر لمنعه من ممارسة هذا الحق المشروع والعادل.

والمتابع لحركة التاريخ يدرك حجم العلاقة الوثيقة بين العرب والأكراد ، ويدرك أسباب أستمرار التآزر والتعاضد في القضايا الأنسانية ، و حجم العلاقة في المواقف التاريخية المشتركة .
وماموقف بعض الاقلام والضمائر العربية من مساندة لقضية الاكراد سوى الدليل الحي على ذلك ، ونرى ان هذه الوقفة ماهي الا من الموجبات المترتبة على المدافعين عن حقوق الانسان والمجتمع المدني والمتبنين قضية الحقوق والساعين الى ان ينال كل شعب حقه من الحياة والحرية وتقرير المصير ويساهم بشكل فاعل وجدي في بناء الحضارة وتقدم الانسان

لذا فأن تأسيس هذا التجمع الذي سيقتصر على النخب العربية مهما كانت جنسيتها والتي تسعى الى المساهمة في أنعتاق الكورد من قيود الذل والعبودية التي تحاول بعض السلطات الشوفينية أن تفرضها عليهم ، وسعيه للتأكيد على الهوية الكوردية والأهداف الأنسانية التي يطالب بها الأنسان الكوردي وحقه المشروع في الحياة الأنسانية ، وتبني الخيار السياسي الذي أجمع عليه كل شطر من الأشطار التي صارت فيها الأمة الكوردية ، وأن يتم التعاون معها في سبيل نشر ثقافة المحبة والتسامح والأخوة والأعتراف بحق الآخر في الأختيار والحياة في كل مكان

ويمكن تلخيص تلك الأهداف التي عرضها المفكر الدكتور كاظم حبيب أحد مؤسسي التجمع في مقالته عن أهداف التجمع بعنوان (من أجل تكريس التضامن بين الشعبين العربي – من أجل بناء عراق فيدرالي ديمقراطي مدني تعددي ) . والكردي



(( يسعى التجمع للمساهمة في التخلص من نتائج الفكر الشوفيني الشائع بين العرب والذي نشرته السلطات والثقافة البغيضة والهدامة لغرض بث الفرقة والأستهانة بالشعوب وغمط حقوقها الانسانية ، ويسعى التجمع العربي لمناصرة القضية الكردية من خلال الأسهام الفعال في عرض الحقائق المغيبة التي فجعت بها الأمة الكردية وتحملتها بصبر وثبات كبيرين

كما يسعى التجمع الى أدانة و تجنب أساليب الحرب والقتال التي تسعى اليها الأفكار والسلطات الشوفينية والمتعصبة والمتطرفة قومياً وشجب اساليب الحروب والقتال ، وتأمين حياة مدنية وآمنة ضمن مجتمع مدني وديمقراطي وموحد يليق بالأنسان . أن الأعتراف بحق الآخر أضحت قاعدة أساسية للحياة الأنسانية في هذا العصر ، وبدون هذا الأٌقرار سيكون للحقوق تعابير تختلف عن حقيقتها وتتناقض مع معانيها ، لذا فأن التجمع يسعى الى مساهمة الأعضاء المنتسبين اليه بالمساهمة الثقافية والسياسية والفكرية الفاعلة من أجل أبراز هذه الحقوق ونشرها .

وحدد التجمع اهدافا عامة للعمل في أطارها ، تمثلت في تنشيط وتطوير الحوار بين العرب والكورد حول القضية الكردية في العراق وفي منطقة الشرق الأوسط بشكل عام بأمل تحقيق تفهم أوسع ووعي أعمق بطبيعة هذه القضية والتجارب التي مرت بها والمهمات التي يسعى إليها الشعب الكوردي
وفي تطوير النشاطات المشتركة بين العرب والكرد على الصعيدين الداخلي والدولي لتحشيد الرأي العام من أجل تأييد القضية العادلة لهذا الشعب ومنع تعرضه إلى المزيد من العذاب والاضطهاد والحرمان من حقوقه العادلة والمشروعة
و دعم نضالات الشعب العراقي بكل قومياته في سبيل تعزيز وجهته الراهنة وتكريسها صوب الديمقراطية والفيدرالية والتعدية البرلمانية والحياة الحرة والكريمة ورفض العودة إلى الماضي المأساوي حيث كانت الشعوب ضحية السياسات الاستبدادية والعنصرية للنظم الجائرة
وفي معالجة القضايا العالقة في العراق بالطرق السلمية ووفق مبدأ التفاوض الديمقراطي ووفق آليات ديمقراطية وعلى أساس الحقوق التاريخية, بما في ذلك قضية كركوك والمدن الكردية الأخرى التي لحق بها التغيير السكاني من جانب الدكتاتورية الغاشمة بسياساتها العنصرية, وبما يعزز التعاون والتفاهم بين شعوب العراق
و رفض العنف والإرهاب والتطرف الذي يتعرض له العراق بكل قومياته وأتباع أديانه ومذاهبه واتجاهاته الفكرية والسياسية وإدانته والنضال من أجل إيقافه ومنع تصديره إلى العراق وتعبئة الرأي العام العربي والإقليمي والعالمي لمساعدة الشعب العراقي في وضع حدٍ له, سواء أكان من جانب فلول وعصابات نظام البعث المخلوع أم قوى الإسلام السياسية المتطرفة والإرهابية أم القوى القومية الشوفينية التي لا يطيب لها أن ترى توطد التآخي العربي – الكردي في العراق والعالم العربي
وفي إصدار الكتب والكراسات والنشرات والمقالات ومختلف الفعاليات الفكرية والسياسية والثقافية التي تسهم في تحقيق الأهداف المشار إليها في أعلاه وتعزز الصداقة العربية الكردية وتعبئ المزيد من الناس إلى جانب نشاط التجمع العربي لنصرة القضية الكردية . ))



وأزاء كل تلك الأهداف الكبيرة مقترنة بألتزام بقاء التجمع متحررا من كل قيد أو شروط تحدد حركته أو تجعله تابعا ، فقد تباطأت الخطوات ، الا أنها بدأت بالخطوة الأولى وستليها الخطوات اللاحقة ، ومما يفرح النفس في ولادة هذا التجمع أن شروط الأنتساب والأنتماء غير محددة بشروط سوى قبول حق الأخر في الحياة والأختيار السياسي ، وأن ينسجم العضو مع القواسم المشتركة في هذا المجال خدمة لقضايا الانسان وترجمة هذه المواقف عملياً . أن التجمع عبارة عن توحد المثقفين العرب من مختلف الأعمار والجنسيات ومن أجيال متعددة من الراغبين بنصرة قضية الشعب الكوردي ، ويتمتع التجمع بأستقلال سياسي ولاينتمي الى أي حزب ولا لأية سلطة ، ويتمتع بالمصداقية ، ويعمل على الصعيد الشعبي للمساهمة في شحذ الوعي العربي ضد الفكر الشوفيني البغيض ، وبما يخدم قضية التفاعل الحقيقي بين الشعبين العربي والكوردي .

وحيث يسعى التجمع لتجنيد الطاقات العربية للمساهمة في نصرة قضية الشعب الكوردي وأستنهاض همم المثقفين العرب في هذا المجال ، مع التأكيد أن التجمع ليس حزباً أو تابعاً لأي طرف ، فقد تنادت تلك الضمائر لتكتب اسماؤها معلنة قبولها بهذا التجمع ، وتساهم بشكل اساسي في ابراز عنوان كبير يحمله الضمير العربي الحي المتخلص من عقد السلطات وامراض الشوفينية لينتصر لقضية شعب كوردستان ، ومما يجلب الأنتباه أن تلك الأسماء توزعت على خارطة الوطن العربي .

وأزاء تلك الرؤية والأهداف نجد إن على التجمع ايضا رصد الظواهر السلبية والمضرة بمستقبل شعب كوردستان ، ولذا فأنه مطالب ايضا بنقد تلك الظواهر والأشارة اليها وتشخيصها بتجرد من باب الحرص على حقوق شعب كوردستان وأثراء تجربته النضالية في أرساء قواعد الدولة الأتحادية ، وعلى التجمع ايضا فضح الشوفينية والتعصب وادانة المواقف المتعصبة والتي تضر بالعلاقة الإنسانية سواء بين الكورد والعرب أو بين الكورد والتركمان .

البطء في تحقيق بعض الأهداف التي ذكرها البيان التأسيسي يتحمل وزرها اعضاء الهيئة التأسيسية وحدهم ، فالأعضاء المؤازرين ينتظرون حركة النخبة التي تحملت عبء بناء الهيكل العام والبناء الداخلي لهذا التجمع الإنساني ، وهم يطالبون اكثر من غيرهم أجراء الأنتخابات وتحديد المراكز القانونية للهيئة القيادية لهذا التجمع .

فدون تلك القاعدة لايمكن إن يستقيم العمل أو تنفرد الهيئة في العطاء ، ودون تلك القاعدة لايمكن إن تستقيم النتائج التي نسعى اليها ، ومع إن ظروفا خاصة صحية وشخصية وظروف اخرى احاطت كلها بأوضاع الزملاء في الهيئة التأسيسية ، الا إننا لم نزل متمسكين بأصرار من اجل السعي لتحقيق تلك الأهداف بما نمتلك من امكانيات وبما نستطيع من قدرات سعيا لتحقيق التلاحم العربي الكوردي ، واحلال مفاهيم الصداقة والتضامن والتفاهم والديمقراطية والفيدرالية والسلام بين شعوب العراق وشعوب المنطقة بأسرها .

ولايخفى على القاريء العربي والمتابع حجم الجهد المتميز الذي يبذله بعض أعضاء التجمع لأبقاء الأهداف متوهجة ومتقدة ، وبالرغم من الظروف الصحية والالتزامات المرهقة التي يعانيها بعض من أعضاء الهيئة الأدارية للتجمع ، الا إن هذا لم يكن العائق الوحيد الذي يلغي النقد واللوم في تكثيف النشاط ومضاعفة الهمم ليأخذ التجمع دوره الوطني والأنساني .