الرئيسية » مقالات » قانون اجتثاث البعث والعملية السياسية في العراق!

قانون اجتثاث البعث والعملية السياسية في العراق!

نشر المكتب الصحفي للسيد رئيس الجمهورية العراقية خبراً مفاده إن رئاسة الجمهورية قد انتهت من وضع مشروع أو مسودة قانون تعديل “قانون اجتثاث البعث” مشيراً إلى أهميته في العملية السياسية الجارية لتأمين أرضية صالحة للمصالحة الوطنية. وقد أرسل هذا المشروع إلى مجلس النواب لمناقشته وإصداره في ضوء حاجة العراق له. ولم نطلع على فحوى القانون, إذ لم ينشر في أي مكان يمكننا الوصول إليه. وبتاريخ 27/3/2007 نشر موقع صوت العراق الإلكتروني بياناً تضمن ملاحظات هيئة اجتثاث البعث التي يترأسها السيد الدكتور أحمد الجلبي. طرحت الهيئة فيه وجهة نظرها بالمواد الواردة في مشروع القانون الجديد دون أن تنشر هي الأخرى نص هذا المشروع. وقد كان موقف الهيئة يتميز برفض غالبية المواد الواردة في المشروع وتأييدها لعدد قليل لا يتعدى أصابع اليد الواحدة من مواده. وليس في مثل هذه المناقشة أي ضير, بل مفيدة جداً لو كان نص المشروع قد نشر لكي يمكن لكل مواطنة ومواطن أن يطلع عليه وعلى الملاحظات, ومن ثم يكون وجهة نظره الخاصة ويطرحها للحوار أيضاً لكي يمكن الوصول إلى مشروع يخدم مصالح المجتمع بأسره وينشط العملية السياسية.
ومنذ إقرار هذا القانون في فترة حكم المستبد بأمره بول بريمر للعراق في العام 2003 تكونت لدّي ولدى الكثيرين جملة من الملاحظات المهمة ابتداءً من اسم الهيئة والقانون ومروراً بمواده المختلفة وأهدافه وانتهاءً بأسلوب عمل الهيئة ونشاطها في العراق وما ارتكبته من أخطاء بحق الكثير من المواطنات والمواطنين, وخاصة بعد أن ثبت ذلك في الدستور الدائم. وما أن انتهيت من التدقيق في الملاحظات حتى تكونت لدّي ملاحظات على أراء “هيئة اجتثاث البعث”, التي يشعر القارئ لها بأنها تهدف إلى تكريس روح الانتقام وليس الوصول إلى العدالة, وأنها ذات مضمون طائفي أكثر من كونها ذات مضمون عراقي عام وهادف إلى تنشيط العملية السياسية في العراق وصولاً إلى المصالحة الوطنية. فملاحظات الهيئة لا تعبر عن رغبة في تكريس مضمون القانون واسمه فحسب, بل وإلى توسيعه وتعميقه وزيادة الاصطفاف الفكري والسياسي والطائفي في العراق. وهو خطر كبير على العملية السياسية الجارية في العراق.
ولكن سوف لن أناقش ملاحظات الهيئة, إذ أنها لا تخرج عن طبيعة القانون الذي وضعه المحتل في فترة حكم بول بريمر في العراق ونفذه الدكتور أحمد الجلبي, كما لا أناقش مشروع القانون الجديد الذي لا أعرف مضامينه حتى الآن, بل سأدلي برأيي حول ما يفترض أن يكون عليه مشروع القانون الجديد ليدعم التوجه صوب المصالحة الوطنية. يمكن تكثيف ملاحظاتي بالنقاط التالية:
حول الاسم
يبدو أن الذين وضعوا هذا القانون تخلوا عن أي وعي فلسفي أو علمي أو تفسير سليم بما يعنيه مفهوم ومضمون الاجتثاث. فالاجتثاث يعني قلع الشيء من جذوره كما يجتث الإنسان شجرة من الأرض أي يعني “قلعها من الأصول” كما يرد في المنجد, أو أن يتم اجتثاث قبيلة أو مجموعة بشرية من الوجود بقتل جميع أفرادها. فهل هذا هو المقصود في قانون ونشاط “هيئة اجتثاث البعث”
إن فكر البعث فكر قومي من حيث المبدأ, وهو أحد التيارات القومية الفكرية والسياسية الكثيرة, وتتبناه جماعات سياسية قومية في الدول العربية كافة, إضافة إلى جماعات مقيمة في خارج هذه الدول. وهي متباينة في فهمها لهذا الفكر القومي وفيها أطياف كثيرة لا طيف واحد, اسود أو أبيض, تمتد من أقصى اليمين الذي تمثل تيار ميشيل عفلق وصدام حسين في حزب البعث العربي الاشتراكي, ومروراً بحزب البعث في سوريا ولبنان, وانتهاءً بمجموعة منها في العراق يطلق عليها بالبعث اليسار التي وقفت ضد سمّيها حكم البعث المقبور في العراق. كما لم يكن كل البعثيين من أعضاء حزب البعث العفلقي ألصدامي في العراق هم من طينة وطبيعة وسلوك صدام حسين ورهطه, بل كان فيهم من هو بخلاف ذلك وبمستويات مختلفة وبعد قومي يميني أو معتدل متباين. وفكر من هذا النوع ومن أي نوع آخر لا يمكن ولا يجوز التفكير بالقدرة على اجتثاثه بإصدار قانون أو المحاربة بالرزق أو السجن وما إلى ذلك. بل يفترض خوض الصراع بين الأفكار على أسس عقلانية وسليمة. فلا اسم البعث ولا حزب البعث يمكن اجتثاثه, بل يفترض خوض الصراع الفكري والسياسي معه. وأتباع كل فكر يمتلكون الحق ويستطيعون تعرية أو الكشف عن عورات فكر البعث بما هو يمتلكونه من منطق وحجج إنسانية عقلانية تساعد في إبعاد الناس عن هذا الحزب, وهي الطريقة الوحيدة التي يمكن بها الكفاح ضد أي فكر كان وليس فكر البعث وحده. وهو أمر ينطبق على فكر الإسلاميين السياسيين الأصوليين أو السلفيين المتطرفين أيضاً أو اليساريين المتطرفين إلى حد ممارسة الإرهاب مثلاً. فالاجتثاث كاسم لهيئة غير علمي وغير عقلاني وخاطئ في آن, وكان على واضعيه تجنبه منذ البدء وتجنيب بول بريمر من الوقوع بهذا الزلل الإضافي لأخطائه الكثيرة التي ألحقت أضراراً فادحة بالعملية السياسية الجارية, وليس تقديم النصح له لإصداره

حول مضمون القانون
حين يقرأ الإنسان فحوى القانون يجد أن صياغته وضعت لتحقق الانتقام من البعثيين دون استثناء عملياً وليس تأمين العدالة أولاً, وبعيداً عن الاستفادة من تلك التجربة المريرة والغنية حول سبل صعود وسقوط الفكر الفاشي السياسي ألصدامي والدكتاتورية في العراق, الذي تمثل بسياسات صدام حسين التي انطلقت من بعض الأصول الفكرية للحركة القومية العربية التي نشأت وترعرعت في أحضان السلطة العثمانية الاستبدادية وفكرها القومي الديني المتخلف, رغم مقاومتها للسلطة العثمانية, إلا أنها تبنت ومارست, شاءت ذلك أم بنت, فكر حاضنتها, ثم أضاف الجيل الجديد من القوميين العرب إليه الجديد من الأفكار المثقل والممارسات المثقلة بالحقد والكراهية للفكر الآخر, مضامين أخرى من أفكار القوميين اليمينيين المتطرفين في بعض الدول الأوروبية وخاصة فكر موسوليني وهتلر, أو بتعبير أدق, فكر ألفريد روزينبيرغ. ومن هنا جاء فكر البعث منذ التأسيس ملفوفاً بأفكار ذات تربة ملطخة بالعنف والاستبداد واليمينية ومليئة بالخشية من الآخر ومن الزوال بسبب سياسات العثمنة التي مارستها الدولة العثمانية في مختلف أرجاء الإمبراطورية العثمانية.
كان المفروض في قانون من هذا النوع, وتحت اسم آخر, أن يحقق عدة أهداف جوهرية بالنسبة للمجتمع العراقي ومستقبل العمل السياسي فيه:
1. إدانة جميع الأفكار, أياً كان مصدرها, التي تجسد فكراً شمولياً واستبدادياً, فكراً شوفينياً وطائفياً مقيتاً, فكراً يكافح الفكر الآخر ويمنعه من العمل والنشر, وكذلك منع تأسيس أحزاب تعتمد الفكر الشمولي والشوفيني والطائفي تحت أي تسمية علمانية أو دينية ظهرت.
2. إدانة النظم السياسية التي تقيم حكماً شمولياً واستبدادياً, سواء أقيم على أسس حزبية ذات وجهة وممارسة عنصرية أو دينية أو طائفية, سواء أكانت حكماً مدنياً أم عسكرياً, وسواء جاءت بلبوس يمينية أم يسارية.
3. تقديم النخبة الحاكمة والنخبة الحزبية المسؤولة عن كوارث العراق وسياساته وحروبه الداخلية والخارجية إلى المحاكمة لنيل الجزاء العادل عبر القضاء المستقل.
4. التمييز بين أعضاء الحزب الذي حكم العراق 35 عاماً بين ثلاث فئات, هي:
• الفئة القيادة التي خططت وهيأت ومارست السياسة ألصدامية, وهي حفنة غير كبيرة من المدنيين والعسكريين, ومعها بعض المتهمين بجرائم القتل الجماعي وتنفيذ سياسات الإبادة الجماعية وضد الإنسانية في الأنفال وحلبجة في إقليم كُردستان على أساس قومي شوفيني, وضد الانتفاضة الشعبية لعام 1991, وضد سكان الأهوار أو ضد العرب في الجنوب والوسط على أساس طائفي, وضد الكُرد الفيلية على أساس شوفيني وطائفي في آن, وضد سكان الدجيل على أساس سياسي استبدادي …الخ. وهذه الفئة من المتهمين لا يزيد عددهم عن 1000 شخص, وأغلبهم كان يعمل في الحكم وفي أجهزة الأمن والمخابرات وفدائيي صدام حسين.
• فئة الأعضاء في حزب البعث وفي مختلف القيادات الثانوية التي كان المفروض تحييد أفرادها وعدم دفعهم إلى مواقع الفئة الأولى في مواد القانون وفي الممارسة العملية.
• فئة الأعضاء والمؤيدين أو الأنصار التي التحق أفرادها بحزب البعث لأسباب كثيرة, سواء أكانت لأغراض الحصول على مكاسب وظيفية أو دراسية أو …الخ, أو الخلاص من أجهزة الأمن والاستخبارات والملاحقة أو الإيمان بحزب البعث ولكن لم يمارس هؤلاء ما يدعو إلى محاكمتهم أو إلحاق الضرر بهم, إذ أن قسماً منهم رفض سياسات الحكم وقاومه وعمل ضده أو ترك مواقعه فيه وغادر العراق من تمكن من ذلك …الخ.
وإذ كان ولا زال ضرورياً تقديم الفئة الأولى إلى المحاكمة بتهم عديدة, فأن جماعات الفئة الثانية والثالثة كان ولا زال المفروض إما العمل من أجل تحييدها أو كسبها إلى العملية السياسية الجديدة مع الانتباه لنشاط البعض القليل منه دون الدفع به إلى زاوية حادة ليشكل تكتلاً واحداً يخشى الانتقام منه ويفكر في كيفية الخلاص أو حتى المشاركة في العمليات الإرهابية الجارية حالياً.
إن السياسة التي مارسها بريمر والدكتور الجلبي وبعض القوى الطائفية السياسية قد دفعت بالأمور إلى وجهة خاطئة, وأججت المزيد من الصراعات ووفرت بعض الأسباب الإضافية لما يعيشه العراق اليوم. ولهذا اعتقد بأن على القانون الجديد أن يميز بين هذه الجماعات ليستطيع البدء بعملية جديدة في مواجهة الوضع القائم وليس الانجرار وراء العواطف وروح الانتقام والابتعاد عما هو ممكن لإيقاف نزيف الدم في العراق. لن نستطيع إعادة الشهداء إلى الحياة, ولكن نستطيع منع تكرار ذلك مستقبلاً لا من خلال روح الانتقام. يبدو لي بأن بعض الناس لا يستطيع العيش إلا على أساس الانتقام وتعميق الصراع الطائفي السياسي وتشديد الاصطفاف والاستقطاب, في حين إن ما يحتاجه العراق اليوم هو روح التسامح التي تجلت في السياسة التي مارستها القيادتان الحزبيتان في كُردستان العراق, قيادتا الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني والجبهة الكردستانية, في التعامل التسامحي الضروري مع القوى الكردية التي ألحقت أضراراً كثيرة وكبيرة بالحركة التحررية الكردية في تعاونها المشين مع حزب البعث وحكم البعث وعلى امتداد حكم البعث في العراق أو حتى قبل ذاك بكثير. ويبدو لي بأن مشروع القانون الجديد يسير في نفس الوجهة التي أدعو إليها والتي تتعارض مع وجهة هيئة اجتثاث البعث التي يترأسها السيد الدكتور أحمد الجلبي.
إن المأساة وكوارث الحروب والقبور الجماعية التي عاشها الشعب بمكوناته المختلفة في العراق في ظل حكم البعث ألصدامي كبيرة جداً ويصعب تصور ما خلفته من عواقب على المجتمع, والتي يعاني من بعضها اليوم, كما سيعاني منها في المستقبل. وعلى الجميع خوض الحوار حولها ودارستها بعمق وشمولية وموضوعية عالية ومحاولة هضمها من خلال استيعاب دروسها وإيصال تلك الدروس إلى الأجيال القادمة التي لم تمر بتلك التجربة ولكن تعيش ذيولها الراهنة. هذا هو المغزى الحقيقي للمسألة, وهذا هو الدرس الذي تقدمه جمهورية جنوب أفريقيا لنا ولغيرنا من البشر. وعلينا أن نساهم بتقديم تجربتنا الإيجابية التسامحية والتي لا تسكت في الوقت نفسه عن الجرائم البشعة التي ارتكبت في العراق, ولكن لا على أساس روح الانتقام بل على أساس العدالة وخلق أرضية صالحة للعملية السياسية والمصالحة الوطنية المنشودة.

نهاية آذار/مارس 2007