الرئيسية » مقالات » قراءة في تحولات السياسة الأمريكية

قراءة في تحولات السياسة الأمريكية

من المرجح أن استراتيجية الادارة الأمريكية الجديدة المعلنة في الأونة الأخيرة قد جاءت تجاوبا مع حقائق ملموسة لا يمكن تجاهلها ,ووقائع على الأرض يستحيل تجاوزها ومنها : ميلان ميزان القوى في الداخل الأمريكي لصالح الديموقراطيين وتأثيرات توجهات تقرير بيكر – هاملتون المغايرة لبعض جوانب سياسة الادارة وتعرض الرئيس بوش الى مختلف أنواع الضغوط بسبب الخسائر الكبيرة في أرواح العسكريين في الساحة العراقية وصعوبات مالية بسبب العراقيل المزروعة من جانب الأغلبية الديموقراطية في الكونغرس وتحديات ارهابية قائمة داخل العراق ومحتملة في المنطقة بأسرها من جانب مجموعات ارهابية ومنها منظمة القاعدة وبعضها بدعم واسناد مباشرين من نظامي دمشق وطهران وأطراف أخرى معادية للولايات المتحدة الأمريكية لأسباب متنوعة اضافة الى تهديد الأمن والاستقرار في أكثر من ساحة بالشرق الأوسط وخاصة في لبنان وفلسطين ولكن ما تم تحقيقه من جانب الأمريكيين وحلفائهم ليس بالقليل حسب منظورهم وحتى في نظر معظم مراقبي الوضع في المنطقة يوازي في بعض أوجهه مع فداحة ما قدمت من خسائر حيث تم اسقاط أكثر نظامين أصوليين استبداديين متخلفين في المنطقة والاعتقاد السائد أن النتائج ما زالت تتفاعل وسيكون لها تاثيرا في تغييرات مرتقبة لمصلحة الديموقراطية وقضية السلم وحرية الشعوب في سورية وايران ومن الداخل وليس بالضرورة ان تكون على الطريقة العراقية وكذلك وعلى المدى الأبعد تنمية ودفع الحراك السياسي ورفع وتيرته في بلدان أخرى بالشرق الأوسط .
– الاستراتيجية الأمريكية الجديدة وكما تبدومن ملامحها تقضي – اضطراريا وليس اختياريا كما ذكرنا – بالتوقف عن حالة الهجوم وتعديل مبدأ – الفوضى الخلاقة – في الدول الاستبدادية ( المارقة ) وفتح قنوات الاتصالات المباشرة معها باتجاه تعزيز الضغوط وتحصيل التنازلات حتى بواسطة الاغراءات الاقتصادية ومن ثم استخدام تكتيك تجميد استكمال عملية التغيير الديموقراطي في الشرق الأوسط الجديد أو الكبير لافرق بالطرق العسكرية والاكتفاء بتعزيز ما تحقق الآن وترسيخه الى أجل آخر ومن ثم الانطلاق منه في مراحل لاحقة ( حتى لو كان بقيادة الديموقراطيين الذين يتطلعون بفارغ الصبر الى استلام الادارة عام 2008 ) والذي لايبدو في نظر الكثييرين تراجعا نهائيا قاطعا بل هدنة مؤقتة أو استراحة المحارب فقد تحقق الكثير حيث سقط نظام طالبان واندحر نظام صدام وأجريت الانتخابات الديموقراطية ووضع الدستور الدائم , وطردت القوات العسكرية السورية من لبنان حسب ارادة اللبنانيين وأذل وعزل نظام دمشق ( حيث ينتظر مصيره بعد عقد المحكمة ذات الطابع الدولي بشأن جرائم اقترفها في لبنان ) وحوصر نظام طهران ( وكان قرار مجلس الأمن الأخير رقم 1747 بتشديد العقوبات أحد أوجه رفض المجتمع الدولي لممارساته ) وأوقفت اندفاعة حزب الله اللبناني عند حدها وتلقت المجموعات الارهابية في العراق ضربات موجعة وبالرغم من الصعاب مازالت القوى الديموقراطية في لبنان وفلسطين واقفة على ارجلها , وتحقق الحل الفدرالي السلمي للقضية القومية الكردية في العراق الذي من المأمول أن يتحول نموذجا يحتذى به في حل المسألة القومية في المنطقة , وهناك قوى معارضة وطنية تتنشط وتقدم على اجراء تغييرات لمصلحة صيانة الاستقلال الوطني وتحقيق السلم الأهلي ودحر الفتن الطائفية وتطبيق السلطة الديموقراطية عبر صندوق الاقتراع .
– في أغلب الظن أن هذا التوقف الوقتي يحقق هدفا آخر وهو تطمين انظمة الاعتدال العربي ( مصر – السعودية – الأردن ) والى درجة حكومات الخليج بعد تخوفها على استقرار بلدانها النسبي من مسائل الاصلاح والتغيير في مجالات تداول سلطات الحكم والانتخابات التشريعية والحريات العامة والشفافية الادارية وحقوق المرأة والاعلام الحر وذلك بغية الاستفادة من قواها ونفوذها في مواجهة القاعدة والارهاب عامة ومحور طهران – دمشق المصنف في موقع العدو الأول وتحقيق الاستقرار في لبنان وفلسطين والعراق وهذا ما يدفع الغرب عموما الى تمني انجاح القمة العربية المقبلة في السعودية والتسويق للمبادرة العربية – السعودية – التي أقرت في مؤتمر القمة السابق ببيروت مع تحقيق خطوات انفراجية على صعيد القضية الفلسطينية .
مؤتمر بغداد
– جاء المؤتمر الذي ضم ستة عشرة دولة ومنظمة عالمية واقليمية كترجمة سياسية للاستراتيجية الامريكية الجديدة المرتبطة باسم الرئيس بوش والتي افرزت خطة بغداد الامنية الجديدة خاصة بعد ازدياد عدد ضحايا العراقيين والجيش الأمريكي وظهور اسلحة نوعية جديدة من مصادر ايرانية خاصة وبعد خطر حصول تطور في العاصمة واشاعة عن انقلاب عسكري لمصلحة المحور الايراني السوري وتقدم خطة التطهير المذهبي في العاصمة وقد كان لاعترافات الجنرال علي رضا اصغري نائب وزير الدفاع الايراني الذي لجا الى الغرب منذ كانون الاول عام 2006 والمعتقلين الايرانيين في بغداد واربيل دفعا للاسراع في تنفيذ الخطوة تلو الأخرى في الجانبين الامني والسياسي .
– تحملت حكومة المالكي المسؤولية واتهمت بالعجز او التواطىء المذهبي على الأقل من جانب بعض مراكز القرار فيها وتعرضت لضغط الادارة الامريكية الى درجة التفكير ببديل وقد طلبت من الحكومة حسم الأمر تجاه الصدر الذي شكل راس الحربة في عمليات القتل المذهبي وثبتت صلاته السورية والايرانية وتلقيه الدعم منهما اضافة الى حزب الله اللبناني وكانت الاستراتيجية الجديدة في العراق لادارة الرئيس بوش مقدمة ومنطلقا للخطة الأمنية الجديدة والاستراتيجية المعلنة لها شق عسكري امني بخطة امن بغداد وسياسي باالمصالحة الوطنية المطروحة واختيار اولوية السياسة على الامن مع رفع القيود عن الكتلة السنية واعادة اعداد من الضباط العرب السنة المبعدين وتطمين المناطق السنية الفقيرة بالعدالة في توزيع الثروة وهذا ما احتواه بوضوح مشروع قانون النفط والغاز المطروح الآن على مجلس النواب .على الصعيد الأمني حصل نوع من التقدم أما سياسيا فمازالت العملية جارية داخليا باالمحاولة الجارية الآن من الداخل من جانب مختلف الفعاليات بهدف تحقيق حراك واختراق للحالة القائمة وكان لافتا انسحاب كتلة الفضيلة في التوقيت ذاته من صف الائتلاف العراقي الموحد – ومحاولات اقناع التحالف الكردستاني للانخراط في جبهة جديدة بديلة وفك تحالفاتها السارية وكما يبدوفان مواقف كل من السعودية والأردن على مسافة قريبة من هذا التوجه .
– زيارة الرئيس بارزاني الى المملكة العربية السعودية تمت في سياق بحث الشأن العراقي اضافة الى خصوصيتها الكردية وصلتها بالعلاقات الكردية العربية في المنطقة وهو اختراق على اي حال وحدث بارز يؤسس لقبول عربي حاسم لفدرالية كردستان رغم الموقف السعودي المتحسس تاريخيا من الكرد وتصريح الملك في ختام انتهاء جلسة الحكومة عشية الزيارة بأن ” حل الأزمة هو في تعزيز الانتماء الى العروبة في بلدان الوطن العربي لدى مختلف الأثنيات والأجناس والطوائف ” ( وقد نشر كاتب المقالة ردا توضيحيا بعنوان : واذا حكمتم فاعدلوا بالتوازن بين الانتمائين ) – الوطني والقومي – وكذلك فان زيارة السيد أياد علاوي رئيس الحكومة العراقية الأسبق الى السعودية تؤشر الى البحث عن مدى امكانية ايجاد بديل شيعي سني أكثر اعتدالا للحكومة الراهنة في العراق وهذا ماتحبذه مصادر القرار في الرياض وعمان وتتمنى أن يكون المكون الكردي جزء فاعلا في العملية .
– على الصعيد الخارجي ودول الجوار تمخضت عن الاستراتيجية الجديدة مؤتمر بغداد الذي حقق ما رمى اليه بجمع دول الجوار وحضور القوى الدولية والطلب منهم بوقف التدخل بشؤون العراق وصيانة امنه واستقراره وهي مسالة امنية ولم يطلب منها على أي حال تقرير مصير العراق السياسي رغم أهداف اغلبية تلك الدول المعلنة وغير المعلنة وقد شكل حضور ممثلي دول الجوار خطوة للاعتراف مجددا بالوضع العراقي الجديد مقابل اكتفاء العراقيين بما تحقق وعدم رفع شعار التغيير في المنطقة وتحاشي التعامل مع قوى المعارضة في البلدان المجاورة وهذابحد ذاته ثمن باهظ على حساب المبادىء والأهداف القريبة والبعيدة في حين لو كانت انظمة دول الجوار ديموقراطية لاختلف الأمر بدعم التغيير والمكتسبات وحل المسالة القومية وبسبب استبدادها تقف بالضد من كل ما حصل في العراق وتعمل من اجل افشال التجربة ويتوضح يوما بعد يوم تراجع ايران بعد الشعور بانه لاعب رئيسي حتى عربيا في المنطقة اجتاز حجمه وتقوقعت سورية بعد ان غردت خارج السرب وهما في طريق العودة التائبة وغياب احتمال عقد صفقات مع البلدين على حساب القضايا الاخرى ليس بسبب الالتزامات الأخلاقية للدول العظمى تجاه الشعوب بل لعدم امساك النظامين كما كان في السابق باوراق لبنانية او فلسطينية او عراقية .
– ليس من شأن كل التغيرات والتبدلات في مسار السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط وليس بوسع كل التطمينات الأمريكية من الادارة وكذلك من الحزب الديموقراطي المعارض ومن حكومات اوروبا وخاصة البريطانية والفرنسية والألمانية والايطالية والاسبانية أن تزيل مخاوف الشعوب وقوى التغيير الديموقراطي أو تذلل هواجسها المشروعة من تحقق احتمالات أسوأ من جانب الغرب عموما والولايات المتحدة خصوصا عندما تقتضي مصالحها بعقد الصفقات مع أنظمة الاستبداد على حساب قضايا الشعوب وحقوق الانسان والديموقراطية لأن سجلها طوال التاريخ الماضي لايخلو من مثل هذه الأفعال وعلى أي حال فاالممارسة العملية هي الفيصل في الحاضر والمستقبل .