الرئيسية » شخصيات كوردية » في دائرة النقد.. حسين مردان تمرد على الواقع وعبر شعره القارات

في دائرة النقد.. حسين مردان تمرد على الواقع وعبر شعره القارات

في عام 1927 فتح عينيه للحياة باكيا لاب شرطي خيال وام بسيطة لاتعرف سوى بيتها… واصل دراسته حتى الصف الثاني المتوسط في بعقوبة ثم هجرها ليستعيض عن دروسه المدرسية بقراءة الكتب الادبية والشعرية والقصصية حتى انه كان يقرأ الكتاب في ليلة واحدة فتسجل ذاكرته اغلبه.. ومن هذا المنطلق بدأ شعوره يتبلور ويكشف عن موهبة شعرية وكتابية… ثم ينتقل الى بغداد حاملا ارادة الانسان الرافض والمتحدي لكل جمود المجتمع وتناقضاته وهو في العشرين من عمره فكان مشردا يلتحف الارصفة والحدائق ليلا وفي النهار يرتاد مقهى الزهاوي ليحاور ادباءها ويجادلهم بافكاره التي تتزاحم في ذهنه.. ومن ثم تنقذه اكف ورحمة صديقه صفاء الحيدري الشاعر من الضياع الليلي فينقله الى شقة محام كان صفاء يعمل معه.. حتى اذا ما توفرت له فرصة عمل في جريدة (الاهالي) مصححا ومراسلا فيلجأ الى عريشة في مطبعتها ويتخذ منها بيتا يأويه.. وبالرغم من ذلك ظل قلقا. متلهفاً لحياة التشرد مع رغبة رهيبة للموت الذي كان يظنه الطريق الوحيد الذي يوصله الى الهدوء والراحة.. وكأنه يؤمن بمقولة وايتمان (الموت هو الملاك الوحيد الذي يقضي على اخر ذرات العذاب الانساني).. وهو يقول:
ما حياتي ولم اجد في حياتي غير حزن يذيب صم الصخور
لعنة جئت للحياة وامضي مثلما جئت لعنة للقبور
ورغم ذلك شغل فكره في الشعر والمقال والنقد الادبي فكان صوتا مبدعا استطاع ان يغزو الافاق ويعبر القارات حتى ان الكاتب الجيكي (بربا) قال فيه: (حسين مردان شاعر وجودي النزعة لكنه في طليعة الادباء التقدميين وشعره يحظى باهتمام الناس في العراق لما فيه من الجدة)…
لقد سأم حسين مردان الحياة وكثيرا ما فكر في الانتحار كون عذاباته ظلت تلاحقه حتى على مؤلفاته فعندما اصدر ديوانه الاول (قصائد عارية) عام 1949 والذي اثار عاصفة من النقد واحدث ضجة في الاوساط الادبية كونه زوبعة تمرد هائلة على الواقع.. فامرت السلطات حينها بمصادرة الديوان وتقديم الشاعر الى المحاكم…
وقد تضمن هذا الديوان مقدمة كتبها الشاعر يقول فيها: (ثق انك لاتفضلني على الرغم من قذارتي الا بشيء واحد وهو اني احيا عاريا بينما تحيا ساتراً ذاتك بالف قناع.. فنصيحتي هي ان لاتقدم على قراءة هذا الديوان اذا كنت تخشى حقيقتك وتخاف رؤية الحيوان الرابض في اعماقك..).
وكذلك جرى الحال مع ديوانه الثاني (اللحن الاسود) عام 1950. حسين مردان من خلال دواوينه الشعرية يبدو انه كان مشحونا بالتمرد والانفعال لم يالفه في الهدوء الخالصي (مدينة الخالص) لذا هجر الى بغداد الصاخبة.. المتوقدة بالمبدعين… وكانت عبقريته ونبوغه الشعري الشفيع الاول له والعون لمحاربة الجوع بمساعدة اصحابه المقربين وعشاق الادب..
حسين مردان بالرغم من كل ما يحيطه من جوع وحرمان وسجون ومحاكم لم يتوقف ابداعه.. بل ظل مصرا على النتاج المتنوع بكل (ما يجيده الاطفال من اصرار)… لانه عاشق الحرف حتى الثمالة ومنفذه الوحيد الذي يرسم همومه وآماله.. فهو يقول:
لا لن اتوب: وهل يتوب مفكر
حر على قول الحقيقة مجبر
هبني سجنت فلست اول ثائر
يرمى باعماق السجون ويقبر
هبني شنقت فلست اول مصلح
اودت بفكرته حبال تذعر
اني لالعن من يعيش ببلده
يعلو الغبي بها ولايتفجر
حسين مردان في مجاميعه الشعرية وقصائده ابتداء من قصائد عارية واللحن الاسود ورجل الضباب وصور مرعبة والعالم تنور والربيع والجوع مرورا بالارجوحة هادئة الحبال واغصان الحديد وهلاهل نحو الشمس وطراز خاص ونشيد الانشاد وعزيزتي فلانة وانتهاء بمقالاته الصحفية المتناثرة في الاخبار والاهالي والبلاد والف باء.. نجده يرسم صورة لمجتمعه المتخم بالعلل والامراض الاجتماعية مع احساس بالموت وصور التشرد والضياع والمرأة.. وييبقى الموت شغله الشاغل… انه الشبح الذي يطارده منتظرا له.. فظل محاصرا بهذا الهاجس الذي لايفارقه حتى وفاته عام 1972.
وبالرغم من كل ذلك كان حسين مردان مملوء بالحركة والانفعال حتى انه يقول: (ولانني اشعر اني ساموت ان لم اواصل الانفجار)… لهذا لم يتوقف عن الحركة فظل متوهجا.. مبدعا.. منتجا..
حسين مردان الذي اجاد الشعر اجاد النثر الشعري وانطلقت كتاباته معبرة عن احاسيسه وافكاره التي سلكها في الشعر بلغة شاعرة متدفأة بهواجس المرأة.. مظلة بهواجس الموت والتشرد وكتابه الشعرية المتنوعة.. خير دليل على عدم نضوب فكره المتجدد المبدع.. لذا كان جزءاً من حركة التجديد في الشعر الحديث اذ كان يعتقد (ان تحطيم القافية الواحدة من الشعر الحديث لم يستطع انقاذ الشعر من حوض الصمغ الذي فيه… وارى ان العقبة الوحيدة التي تقف امام اندفاع الشعر العربي الى الذروة هي الوزن.. وقد آن لنا ان ندعو الى القضاء على الوزن فنرفع بذلك كيس الرمل الثقيل عن عنق الشاعر المعاصر.. وهذا يعني ان لحسين مردان وجهات نظر نقدية وقد حققها في كتابيه (مقالات في النقد الادبي) و(الازهار تورق داخل الصاعقة).. لقد كان حسين مردان مشاركا فاعلا في ثورة الشعر الحديث بعد الهزات الاجتماعية والفكرية التي تعرض لها العراق وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية.. اذ فتحت الابواب والنوافذ مشرعة امام الشاعر العراقي فعرف المذاهب الادبية والعلمية والاجتماعية وهذا يعني انفتاح على عالم جديد يبحث عمن يعاصره ويسايره.. وكان الشاعر حسين مردان ضمن الجموع التي دخلت هذه الابواب. لذا احس بان عليه ان يكون جزءاً من القضية وعليه ان يسهم في الثورة ضد الفساد والتحلل الاجتماعي والاستعمار واتباعه (خاصة ان السجون علمته الكثير بحكم روادها التقدميين) وكانت قصيدته (رجل الضباب) تحمل بين طياتها جرأة سياسية اخترق فيها كل الحصارات التي كانت تلتف حول نفسه.. فهو يقول:
ما كنت اؤمن بالنضال وحقه لولا بقية زمرة لاتقهر
ويل لشعب لايثور اذا رأى هذا التراب يدوسه مستعمر
ويل لشعب قد اهين ولم يزل يخشى سياط الحاكمين ويؤمر
انظل نحلم بالمساء ولونها وانوفنا في الطين قبرا تحفر
انظل نوصم بالخنوع واينما درنا نرى شعبا يثور ويبهر
انظل ننتظر القضاء وكلنا يدري بان المجد حلم احمر
وهكذا وجد حسين مردان نفسه مع الجماهير في كفاحها وعشقها فهو يقول: (وانا ارى ان الكفاح الوطني نفسه لاينفصل عن العواطف البشرية فلولا الشعور بالذات لما كان هناك اي حافز للتضحية ولعل الحب هو اهم الدوافع الانسانية واكثرها استفزازا للعمل..) ان التكرار في قصائد حسين مردان ظاهرة بارزة وهي تشكل عنده اهم عنصر مهم في بناء القصيدة اذ انه يقول: (ان التكرار يحدث نوعا من التداعي الذهني عند القارئ وينبهه الى المحور الخفي الذي تدور حوله فكرة القصيدة…) فله:
ايامنا مرت سدى
مرت سدى
وضحكنا قد انتهى
وكل ما تحمله من الثرى
الى الثرى
فضلا عن ذلك وظف حسين مردان المفردة الشعبية في قصائده وجعلها اساسا في قاموسه الشعري لما فيها من فنية وواقعية ولتعميق الصورة وجعلها اكثر دينامية واقصر الطرق لايصال الفكرة الى ذهن المتلقي.. وهذا يعني انه يريد ان يؤكد اصالته وشعبيته وانتمائه الى بيئته… كقوله:
بسيول ضحكتها الطليقة..
وبلون وجنتها الانيقة
فبكل منعطف حديقة..
اصباغها.. من ذيل (نفنوف) خفيف
وقوله:
و(شيف) من البرتقال
تشب على ثلجه الحرق
وقوله: وانت يا انت
يا فوهة (التنور).. يا اختي
وقوله: والحب ان لم تلتصق مرة (سالوفة) مجهولة المولد
في ظل هذا العالم المنسجم في التفكير الاسطوري كان حسين مردان يخوض في دواخله.. كونه مصدر الرؤيا الشعرية والابداع والكشف فنسج اسطورته وابدع في نسجها اذ ربطها بعالمه الذي يعيشه ومستوى معرفته كونه يعي ان الفعالية الشعرية هي فعالية معرفية يكون اطار نموها محكوما بشرط تكاملها..
فيحق لنا ان نقول فيه ما قاله الشاعر ياس السعيدي
قبل الصعود الى انتصاف اخر
نسي التسكع في شوارع قلبه
حمل اسمه وحقيبته لاتنتمي
وفما يغازله الرحيق بشطبه
بعد انكسار الدرب اخرج حاله
كي يستقر على ضرورة نصبه

التآخي