الرئيسية » مقالات » تعليق على قراءة باسم العوادي -البرزاني وأبعاد المخطط السعودي –

تعليق على قراءة باسم العوادي -البرزاني وأبعاد المخطط السعودي –

(1)


بداية أود أن أشير إلى أني أكن أحتراماً متميزاً للكاتب والإعلامي باسم العوادي، لما يتحلى به من طموح وجرأة في طرح قناعاته، ولعدم تخفيه تحت تضليل الشعارات واللعب بالكلمات، هكذا عرفناه من خلال كتاباته ولقائاته المتلفزة، وفي مقاله الأخير ” قراءة في أبعاد الغزل السعودي ـ البارزاني وأبعاد المخطط السعودي الجديد في العراق ” قدم رؤيته عن زيارة رئيس كوردستان السيد مسعود برزاني بدعوة من قبل عاهل السعودية الملك عبدالله .

(2)


وفق العوادي في ما ذهب أليه من استنتاجات للتحرك السعودي في كل الاتجاهات ومحاولاتها المحمومة في مسك خيوط ” اللعبة !! ” السياسية في المنطقة، والحقيقة أن ما تنتاب المملكة السعودية كدولة ونظام وعقيدة تسبح ضد التيار الحضاري من مخاوف على مصالحها ليست بخافية على أحد .. لكن السيد العوادي تطرق إلى بعض الأمور الأخرى جعلتنا أن نشعر بأن هناك خلط للأوراق، لذا سأجيب على بعض ما جاء في قراءته، بعجالة .

(3)


وقد جاء في مقاله أيضاً، حول العلاقة الحيوية بين الطرفين المغبونين في عراق صدام ” الشيعة والكورد ” وذكر ما مفاده فضل الشيعة على الكورد فيما يتعلق بالميزانية المخصصة لكوردستان، والفدرالية، وكذلك نوه بالاستقبال الحافل الذي حظي به السيد البرزاني في زيارته للنجف معقل الشيعة، وكذلك فتوى الأمام الحكيم رحمه الله في تحريمه مقاتلة الكورد وغيرها من الأمور … ولكي نسلسل الأحداث حرصاً على عدم خلط الأوراق، أود أن أشير أولاً: إلى العودة إلى مقررات واتفاقيات مؤتمر لندن للمعارضة العراقية ” سابقاً ” قبيل سقوط النظام بعام تقريباً، والاتفاقيات التي جرت بين الأطراف الرئيسية لمستقبل العراق وشكل الحكم المستقبلي سواء ما يتعلق بالفدرالية أو الحق الكوردي المعرب في مسألة كركوك التي أصبحت ” مسمار جحا ” من قبل الأطراف السياسية العراقية العربية المتعاملة مع الأحزاب الكوردية، وجعلها ورقة مساومة وابتزاز سياسي.

(4)


أن الفدرالية أو ” الحكم الذاتي الموسع ” الذي يتمتع به الكورد حالياً، كانت مطبقة في كوردستان على مدى أكثر من أثنتي عشرة عاماً، وهي حالة متقدمة في الحكم عن باقي أجزاء العراق، أي أن الاستمرار فيه هو تحصيل حاصل، والدعم السياسي للفدرالية الكوردستانية من قبل الأحزاب السياسية الشيعية يقابله دعم وأسناد كوردي لفدرالية الوسط والجنوب التي يطالب بها الغالبية العظمى من شيعة العراق، وهو حق طبيعي ونؤيده بقوة.

(5)


المقتل أو الكارثة في خطاب الكثير من الكتاب العراقيين العرب هو أن الحكومة العراقية صرفت كذا مليون أو مليار دولار لأقليم كوردستان، كأنها منة أو منحة أو في أفضل الأحوال التصدق على الكورد وأقليمهم بهذه المبالغ، دون أن يعوا حقاً مفهوم المواطنة الحقة، وتوزيع الثروات على أبناء الشعب بالتساوي، وقد ذكرها السيد العوادي صراحة بان المبالغ المصروفة لاقليم كوردستان هي من نفط الجنوب، وكأن أقليم كوردستان يعيش في مجاهل غابات الأمازون وأفريقيا وشعبها يعاني من القحط والعوز والمجاعة، بينما الحقائق على أرض الواقع تشير إلى أنه لو لا الخيرات والثروات النفطية الكامنة في كوردستان لما قامت للعراق قائمة بعد الحرب العالمية الأولى، وأن أحدى النقاط المهمة والرئيسية التي جعلت المستعمر الإنكليزي يضم جنوب كوردستان ” ولاية الموصل” إلى العراق العربي هي الثروات النفطية الكامنة في أعماق قلب كوردستان في كركوك، واستخراجها عام 1927، حيث لم يكن في العراق آنذاك أي ثروة تعوّل عليها بريطانيا لتشكيل دولة العراق الحديثة . ” راجع مشكلة ولاية الموصل للدكتور فاضل حسين ــ أطروحة دكتوراه ، وكذلك الجزء الأول والثاني والثالث من تاريخ الوزارات العراقية ، لعبد الرزاق الحسني ” . وعلى مدى العقود التي تلت ذلك التاريخ كانت حصة الكورد من النفط المستخرج من مناطقهم، هي النابالم والخردل والسيانيد، وبينما دفع غالبية الكورد ضريبة الدم في خدمة العلم في الجيش العراقي، لم يحصلوا على الجزء اليسير واليسير جداً من حقوقهم، وبعد أنتفاضة آذار المجيدة عام 1991 تسلم الكورد زمام إدارة مناطقهم وحكمها فلم يجدوا أبسط مقومات الحياة من البنى التحتية لإدارة الأقليم والأكتفاء أقتصادياًُ، وكأن المنطقة كانت تحت حكم استعماري أجنبي تقليدي .

(6)


وضع السيد العوادي كل شيعة العراق في سلة واحدة، بينما المعروف لدى المتابع كيفية تشكيل كتلة الإتلاف والاختلافات الحادة التي كانت تعصف بين تياراتها وأحزابها، والتي لم تحل إلا بتدخل المرجعيات وعلى رأسها آية الله العظمى السيد على السيستاني، وكلنا يعلم بدور التيار الصدري المناهض لتطلعات الكورد في الفدرالية ومسألة كركوك، ناهيك عن الدور المعرقل لحزب الدعوة في الكثير من الاتفاقيات بين الطرفين الكوردي والشيعي !! وخاصة ما يتعلق بكركوك، لا سيما دور الدكتور إبراهيم الجعفري عند تسمنه رئاسة الوزارة في المرحلة الانتقالية وذهابه إلى تركيا من خلف ظهور الكورد في صفقة مؤامرة مكشوفة وعلنية، أضافة إلى عدم حظوره حفلة تنصيب السيد مسعود البرزاني لرئاسة الإقليم في البرلمان الكوردستاني الذي حظرته شخصيات سياسية على أعلى المستويات، على الرغم من دعوته …وعدم لياقته بالرد على أسئلة الصحفيين، على تصريحات الرئيس مام جلال حول تعثر سياسة الدكتور الجعفري بــ ” ليس لديّ الوقت الكافي للرد ” وخلاصة القول: أن التحدث بأسم شيعة العراق ككل ودورهم الإيجابي فيما عليه الكورد الآن هو أجحاف بحق الحقيقة الكاملة، فقد عانى الكورد ولا يزال من لعبة القط والفأر مع بعض الأوساط الشيعية، دون ذكر للأسماء .

(7)


أن العلاقات الكوردية الشيعية قديمة قدم الظلم الذي طالهم في العراق، ورسخت وقويت أبان ثورة أيلول التحررية بين زعيم الثورة الخالد ملا مصطفى البرزاني وآية الله العظمى السيد عبد المحسن الحكيم، وأن فتوى السيد الحكيم بحرمة مقاتلة الكورد رفعت الشيعة إلى أعلى المرتبات في نظرالكورد، وبالمقابل فقد آوت الثورة الكوردية خيرة مناضلي العراق ضد الفاشية لا سيما الشيعة منهم، وأفسحت لهم المجال وكانت كوردستان المعبر الوحيد للخلاص من بطش الدكتاتورية، أضافة إلى تحول كوردستان إلى ساحة قتال فعلية دفع نتيجتها الشعب الكوردي مئات الآلاف من أبنائه، ولا تزال آثار مقرات ومواقع قوات بدر شاخصة في كوردستان، وبجهود الطرفين الأساسيين في المعارضة ” سابقاً ” سقط النظام، ولو لا هذا التحالف الأستراتيجي بين الكورد والشيعة وأعطائهم الضوء الأخضر لأمريكا لما سقط النظام. والسؤال هنا … من الذي يعطي الحق لطرف دون الآخر أن يقرر مستقبل العراق على هواه وكأنه هو المالك الوحيد للعراق !!!، وما على الطرف الثاني إلا الموافقة صاغراً لما سيعطيه الطرف الأول وأعتبارها منة أو حسنة !!!؟؟؟؟

(8)


أن العلاقات الإجتماعية بين أطياف الشعب العراقي تستند على عادات وتقاليد وقيم عشائرية وإسلامية وأعراف توارثها الأبناء عن الآباء والأجداد، لم تستطيع قوى الظلام والشر التي مرت بتاريخ العراق أن تقضي عليه بكل وسائلها الخبيثة. فمن هنا جاء استقبال السيد البرزاني في معقل الشيعة في النجف، حين ذهب كاك مسعود لتقديم التعازي لآل الحكيم في النجف لما أصابهم من فواجع وتقتيل على يد النظام الساقط… لكن السيد العوادي لم يذكر، الأستقبال الجماهيري الواسع الذي حظي به السيد عبد العزيز الحكيم في زيارته إلى أقليم كوردستان، حيث خرج الشعب الكوردي عن بكرة أبيه لأستقباله وفاء منه للعلاقات التاريخية، وحبه وأحترامه لشيعة العراق . وكذلك لبقاي العراقيين على مختلف أطيافهم ، فالسؤال هنا ما الفائدة من طرح مثل هذه الأمور !!؟؟

(9)


لم ينسى السيد باسم العوادي بتذكرينا بأن الأمريكان راحلون، وإيران باقية، ناصحاً الكورد عدم الاستجابة إلى المخططات السعودية … وهو على حق في ما ذهب إليه، لكن هذه النقطة بالذات تحتاج إلى أكثر من وقفة تأمل، حيث أن الكورد وعلى مدى الأربع سنين الماضية سمعوا وقرءوا المئات من قبيل هذا الكلام، وقد سأم الكورد حقاً من ترديد وسماع مثل هذه التهديات العلنية والمبطنة ” الأمريكان راحلون وماذا ستفعلون بعدها ؟ ” ما يجعل الواحد منا حقاً أن ييأس من التوصل إلى أتفاق على مستقبل أفضل في العيش والشراكة في الوطن، أن ترديد مثل هذه الكلام ” التهديد المبطن ” خطير وخطير جداً لما يترك من آثار سلبية في نفسية الإنسان الكوردي، وعدم ركونه إلى أحد، وجعله في حالة من التأهب الدائم والحساسية المفرطة أتجاه الآخر طالما يشعر بأن هذا الآخر يتربص به ويتحين الفرص المؤاتية للإنقضاض عليه، ويدفعه مثل هذا الشعور إلى اللجوء والبحث عن تحالفات وعلاقات خارج أطار الوطن وتقديم التسهيلات له لحمايته، لأنه لا يشعر بالأمان من الأخ والشريك الذي يقاسمه الجغرافية والتاريخ، أن ردة الفعل الكوردي قوية أتجاه التهديدات ويأخذها على محمل الجد ويعد لها العدة والحساب، والتاريخ الكوردي لا يخلوا من نماذج مماثلة لمثل هذه التهديدات، لربما يحاول أصحاب مثل هذا الكلام غير المسؤول ترهيب الكورد وجعلهم أداة طيعة لإملاء الشروط وغيرها، لكن التاريخ الكوردي أيضاً قد أثبت العكس على الدوام ، وهناك عشرات الأسئلة الأخرى تدور في مخيلة هذا الكوردي الذي يسمع ليل نهار ” الأمريكان راحلون ، وماذا ستفعلون بعدها ” وقد سمعنا مثل الكلام من الأتراك والسوريون والإيرانيين أيضاً، وكلها تدور في فلك التهديد والوعيد والتبشير بيوم القصاص بعد رحيل الأمريكان !!!!
يقيناً بأن المطلقون لها سوف لا يحصدون أية نتائج أو فوائد، غير حصاد المر والكثير من التشرذم والدوران في حلقات مفرغة .. أعلم أن الأستاذ باسم العوادي لم يقصد من وراء ذكره ” الامريكان راحلون ” التهديد ” وتخويف ” الكورد .. لكنها مناسبة أيضاً لإبداء الرأي حول مثل هذه العبارات التي تعبر عن عدم نضوج سياسي لأصحابها وبقائهم العيش في عالم أهل الكهف وعدم أستقراء المتغيرات العالمية والتاريخ القادم بشكل جيد .
والحقيقة المثلى، بدلاً من تذكير الكورد برحيل الأمريكان، الا يجدر بالآخرين أيضاً لا سيما الإسلام السياسي العراقي بشقيه السني والشيعي أن يدركوا أيضاً بأن الأمريكان راحلون، والسنة باقون، والشيعة كذلك، يجمعهم الوطن الواحد والأرض الواحدة والمصالح الواحدة .. وكفى قتلاً وتذبيحاً لأيقاف الدم العراقي النازف .
أخي كاكا باسم العوادي .. ليفكر السعوديون ما يفكرون، وليخططوا ما يخططون، وليتآمروا حسب ما تمليه عليهم نفوسهم .. أعتقد بأنك أستعجلت ” القراءة ” فالكورد ليسوا بطاعني الظهور .. وقد اثبتوا على أرض الواقع بأنهم جزء من الحل وليس جزء من المشكلة . 

السويد
16 ـ 3 ـ 2007