الرئيسية » مقالات » العراق : أطفال الحرب

العراق : أطفال الحرب

Michael Howard The Guardian 
 
توقفت السيارة عند نقطة التفتيش المؤقتة في شارع خلفي وظهر ملثم وسأل السائق :هل أنت سني أم شيعي ؟قال ملوحاً بالكلاشينكوف في وجه السائق هل أنت مع الزرقاوي ام مع جيش المهدي ؟قال السائق : مع جيش المهدي وصرخ الملثم خذوه ، فتحت البوابة المعدنية لمنزل قريب وظهر اربعة آخرون سحبوا السائق من السيارة ومرروا سكيناً على رقبته بسرعة وفعالية وقال أحدهم : أنت ميت الآن .
وسمع صوت امرأة من الداخل تعالوا للداخل للعشاء يا أولاد .
رفع السائق سيء الحظ نفسه عن الأرض وأدخل سيارته البلاستيكية الصفراء لساحة المنزل وأخفيت الأسلحة والسكاكين البلاستيكية خلف الباب .
وسيكمل الأطفال لعبتهم القاتلة في الصباح.
عبد المحمد وأشقاؤه الخمسة الذين تتراوح أعمارهم بين 6- 12 عام كان من المفترض أن يكونوا في المدرسة لكن أمهم سيدة مثل آلاف الأمهات في العاصمة بغداد تبقي أولادها في المنزل فقبل ثلاثة أسابيع تم إيقاف سيارة معلمهم على باب المدرسة وقتله بنفس الطريقة التي يلعبون بها ، وقد تغيّر الأولاد منذ ذلك اليوم قالت سيّدة وهي تضع الأرز للأولاد في الصحون .
عاد الطفلين الصغيرين للتبويل في أسرّتهما ويرون كوابيس في المنام بينما يقوم عبد المحمد بتمثيل تلك الحادثة في ألعابه ويأمر كل طفل يلعب معه بالتمثيل ايضاً .
وخوفي أن يحصل في يوم ما على سلاح حقيقي ؟ في هذه الأيام لا يوجد من يساعدنا . يعيش الأولاد مع أمهم الأرملة وعمهم في منزل العائلة في حي العامل الهادىء المختلط في ضواحي بغداد الغربية غير ان المسلحون يتنقلون من شارع لآخر كما في مختلف البلاد.
أظهر الأهالي والأطباء والمعلمون الذين قابلتهم الجارديان انزعاجهم من سلوكيات الأطفال الذين يرعونهم من مظاهر الانسحاب والتبول والكوابيس والعنف اتجاه الآخرين وأحيانا اتجاه والديهم .
وفي ظل عدد الضحايا المدنيين لا يوجد أرقام عن عدد الأطفال القتلى والجرحى في العراق غير أن المنظمات الدولية الإنسانية وعلماء النفس يحذرون من أنه بينما يظهر القتلى والجرحى في المستشفيات وعلى شاشات التلفزيون فإن الإصابات النفسية والعقلية التي يصاب بها الأطفال لا تأخذ اهتماماً واسعاً.
وفي دراسة نادرة ظهرت الأسبوع الماضي عن جمعية علماء النفس العراقيين أن العنف أثّر على ملايين الأطفال العراقيين مما يعرّض جيلاً بكامله للخطر وقد ناشدت الدراسة المجتمع الدولي مساعدة هؤلاء الأطفال المصابين ، ويعاني الأطفال من عدم توفر الأمن وخاصة الخوف من الاختطاف والقتل والانفجارات كما قال مروان عبدالله عضو الجمعية لمنظمة (IRIN) التابعة للأمم المتحدة.
ويقول البروفيسور شريف كاراشتاني من جامعة السليمانية : يرى الأطفال يومياً مشاهد مرعبة لا يجب ان يشاهدوها . من سيقدم المساعدة للدمار الهائل الذي يتعرض له جيل بأكمله من الأطفال . ان العنف والمشاهد الدموية وافتقاد المساعدة النفسية ستصيب هؤلاء الأطفال بجراحات نفسية وسيتعودون على العنف ويخزنون هذه المشاهد في ذاكرتهم حتى دخولهم مرحلة المراهقة .
وبسبب عدم توفر الأمن فإن منظمات مثل اليونيسيف لها وجود شكلي في العراق أما منظمة حافظ على الأطفال فسوف تنهي عملها في العراق الشهر القادم بعد 15 عام من عملها هناك .ولا يستطيع الهلال الأحمر العراقي تقديم الدعم للأطفال بسبب عدم توفر المال .
ولا تستقبل المستشفيات في العراق المصابين بالصدمات النفسية وعدد كبير من الأطباء ذوي الخبرة تركوا البلد أو تم قتلهم .إضافة أن الأهالي لا يميلون لإرسال أبنائهم للمستشفيات للعلاج النفسي خشية أن يقال أن أطفالهم مجانين أضاف الدكتور كاراشتاني .
وترك المجال لمنظمات أهلية صغيرة محلّية أو أجنبية ولأخصائيين نفسيين عراقيين يتعرضون لضغوطات صعبة وللقتل .
في كانون أول الماضي قتل الدكتور حارث حسان أحد أشهر الأطباء النفسيين بينما كان متوجهاً لعمله وكان يعمل مع ضحايا الصدمات النفسية .
إنهم يفكّرون بالسلاح ويعرفون عنه قال الدكتور حسان للجارديان “والخطورة أنهم يخزّنون العنف ثم يظهرونه لاحقاً مثل عبد المحمد وأشقاؤه تسرّبت قصص الفتل والخطف إلى ألعابهم وهذا أقل خطورة من ظهوره في الكوابيس”.
وقد قالت آن جفريز المستشارة في منظمة حافظوا على الأطفال أنه يجب توفير بيئة آمنة يلعب بها الأطفال بإشراف الكبار.
وقد توقف الأهالي في حي العامل عن إرسال أطفاله ليلعبوا في الساحات العامة والتي تم تدميرها وانخفضت نسبة الذهاب إلى المدرسة إلى 60% . وقد بيّن لين جونز أخصائي الأطفال النفسي الذي درس حالات العنف في البوسنة أن الإصابات النفسية للأطفال تتوقف عندما يهدأ العنف وتعتمد حالتهم بعد ذلك على البيئة التي يعيشون فيها وقيم واتجاهات والديهم وعائلاتهم.وقبل اغتياله بفترة قصيرة عبّر الدكتور حسان عن مخاوفه على جيل من الأطفال في العراق ” لا تكتفوا بلوم الاحتلال والحروب السابقة يجب على الأطفال العراقيين أن يتعلموا الآن لغة الحوار بدل لغة القتل وإلّا فإن العنف سيصبح لغة الحوار اليومية لهؤلاء الأطفال عندما يكبرون .