الرئيسية » مقالات » ضياع العراق في دائرة الواقع العربي الراهن 2/3

ضياع العراق في دائرة الواقع العربي الراهن 2/3

في العراق، وما أدراك ما العراق. الدولة المقدسة الطاهرة، تُدنَسُ اليوم بالإحتلال. العراق، البلد الذي يرسم بجلاء طريقة التفكير العربي المذهبي الطائفي. وهنا لا أعني الشعب العراقي المبدع المظلوم الذي ابتلى بظلم الحكام الجائرين منذ تأسيس العراق إلى اليوم، إنما أعني طريقة تفكير الحكام المستبدين، وتَدَخُل الأئمة المُضلين في السلطة سُنة كانوا أو شيعة. فعندما تصبح السياسة دينا آيديولوجيا، ويصبح الدين آيديولوجية سياسية، يفقد كلاهما دورهما في قيادة الدولة وبناء المجتمع، وتتحول الدولة إلى أداة للقمع والاضطهاد.
يجب أن نفهم هذا الموضوع بجلاء، ونفكر بتأني حتى لايستغله الإسلامويون والعلمانيون على السواء. إن ما أعنيه هو ضرورة عدم تدخل الدولة في الدين، وعدم تدخل الدين في الدولة. فللدين قدسيته ويجب أن يتمتع باستقلالية في العمل العقائدي دون تدخل الدولة، ويكون له احترامه حتى لايصبح الفقهاء أداة بيد الحكام الظالمين. ومن جانب آخر ينبغي عدم تدخل الدين في الدولة، حتى لاتصبح الدولة ألعوبة بيد الفقهاء. ولكن يجب أن لا ننسى أن من حق الجميع، من مسلمين وعلمانيين، المساهمة في العمل السياسي وفي اللعبة الديمقراطية طبقا للدستور الذي وافق عليه الشعب في استفتاء ديمقراطي نزيه. والحدود في كل الأحوال عدم ممارسة العنف، ومَن تجاوز هذه الحدود الدستورية أو حمل السلاح في ميليشيات تزهق أرواح الأبرياء، فينبغي محاسبته قانونيا، بغض النظر عن انتمائه العرقي والديني. ومِن هذا المنطلق، فالمواطنون سواسية أمام القانون، إبتداء من الرؤساء والمراجع الدينية العليا والدنيا وانتهاء بالمحكومين.

الفسيفساء العراقي في تاريخ العراق كان ضحية “الآيديولوجية العلمانية الكاريكاتيرية” و “الآيديولوجية الدينية العنيفة” على السواء. وعليه لابد من عدم طرح العلمانية كآيديولوجية، إنما كأسلوب في الحكم يجب حمايته واحترامه. كما ينبغي عدم طرح الدين كآيديولوجية سياسية، إنما كعقيدة يجب صيانتها وممارستها بنفس الدرجة من المسؤولية. بهذا الشكل يمكن لكل مواطن ممارسة المواطنة من حقوق وواجبات بغض النظر عن العرق والدين والجنس والمراكز الاجتماعية والاقتصادية والدينية والدنيوية.

لقد أصبح الوضع في العراق أكثر سوءا للشعب البائس في ظل الفساد المالي والإداري للقابضين على السلطة، كما كان بالأمس، وهو اليوم كذلك، بنهب خيرات العراق وتشريد شعبه. والأمر أصبح أكثر عنفا وإرهاب بعد تدخل دول الجوار العراقي، ولاسيما إيران وتركيا وسوريا، إلى جانب الاحتلال الأمريكي. وأتأسف أن أقول أن العلاقات الاستعمارية هي التي تحكم العراق اليوم في وضع أقليمي متوتر، إلى درجة أن بعض الدول الأقليمية، ولا سيما إيران وتركيا، تريد أن تجعل من العراق عمقا إستراتيجيا لها حتى وإن سالت جداول من دماء العراقيين الطاهرة.

سحقا لكل الذين يضطهدون هذا الشعب المقدام. سحقا لسكوت كل الذين يتبجحون بالمثل الإنسانية، والإنسانية في عراق الحضارة تُقتَل كل لحظة. سحقا لكم أنتم الذين تتاجرون بالدين والعلمنة الكاريكاتيرية، ولا هَم لكم سوى امتصاح دماء الأبرياء. سحقا للذين يتاجرون بالمذهبية والطائفية، ويشكلون ميليشيات إرهابية، في السلطة كانوا أو خارج السلطة، بأسماء إسلامية، والإسلام براء من الإرهاب. وسحقا قبل هذا وبعده، وقبل هذه وتلك، لدكتاتور العراق الأرعن الفاشي المقبور صدام حسين وجلاوزته من الفاشيين الجدد في عالمنا المعاصر. لقد أصبح الشعب العراقي وقود المصالح الدولية والصراع الأقليمي، وكأن العراق عمق استراتيجي لكل دولة أقليمية في المنطقة، إضافة إلى الاحتلال الأمريكي الذي يود كل فئة عراقية في الحكم أن تقترب من أمريكا لكسب رضاها وودها، في تحقيق بعض المصالح، وسلب حفنة من دولارات الشعب، إلى أن أصبح الفساد المالي والإداري سمة النظام.
ذهب الطاغية الأرعن الفاشي صدام حسين دون رجعة، وليذهب هو والذين كانوا معه من الظالمين إلى غير رجعة، ولكن لم يكن صدام آخر الطغاة العراقيين، فحياته جلبت لنا الظلم والإرهاب، ومماته أصبحت لعنة على الأبرياء. فكم في العراق اليوم طغاة يمتصون دماء المسحوقين تحت مزاعم خرافية وأسطورية ودينية لاتمُت إلى العقيدة الصالحة بصلة، ولا إلى الفكر السياسي الديمقراطي بِسِنَد.

5


في ذاكرة العراقيين مآسي وآلام وأحزان تعجز الدموع أن تغسلها، ويعجز حتى جمال العراق الأبدي أن يغسل آثام وذنوب الحكام الذين حكموا العراق ويحكمونه اليوم. العراق اليوم يشكو من الإرهاب والفقر والتشرد في ظل “الديمقراطية” الشكلية، كما كان يشكو بالأمس في ظل “الدكتاتورية”، والشعب يئن ويتألم ويحتضِر. فهل من شريف يسمع النداء؟؟؟؟ وهل من شريف يريد أن يجد حلا للمأساة؟؟؟؟ وهل من شريف يكون مُنصفا مع نفسه ومع الأحداث؟؟؟؟ وهل من شريف يخشى الله ويقول الحق في أوجه السلاطين الجائرين؟؟؟

في العراق، ثماني سنين حرب همجية بين العراق وإيران، والعرب يغذون ماكنة الحرب التي شنتها الطاغية المقبور صدام حسين، لأن الشيعة الأيرانيين كانوا خطرا على أمنهم كما كانوا يقولون. وسوريا العربية، سوريا العروبة والشهامة كانت تدعم إيران. إنها سوريا البعث العربي الإشتراكي، سوريا “الوحدة والحرية والإشتراكية” كانت تضرب عراق “الوحدة والحرية والإشتراكية”.

وإحتلال العراق للكويت لاقى تأييد الأردن والسودان واليمن وفلسطين، تحت شعار الوحدة العربية التي تنهب وتسلب وتغتصب أرض الكويت وكرامتها، لأن الأحتلال كان خطوة للوحدة العربية كما فسره بعض العروبيين والإسلامويين.
وفي العراق أيضا تساقطت القنابل العنقودية فوق رؤوس المدنيين، بعد ان استخدم النظام البعثي الصدامي السلاح الكيماوي ضد الشعب الكردي فقال لنا العقيد العسكري السوري العروبي منذر الموصلي أنها ذوبعة في فنجان.
وفي العراق مرة أخرى حرب الإبادة على عرب الجنوب من الشيعة، وتجفيف الأهوار، وحرق الأخضر واليابس، وقطع رؤوس الأئمة بأوامر الفاشي المقبور صدام حسين.

وفي العراق الإرهاب الدولي على الشعب البائس في ظل الإحتلال على أشده اليوم، وفوق الإرهاب إرهاب السلطة الحاكمة في وزارة الداخلية العراقية اليوم بخطف المسلمين وتعذيبهم وقتلهم وحرقهم. وفوق كل ذلك مرتزقة أجانب يفتكون بالشعب العراقي، وكأنهم يريدون أن يقتصوا من الشعب العراقي البائس ثارا من الأرعن صدام حسين المقبور.
وفي العراق أيضا جماعات متطرفة تدعم الإرهاب الدولي لقتل أبناء الشعب، وهم اليوم يؤيدون مستبدي العهد الصدامي البائد.
وفي العراق أيضا وأيضا قتل النصارى والأيزيديين والمندائيين لأن لهم عقيدة تختلف عن عقيدة القابضين على السلطة.
وفي العراق مرة أخرى الفيليون مضطهدون كما كانوا بالأمس مشردين مظلومين. إنهم الفئة التي خسرت كل شيء لأنها كانت ولازالت وفية للعراق، فلا أحد اليوم كما كان بالأمس يسمع أنين المظلومين، ولا أحد يأخذ بشكواهم.
وفي العراق مرة أخرى وأخرى وما أكثر المرات مراكز تجسس دولية إيرانية وتركية وعربية وأمريكية واسرائيلية للعمل على تعميق التناقضات بين أهل العراق، وحصد مزيد من أرواح الأطفال الأبرياء.

وفي العراق عَجَّلَ بوش بإعدام الطاغية الدكتاتور آكل لحوم البشر صدام حسين يوم عيد الأضحى المبارك ليقول للمسلمين ما أكثركم جهلا وأعمقكم غباء في إسلامكم وعروبتكم، ها أنتم ترون كيف نُدنِس أعيادكم وعقائدكم، أقتلوا أنفسكم واقتتلوا فيما بينكم فأنتم لاتستحقون الحياة!!
أَلّم يكن أجدى في العراق أن يُأجل إعدام الطاغية إلى ما بعد العيد حتى لا يجعله الناس شهيدا؟ وهل يستحق آكل لحوم البشر أن يصبح شهيدا وقد قتل مئات الآلاف من الأبرياء العراقيين والإيرانيين والكويتيين؟
أليس من الحكمة في العراق أن يُمنَع تصوير الإعدام حتى تنسى الأيام مشاهد إعدام الدكتاتور المستبد، ولكن الخطة كانت واضحة لتفسر للعرب والمسلمين كلهم، قصة الخلافات العميقة، ولتصب الزيت على النار المأججة لقتل المزيد من الأبرياء.
وفي العراق، وفي كل مكان، مَن قتل مؤمنا متعمدا فجزاءه جهنم خالدا فيها. وبَشِّرِ القاتل بالقتل، وصدام كان قاتل الآلاف. وقاتل الآلاف يستحق أن يموت كل يوم، فماذا نقول عن قتلة اليوم للمدنيين الأبرياء من أطفال ونساء وشيوخ وشباب؟

العراق الجريح الذي في طريقه إلى التقسيم والتجزئة، جغرافياَ. وإن لم ينقسم جغرافيا، فقد ينقسم عرقيا وطائفيا ودينيا. العراق الذي ينزف دما، سيتجزء بأسم وحدة العراق واستقراره إذا استمرت المأساة بهذا الشكل. أين أنتم أيها العرب؟ أين شهامتكم، والأعراض تُنتَهك، والأرامل تتزايد، والعذراوات يفقدن أعز ما عندهن؟
أين أنتم والأطفال حفاة عراة جياع يبحثون عن أمهاتهم وآبائهم؟
أين عزة الأنسان العربي؟ وأين عزة الإنسان المسلم؟ أين نخوة المعتصم حين جهَّز جيشا عرمرما لنصرة إمرأة عربية مسلمة صرخت “وامعتصماه!!!”.

في العراق، بلد الحب والجمال، ومنبع تطور اللغة العربية في مدرستَي الكوفة والبصرة، وقبلة العلم والمعرفة يشتاق الأهل فيه إلى السلام. واليوم أصبح العلماء والمفكرون والأدباء هدفا للتصفية حتى أصبح الوطن الجريح يستصرخ كل ضمير حي. أين العرب؟ أين المسلمين سنة وشيعة؟ أين أنتم من العراق؟
إن سلطة الحكومات العراقية المهلهلة بكل قوتها وملايينها اليوم، ودولارات نفط العرب، وأموال إيران وتركيا كلها لا تساوي بسمة طفل عراقي تذوب بين النيران، ولا تعادل دمعة طاهرة بريئة تنحدر من قلب فتاة عراقية حسناء فقدت حبيب قلبها، وآهة إمرأة عراقية تبحث عن طفلها الضائع، وسيدة عراقية حامل لاتجد مكانا آمنا لتضع جنينها.
فمَن يوقف القتل؟
ومَن يداوي الجرح؟
ومَن يطعم الجائع؟
ومَن يأخذ بيد التائه؟
ومَن يمسح دمعة طفل يتيم؟
ومَن يأوي المشرد؟
ومَن ومَن ينقذ العراق من النزيف؟

6

يفكر العراقي عن خطأ أو صواب، في محنته الطويلة، وهو في تردد متواصل بين أمواج الفضائع المخيفة والإرهاب المستمر والخطف والتشويه والضياع والآمال المفقودة. إن العقل العربي اليوم في عالمنا العربي الجميل هو عقل الصراعات في القصور الفخمة، يبحث عن المفقود. ويفكر العراقي الأسير في سجن بلده الجريح كيف أن العقل الإيراني يتلاعب بمصير العراق إلى درجة أصبح العراق ساحة للصراعات المذهبية والطائفية، والتكفير، وتصدير واستيراد ميليشيات القتل من وإلى بلدنا لتدميره وإرهاب شعبه.
المنابر الدينية تحولت إلى منصات سياسية للحث على التكفير والقتل أو التمرد والتشرد والعدوان لقمع الكلمة الحرة النزيهه حتى يُرَسَخ الاستبداد، ويُشَوه الإسلام، ويجعله أداة العنف والإرهاب.

ينبغي حل كافة الميليشيات من تلك التي تحمل أسماء دينية أو علمانية، وتلك التي تسربت إلى مؤسسات الجيش والسلطة وهي تمارس العنف أو تساهم في العمليات الإرهابية بأسم الديمقراطية المزيفة وبأسم الدين، عربية كانت أو كوردية أو تركمانية أو كلدو آشورية أو أو أو ، فلا فرق بين القاتل والقاتل سواء كان إسلاميا أو علمانيا طالما أنه لايفهم لغة الديمقراطية والسلم والاستقرار. الإرهابي هو إرهابي أيا كان عرقه ودينه ونسبه وجنسه ومركزه الاجتماعي والديني.


7


أحذروا فالملامح الثقافية العراقية في خطر
يشكل العراق العصب الحساس لضمان الاستقرار في الخليج، لأنه يعتبر العمود الفقري لسياسة الأمن القومي العربي والشرق الأوسطي. فمَن يسيطر على العراق يسيطر على أمن الخليج، لذلك فإن العراقيين الشرفاء يرفضون أن يضعوا مصيرهم بأيدي أي دولة أخرى إسلامية كانت أو أوربية أو أمريكية، ومن هذا المنطلق فإنهم يرفضون الإحتلال أيضا بفعل عزة النفس وكرامة الوطن.

العراق على حافة أخطار جسيمة بفعل التدخلات الأقليمية والدولية. فالتهديدات التركية متواصلة لغزو العراق تحت طائلة مخاطر إجراء الاستفتاء في مدينة كركوك هذا العام طبقا لما جاء في الدستور العراقي الذي وافق عليه الشعب. وعليه فإن تصرف تركيا مضحك ملبوس بالغباء السياسي ومفعم بالهيستيريا، وكأن العراق مقاطعة تركية. وتصريحات وزير الخارجية التركية التي مفادها: لماذا تتدخل الجيوش الأمريكية العراق وهي بعيدة عن العراق آلاف الأميال، ولا يجوز لجيران العراق تركيا أن تغزو العراق وهي لا تبتعد بضعة كليومترات عن العراق. هذا التصريح لا يمكن أن يصدر من إنسان عاقل سوي، إلا من مريض يحتاج أن يراجع أقرب مستشفى للأمراض النفسية والعصبية. فكأن الوزير التركي يقول للعراقيين، إنكم لا تملكون السيادة، ولدول الجوار العراقي الحق غزو العراق على غرار أمريكا. واخجلاه !!! أي انحطاط فكري هذا؟؟؟ لو ضربت تركيا مثالا للدفاع عن المظلومين في تركيا، بمنح الأرمن والكرد والكلدو آشور حقوقهم، والاعتراف بوجودهم وهويتهم الوطنية، لكان الجميع يؤيد إدعات تركيا في الدفاع عن الآخرين. وكأن تركيا لا ترى ما ترى من رفض العراقيين للاحتلال والعدوان من أي جهة كانت. تركيا التي لا تقبلها أوربا أوربية، ولا تقبلها الشرق الأوسط شرق أوسطية.
أما صمت القيادات الكوردستانية في مواجهة هذه التخرصات التركية فقد وصل مرحلة السأم ونسيان الوجود. في حين كان للسياسي العراقي المتنور أياد جمال الدين موقفا أكثر مسؤولية من بعض القيادات الكوردستانية التي تعيش في قصور ذهبية، للرد على تلك التخرصات والتهديدات، فدعى إلى استضافة مؤتمر دولي لدعم أكراد كوردستان الشمال التي تسمى “كوردستان تركيا” في بغداد، وتقديم الدعوة للمثلين الكورد بحضور المؤتمر بمن فيهم ممثلي حزب العمال الكوردستاني، والعمل لتحقيق مطالب الشعب الكوردي في كوردستان الشمالية في الحرية والتقدم. وهي رد فعل يبين لقادة تركيا، أن التدخل في العراق مغامرة خاسرة، وأن شعب العراق شعب الكرامة والشهامة. وأن الأخوة التركمان الذين يعيشون في العراق عراقيون لا يقبلون تدخل الأجنبي في بلدهم، وأن العراقيين أحرص على أبناء شعبهم من تركيا التي لا تعترف بهوية مواطنيها من غير الترك. فمَن وضع يده في يد تركيا لغزو العراق، فهو غير عراقي. فالعراق قبل القومية، وقبل العرق، وقبل المصالح الذاتية والعشائرية والقبلية والطائفية.

أما التدخل الإيراني في شؤون العراق فهو بشكل آخر. فالقيادة الإيرانية ذكية، وليست في مستوى القيادات التركية التي تجهل لغة الدبلوماسية. لكن التدخل الإيراني يضر بمصلحة إيران مثلما يضر بمصلحة الشعب العراقي، إلى درجة أن التدخل الأمريكي يشتد ويتعاظم لمواجهة تحييد النفوذ الإيراني. وطبيعي يرفض العراقيون التدخل الإيراني مثلما يرفضون التدخل التركي والعربي والأمريكي. نريد عراقا مستلا وموحدا للعراقيين، ونرفض أن يكون وطننا محتلا، أو عمقا استراتيجيا لأي دولة، مثلما نرفض أن يكون عراقنا في دائرة محور أي دولة. نريد أن نعيش أحرارا في وطننا الغالي علينا.
التدخل الإيراني يجعل الملامح الثقافية الخاصة للعراق تتغير تدريجيا من خلال تصدير الثقافة الإيرانية. إن الثقافة الجديدة بدأت تعكس انعكاسات سلبية خطيرة على الثقافة العراقية المتسامحة التي سبق أن أصابها الكثير من الضعف والتشويه بفعل ممارسات نظام البعث الصدامي الفاشي. فجاءت الطامة الكبرى من دول الجوار العراقي، ولاسيما جمهورية إيران الإسلامية ذو الثقافة التي تلائم الشعب الإيراني بشكل عام، ولكنها غريبة نسبيا عن العراق. وطبيعي أن ثقافة دولة معينة لا يمكن أن تلائم دولة أخرى عن طريق ممارسة العنف والسيطرة، إلى درجة يمكن أن يصبح العراق في إطار العمق الإستراتيجي للآخر.
هذا التغيير الخطير بفعل ما يسمى “إستعمار الجار للجار”، يجعل من الوضع العراقي معقدا، ويضاعف العنف إلى درجة يصبح بلدنا مهددا للانهيار، فيصبح جزءا من المجال الحيوي لبعض دول الجوار مما يؤدي إلى فتح الأبواب لجر دول أخرى في التلاعب بمصائر الشعب العراقي تحت طائلة الدفاع عن مصالحها. فيصبح العراقيون وقود المصالح الأقليمية والدولية، ويتفكك العراق وينقسم، ويتجزء.

أنا كعراقي، أشعر بانتمائي للعراق الحضاري الذي نعمل من أجل أن يكون حقا عراقا ديمقراطيا فيدراليا برلمانيا تعدديا موحدا، أؤمن بضرورة أن يتحمل كل عراقي أيا كان مسؤوليته التاريخية بالحفاظ على وحدة العراق وملامحه الثقافية المتسامحة بعد أن شوهها الطاغية المقبور صدام حسين، لكي نستطيع أن نقف صفا واحدا أمام المد التوسعي لبعض دول الجوار، ولا سيما تركيا. ونحن اليوم أمام مسؤولية وطنية لننقذ وطننا من الأرهاب والفقر والتشرد والتخريب. وعليه فالمسؤولية الكبرى تقع على عاتق الكورد والأقليات القومية والدينية أيضا إلى جانب الأغلبية العربية، بضرورة نبذ الخلافات، والابتعاد عن الممارسات والمشاحنات المذهبية والطائفية والقومية وما شابه من هذه الخزعبلات. وإعطاء كل ذي حق حقه في وحدة العراق وحرية شعبه.

إن تحليلنا للمارسات التي تجري في العراق، ولاسيما قتل الكوادر العراقية المثقفة من أساتذة جامعات ومفكرين وعلماء وكتاب وشعراء إنما هي سياسة عدوانية ترسخ استبداد الحكام المستبدين، وتقود بالشعب العراقي إلى الوراء أكثر فأكثر. وقد سبق أن مارس مثل هذه السياسة الدكتاتور الأرعن صدام حسين بقتله للمراجع الدينية الشيعية وتصفية أساتذة الحوزات العلمية. كما مارسها الدكتاتور بول بوت وخمير الحمر في نيكاراغوا لمحو الثقافة النيكاراغوية الأصيلة. وهذه التجربة التي تجري في العراق اليوم، إنما الهدف منها تصفية العقول العراقية على أسس مذهبية، بهدف السيطرة الكلية على العراق، لنهب ثرواته، واستعباد شعبه.
عراقنا للعراقيين، وينبغي أن يكون لكل عراقي الحق في أن يسكن في أي مدينة عراقية شاء، إنه عراق الجميع من أقصى شمال أقليم كوردستان إلى أقصى جنوب البصرة. ونعيش بأخوة وسلام وأمان مع جميع شعوب المنطقة من عرب وفرس وترك وكلدو آشور وأفغان وغيرهم، ومع جميع أديان المنطقة من مسلمين سنة وشيعة، ونصارى ويهود ومندائيين وأيزيديين. وليغني كل عراقي، بغض النظر عن القومية والدين والجنس ما غناه شاعرنا الكبير محمد مهدي الجواهري في قصيدته “يا دجلة الخير”، نقتطف منها هذه الأبيات التي تعبر عن خلجات كل عراقي شريف. أما غير الشرفاء فليذهبوا إلى الجحيم:


يا دجلة الخير: ما يُغليكِ من حَنَقٍ
يُغلي فؤادي، وما يشجيك يشجيني
ما إن تزال سِياطُ البغي ناقعةً
في مائك الطهرِ بين الحين والحينِ
ووالغاتٌ خيول البغي مُصبحةً
على القرى آمنات والدهاقين
يا دجلة الخير: أدري بالذي طفَحَتْ
به مجاريك من فوق إلى دونِ
أدري على أي قيثار قد انفجرتْ
أنغامُكِ السمرُ عن أنّاتِ مخزونِ
أدري بأنكِ من ألفٍ مضت هدَراً
للآن تهذينَ من حكم السلاطين
تهزين أن لم تزلْ في الشرق شاردة
من النواويس أرواح الفراعين
تهزين من خِصبِ جناتٍ منتشرةٍ
على الضفاف، ومن بؤس الملايين
تهزين من عُنقاءٍ يوم ملحمةٍ
أضفوا دروع َ مطاعيمٍ مطاعين
ويقول:
يا دجلة الخير: كم معنى مزجت له
دمي بلحميَ في أحلى المواعين
والساترين بشتمي عُريَ سوأتهم
كخصف حوّاءَ دَوْحَ التوت والتين
والعائشينَ على الأهواء منزلةً
على بيانٍ بلا هديٍ وتبيين
والمائتينَ وقد هيضتْ ضمائرهُم
بواخزٍ معهم في القبرِ مدفونِ


8


أين نحن اليوم؟ وكيف نفكر في دائرة التفكير العربي الراهن؟
يتبع القسم الثالث والأخير