الرئيسية » الآداب » كولالة نوري : إنني أصلي كما تقول فيروز

كولالة نوري : إنني أصلي كما تقول فيروز

من بين المئات من الأصوات لشعراء الداخل في العراق برز اسم كولالة منذ بداية هذه الألفية كصوت نسائي طغى على المشهد الأدبي في العراق. كولالة الشاعرة المبدعة في رسم صور يانعة للواقع المرير في العراق السابق من خلال أشعارها، استطاعت ان تلمع كشاعرة كردية صاعدة، كنجمة في فضاء الأدب العربي. انها ملكة الحقيقة والجمال و القيم المعنوية الانسانية التي نبتت في مهد الانسانية لتبرق في سماء مزوبوتاميا. كان لنا معها اللقاء التالي.

* من هي كولالة نوري؟

كولالة نوري هي شاعرة بالأساس ثم طفلة ثم كردية من كردستان العراق وبالذات من مدينة كركوك وقد سبقتُ هويتي كشاعرة وإنسانيتي كطفلة قبل القومية او الوطن الجغرافي لأنه لو لم تكن إنسانا ذو مشاعر راقية وحقيقية وعادلة عدالة الطفل وصدقه تجاه الحياة فلن تفعل شيئا لا لقومك ولا لوطنك وإنما سوف تكون فقط تحمل قوميتك ووطنيتك بالتوارث لا بالتفاعل. دخلت المدرسة مع ذروة عملية التطهير العرقي للأكراد في كركوك وكان ان تم تغيير اسم المدرسة التي كنت ادرس فيها قبل كل شيء من (مهاباد )الى اسم عربي والكتب تغيرت جميعها وانمحى أي اثر او عنوان باللغة الكردية بسرعة و بطريقة تعسفية وشوفينية غريبة ….لم أكن اعرف كلمة واحدة عربية قبل عملية التعريب تلك لأنني قلما كنت أرى عربا. كان السؤال الاول لي كطفلة: من هؤلاء ولماذا يفعلون ذلك بنا؟؟؟ وماذا يعني ان يأتي كائن من كان ليفرض عليك ترك لغتك الأم لغة طفولتك وتهجئتك الأولى وقسرا لتتكلم لغته؟؟


كان هذا سؤال مؤذي لنا نحن الأطفال والشيء المتناقض الذي كان واضحا في سياسة البعث البائدة حين كنا نقرا في كتب التاريخ كيف الفلسطينيين تعرضوا الى الطرد والقتل في محاولة لطمس هويتهم العربية ومصادرة وطنهم من قبل اليهود وكيف ان المغرب العربي تعرض الى سياسة الفرنسة على يد فرنسا وسياسة التتريك في الشرق العربي على يد العثمانيين وأول سؤال برئ وأنا طفلة وجهته الى والدي بعدما قرأت هذه الحقائق حول العرب كان: هل ان عرب العراق أصلهم يهود؟؟؟؟ وهكذا تفتحت على اللغة العربية بكل همّة ليس فقط لأنه منهج الدراسة او فرض، لكن لأعرف أكثر عن العرب ولماذا هذا الاستبداد من قبلهم بحقنا؟

بدأت الكتابة مبكرا بالعربية. كنت في نهاية التوجيهي أي قبل الجامعة بسنة وحدث ان كان هناك مسابقة المدارس التوجيهية للشعر على مستوى القطر العراقي. وكان ان اشتركت بقصيدة، هذا (رغم ان مدرّستي نصحتني حينها لأغير اسمي الى اسم عربي كي يتسنى لي الفوز فربما يكون اسمي الكردي سببا لعدم الفوز) الا أني اصرّيت وكان ان فزت على مستوى العراق بقصيدة عربية…

كانت هذه البداية، ثم كانت قراءاتي ومطالعاتي باللغة العربية ومن خلا مطالعاتي الواسعة اكتشفت ان اللغة العربية لغة ساحرة وجميلة فأحببتها بعيدا عن الزمرة الشوفينية التي حاولت تشويه حتى لغتهم العربية من قبل الآخرين بسبب سياسة التعريب الذي جرت في كركوك واستطعت بوعيي الإنساني وفكري ان أتجاوز المسالة. وأيضا اندمجت مع كثير من المثقفين العرب العراقيين ومن دول اخرى أيضا وتأكدت من ان هذا التفكير الشوفيني ليس بمستوى واحد بين العرب تجاه الأكراد وأنهم أيضا يتعرضون للظلم والاستبداد على يد أنظمتهم بل اذكر صديقا وهو عربي من العراق كان قد توفي أخوه في إحدى المواجهات بين الأكراد والعرب في كردستان العراق كونه كان جنديا في الجيش ومأمورا للقتال ولا يستطيع ولكن هذا الصديق أبدا أبدا لم يكن حاقدا وكان مؤمنا جدا بالقضية الكردية وحقهم في حكم نفسهم بنفسهم وكان يقول( أخي توفي كي يحمي العائلة من اضطهاد السلطة لو رفض لكنا جميع العائلة في حكم الإعدام.)

مثلت العراق في أكثر من مهرجان شعري وكنت امثل أدب الداخل (واقصد الأدباء الذين لم يغادروا العراق وبالأخص الأدباء الذين كانوا تحت سلطة النظام السابق) واستعطت ان اترك بصمتي العراقية وتوضيح كثير من الأفكار الخاطئة حول الأكراد بين المثقفين في العالم العربي من خلال الحوارات الجانبية وفي الصحف الرسمية.
أصدرت مجموعتين شعريتين الأولى(لحظة ينام الدولفين) سنة 1999 في مدريد باسبانيا عن دار ألواح ثم أعيد طبعه في دمشق عن دار الشموس عام 2000 والمجموعة الثانية(لن يخصكِ هذا الضجيج) عام 2001 في بغداد. المجموعة الثالثة (تقاويم الوحشة)تصدر قريبا عملت في الصحافة في صفحات ثقافية واجتماعية وعملت كناشطة في حقوق الانسان بعد سقوط النظام في العراق وأمارس الترجمة من الانكليزية في بعض الأحيان كوني قد درست الآداب قسم اللغة الانكليزية. ولدي مشاريع كتابية خارج نطاق الشعر كبعض المقالات الأدبية او الخاصة بالمرأة.

* أنت معروفة كشاعرة من قبل جمهور الأدب العربي لكن كيف لك ان تعرفي ذاتك بشعبك الكردي؟

شعبي الكردي في كردستان العراق يعرفني جيدا خاصة المثقفين منهم..لأنني الى الآن أتكلم الكردية بطلاقة رغم ان لغة الكتابة عندي هي العربية..وسبق وان نشرت بعض القصائد بالكردية في بداية التسعينيات..الا ان اسمي (كولالة ) طبعا هو اسم كردي بحت، فلم يكن هناك عناء كبير ليعرفني الأكراد هنا في العراق .لكن هذه هي المرة الأولى التي اعرف فيها بنفسي الى شعبي الكردي في باقي أجزاء كردستان ومن خلالكم اعتقد بان هذا مهم جدا.

* ما الذي تعبرين عنه في أشعارك؟

جوهر نصوصي غير ثابت بفكرة معينة او ثيمة معينة وإنما هي متنوعة بين هموم جيلي وتطلعاتهم وبين اللاعدالة التي عشناها هنا في العراق إبان الحكم الدكتاتوري لنظام صدام. طبعا كتاباتنا نحن أدباء الداخل لم تكن صريحة وواضحة المعنى لان كان ذلك مستحيلا لنا ونحن أمام أعين الرقباء دائما. من خلال الكتابة عن همومي الذاتية و أنا امثل أكثر جيل تذوق المعاناة في العراق حيث ثلاث حروب ضروسة وحصار مفجع وإحساس بالضياع والتوتر والترقب والخوف من كل شئ حتى لسانك. واعتقد بتعبيري عن نفسي وانكساراتي عبرت عن أفكار جيلي جيدا.

* أين الحق المهضوم لأبناء جلدتك في أشعارك؟ و أين هي المرأة بنات جنسك في أشعارك؟

لقد قلت لك بأننا أدباء الداخل والذين كنا بحكم الإقامة والسكن تحت سيطرة النظام السابق فلا تجد إشارات واضحة عن هذه القضية وإنما تجد تعابير كثيرة عن الفقدان والرحيل وترجمة أحاسيس الظلم والنقد وكان كل ذلك بكتابة تحمل تحليلين. لذا كتاباتنا عن القضية كانت غير خطابية ومباشرة وإنما موارية. وبالنسبة للعراق فان الإحساس بان الهم والظلم كان عاما على الجميع دون الاختصاص بقومية او مذهب معين. الكل كان مضطهدا ومعرضا لكافة طرق الاستهانة بكرامته، اللهم فقط الذين كانت مصالحهم تتفق مع مصالح النظام السابق.

طبعا المرأة موجودة بقوة في أشعاري وهذا لا يقبل الشك، لأنني وبعيدا عن الهموم السياسية للبلد كامرأة عاشت وتعيش في مجتمع لا يعامل المرأة الا بدرجات اقل من الرجل حتى لو كانت المرأة متميزة وصاحبة انجازات وعلى جميع الأصعدة. وهي في العراق كان لها وضع صعب جدا والى الآن فهي الأرملة وهي الثكلى وهي زوجة الأسير وهي زوجة المفقود وهي العانس لكثرة الحروب هنا وهي أم ليتامى. وفي نفس الوقت تضطر في معظم الأحيان العمل لتتكفل بمتطلبات حياتها كل هذا موجود في أشعاري.

* الشعر لديك حالة ذاتية محضة أم نتاج لحظات متراكمة؟

هي حالة مزدوجة بين الاثنين بعض الأحيان اكتب نص شعري بلا تراكمات وفي أحيان آخر لا اكتب قصيدة الا بعد ان تتراكم المشاعر حول موضوع معين وربما اكتب عن حالة مرت علي بعد فترة طويلة جدا لأنني أحيانا أتجمد من الكلمات واللغة حيال موضوع كارثي وكان كل اللغات والتعابير لا تكفي….مثل مأساة حلبجة، الى الآن لم استطع ان الملم هذا الإجرام في قصيدة هذا مستحيل لان المأساة كبيرة جدا ولا يتحملها كل لغات العالم. كتبت بعض الأشياء ومزقتها رايتها سخيفة مقارنة بحجم مأساة حلبجة.

* هل لشعراء كرد تأثير عليك و ما هي الترسبات الكردية في إبداعاتك؟

طبعا هناك شعراء أكراد قرأت لهم وتأثرت بهم، في المقدمة يأتي الشاعر الكبير سليم بركات هو يكتب بالعربية ولكنه أكثر شاعر ترك آثار شعرية وروائية ومن أرقى ما يكون حول تاريخ معاناة الأكراد واعتبره معلمي الاول في اللغة العربية، إضافة الى قراءاتي بالكردية لشعراء يكتبون بالكردية ك(نالي) وشيركو بيكس وعبد الله بشيو..هؤلاء قرأتهم أكثر من البقية.

* كيف تقيمين إبداعات الشعراء الأكراد الذين يكتبون بلغة غير لغتهم الأصلية من زاوية الأدب الكردي؟ وهل يمكن وضعهم في خانة أدباء أكراد؟

يكون التقييم لمدى إبداعه في لغة الكتابة لديه ويكون تقييمه ليس على أساس ان هذا أدب كردي، هذا أدب عربي او أي لغة اخرى يكتب بها الكاتب الكردي بغير لغته. ولكن هناك بصمة خاصة دائما للأدباء الأكراد الذين يكتبون بلغة اخرى. نعرف بان الكتابة هي نتاج الزمان والمكان ثم تنشئة الطفولة فإذا عاش الشاعر في بيئة كردية وتربى على أساطير وقصص كردية سيكون بالتأكيد بطريقة ما لسان حال الكرد حتى لو لم يكتب بالكردية. وقد يكون كسفير ثقافي لشعبه بلغة اخرى. وأضيف ثانية ان ما فعلناه للشعب الكردي لا يصل الى روح شهيد واحد من اجل قضيته العادلة.

* الشعر حالة إنسانية محضة، لكن تتأثر بعوامل و المحيط الخارجي، فهل للشاعر هوية محددة أم انه كشاعر مجرد من كل الهويات الأخرى سوى إنسانيته؟

اعتقد بان هوية الشاعر الحقيقي تكون إنسانية بحتة لان للظلم معنى واحد وللشجن معنى واحد وللسعادة أيضا معنى واحد في كل اللغات ودون تمييز بسبب القومية او الدين او الجنس او اللون، و بالنسبة لي اشعر بان تبني الشعر كهم إبداعي نابع من هذا الإحساس المشترك بين البشرية قاطبة

* كيف تقيمين الواقع السياسي و الثقافي الراهن للشعب الكردي في كل أجزاء كردستان من خلال حسك الشاعري؟

الواقع السياسي معقد في كل أجزاء كردستان وهذا الحال ليس وليد الساعة انه وليد تاريخ طويل ووليد مصالح دول ومعاهدات بين تلك الدول لتقسيم كردستان كبداية لذوبان الكرد. ولكن لم يحصل ابد ا ان تم تصفية شعب بأكمله عبر تاريخ البشرية، الشعب الذي ولد بلغة وتاريخ وجغرافية واحدة سوف يظل هو هو لأنه حين خلِق خلق بإرادة الله بان يكونوا بلغة اخرى وملامح اخرى وجغرافية محددة(أنا جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) لذا رغم كل محاولات إلغاء إرادة الرب فلم يتوفقوا كليا من عملية الذوبان وربما في كردستان العراق هناك انجازات لا باس بها في نيل الحقوق الطبيعية ولا أقول نيل المطالب انها حقوق إلهية كما قلت قبل ان يكون حقوق أرضية..ولكن حتى هنا نحتاج الى اتحاد اكبر بين الأحزاب والاتجاهات وان ينسى الساسة أحقادهم الشخصية وان ينتبهوا بأنهم هم المسؤولين الآن عن أي خطا آخر قادم يحصل لنا نحن الأكراد في العراق. وأتمنى ان يكونوا أكثر إخلاصا للقضية من أي وقت آخر. الفترة هذه بالنسبة للأكراد هي فترة تاريخية مهمة أتمنى الا يفوتوها ويضيعوها بسبب بعض الخلافات الشخصية او الحزبية(و إنني أصلي) كما تقول فيروز. أما الوضع الثقافي فجيد هناك نشاط وفعاليات وتعاون جيد بين المثقفين والشعب الكردي بطبعه شعب متحضر وراقي في التعامل مع الآخر وطيب ولا يمس أحدا بسوء الا إذا استفز!

* كولالة نوري إضافة الى إبداعاتها الأدبية الرائعة ماذا قدمت و ماذا تنوي ان تقدمي للأدب الكردي؟

لا استطيع ان اخدع القارئ وأقول إنني سوف أقدم أشياء مهمة للأدب الكردي لأنني من أكثر من ربع قرن اقرأ بالعربية وحواراتي الانسانية والثقافية أكثرها بالعربية لذا احتاج الى جهد ووقت متفرغين للرجوع الى اللغة الكردية للكتابة وهذا ما لا أجده الآن ولدي من هموم حياتية كثيرة في العراق الراهن لا يسمح لي بان اخصص بعض الوقت لذلك ولكن لدي رغبة عارمة ان اكتب ثانية باللغة الكردية كوني كنت اكتب باللغتين العربية والكردية في بداية كتاباتي أتمنى ذلك من كل قلبي.

* ماذا تقولين لشعبك الذي مازال يناضل لأجل حقوقه في تركية و سورية وإيران والعراق؟

أنا لن أوجه كلامي للشعب الكردي بقدر ما أوجهه ثانية للمسؤولين الأكراد، لان القرارات هم الذين يصوغونها والزعيم السياسي او القبلي له الكلام الفصل الى الآن في الشارع الكردي، لذا أقول لهم:( الشعب الكردي أمانة في أعناقكم ونحن بحاجة الى ان تكونوا بمنزلة الأنبياء حين التفكير بقضية شعبكم، لأننا نحتاج الى المعجزات رغم أننا لسنا في عصر المعجزات بل في عصر المصالح فلتكن إذن مصلحة الشعب الكردي في مقدمة رسالتكم السياسية). وان الشعب الكردي شعب واع ويستطيع بعد هذا التاريخ الطويل من النضال والظلم ان يرفض فصاعدا ان يصادر حقوقه من اجل مصالح شخصية بحتة لمسؤوليه لذا ليحافظوا على حب الشعب لهم لأنهم حتى الآن على الأقل عيونهم مصوبة الى ما يفعلونه من اجله في هذه الفترة المهمة من تاريخه

عن (عفرين نت) 19.08.04