الرئيسية » الآداب » رواية الوند والاسطورة …ثنائية الحُبّ لخانقين والحنين لزمن الطفولة للروائي الكردي فاضل كريم احمد

رواية الوند والاسطورة …ثنائية الحُبّ لخانقين والحنين لزمن الطفولة للروائي الكردي فاضل كريم احمد

بتعضيد من وزارة الثقافة لحكومة اقليم كردستان في السليمانية وتحت تسلسل 254 ومن مطبوعات المديرية العامة للطباعة والنشر صدر عمل جديد للراوائي والكاتب السياسي الكردي فاضل كريم احمد والمعروف في النضال الحزبي بماموستا جعفر، ذلك الكادر والبيشمه ركه الذي دافع عن شرف الارض وعن قدسية المبادئ التي رسمت حرية الانسان في كردستان.
-وحين يقرر الروائي الكتابة تفرض عليه بنية تنتقى من بين مئات الاحداث والذكريات والتأملات.. اما طريقة الانتقاء فهي جزء حيوي من عمليات الفن الروائي. وفي اية رواية او قصة هناك اختيار مقتضب وبناء دقيق مبرمج للوصف والحوار والتحليل.. فكل ذلك يتخذ في العملية الروائية شكلا بنائيا موحيا. لانه يخضع لمجمل الادراك او بعبارة ادق لنوعه. فلا يتم اختيار وصف لمشهد كتمهيد – وهذا ما يحدث في بعض الروايات – لحوار بين بطلين وما لخصه الاستاذ نوزاد حسن في انطباعاته التحليلية الفذة تحت عنوان مدهش منطقة الروائي ونحن نبحث عن ولادة لها طعم جديد عن رواية محكمة يكون بناؤها الفني واشخاصها والصراع الذي ينتظرهم حالة واحدة-.
وفي حوارالروائي فاضل كريم بينه وبينَ ذاكرة الطفولة، وحبه لمدينته خانقين،ولوعتة المحترقة بلهيب المنفى القسري، وانقطاعه الجبري عن كل شيء جميل، وفي تلك الذاكرة المفعمة باصدقاء الطفولة. وايام الذهاب الى المدرسة، وسط وحل الايام الماطرة، وقهقهات زملاء الدراسة، وهم يتراشقون البعض بحبات الحصى، ويدفعون الآخر وسط برك المياه المتجمعة بمحاذاة ارصفة الشوارع المتآكلة، بفعل عوامل التعرية،وبغش متعمد من متعهدي صيانة ازقة المدن الفقيرة. نسمع بجلاء ذلك النداء من القلب الملتاع على بعد القارات، والمسافات الطويلة، كنشيد للعودة وكموال حنينٍِ للارضِ والاحبة.

اعود انا لمدينتي !
اعود لضفاف نهر الحلم، واعود النجوم والاسطورة!.. اعود لمدينتي بعد ربع قرن من الانتظار، فهي مدينة في اوج الانتظار لآخر اللحظات كي أضيع بحظنه ، او تضيع هي في حضني ، افترقت مثلما الام والرضيع افترقتا واكتحلت عيونهما مرة اخرى بلقاء الآخر.
وعلى مشارف انتهاء رحلتي والدنو من مدينتي خانقين،وعلى طول الطريق،غارق في بحر التفكير، انسيتُ شيئا من اسمالي ومحتويات حقيبتي المهترئة.وهل احتوت على ملابسي و لم انس ادوات الحلاقة وفرشاة اسناني. لاني ما سافرت يوما في عمري ان لم انس بضعا من لوازم اسفاري،وان كان النسيان اصبح شيئا طبيعيا وضروريا في حياة الانسان، ولا ضيرمن النسيان لانه استراحة للدماغ وبمثابة نوم هانئ للجسد المنهك.في الماضي كانت امي الحبيبة هي التي ترتب كل لوازم سفري وهي التي كانت تذكرني اذا نسيت شيئا منها في حقيبة سفري.


حوار النفس مع موال انا ذاهب يا امي
واذا لم اعد سوف اكون زنبقة في الجبل!.

يقول الروائي فاضل في احدى صفحات مذكرات الوند، وعلى هامش مسرح تراجيدية المدينة في استعراض اسطورتها الخالدة كبصمات ابدية. لا تمحيها عواصف التغيير القسري، الغرباء واسراب الجراد الفتاكة، لا يمكنها ان تحيل جمالية مروج سفوح الوند الى صحراء قاحلة.مخاطبا في حماس ثوري اهل مدينته الصامتة امام مخططات المحتلين. يا ابناء الوند هبوا وانتفظوا! ها هي موجات الابادة والفناء تهددنا بالانقراض.وسنكون في مواجهة اعتى الهجمات، فامواج الجراد تزحف قادمة نحو المدينة، تزيح في طريقها الاخضر والبابس، أتريدون ان تكونوا في مواجهة التلاشي، فقمم بمو وزمناكو وكلي بيشكان بحاجة لهدير الثورة والثوار. فتلك الجبال مرتكزنا الاساسي وسلاحنا الفعال، فعلينا ان نصمد ونلوذ بكل قوة بين خنادق الجبال، وان لا ننسى انفسنا في ايام نشوة النصر ولا يصيبنا الغرور،وان نستهزأ في ذاتنامن تلك الصور ومن ايام المقاومةفي الجبال.ونستصغر من شأن تلك الايام.،فالثعلب سيصاب بداء الجرب اذا تمرد يوما على وكره.
وفي استفاظة ممتعة يتوغل الروائي فاصل كريم مع بحر آلام الايام العصيبة مبحراً بين موجاته نحو فضاءات بعيدة ، وفي سردية مستفيضة من غير اسفاف لرحلة العمر الغض، مع حديثه عن اول تجرية له في خنادق القتال ضد اوكار الشر والظلام،
– كنت اعرف جيدا بان الحياة والعيش كبشمركة مستجد صعبة وقاسية، وكنت اردد بين نفسي ربما لن اطيقها بسهولة. تذكرت وانا في الطريق نحو مصيري المجهول، مقولة حسن بان الانخراط في هذه الثورة بحاجة لخلفية متينة وقوية، وقسم جوامير – بانه سيحيل العاصمة الى جحيم على رأس النظام.و يشاء ان يعتقل اغلب رفاقي في تلك الفترة المظلمة،وكنت واثقا جداً من صمودهم امام اساليب التعذيب،وعن مدى صلابتهم امام الجلادين بانهم يهترؤن في الزنزانات العفنة، ولا يعلنون اسما من اسماء رفاقهم.هذا ما دونه الروائي بصمت مريب من عيون وآذان المتنفذين في المدينة، يتذكر والده الرؤوم وهو يذوب حزنا على مصير ولده الشاب، فالحياة كلها فرص وصدف، فدوحة متينة لوحدها لا تستطيع ان تقاوم ضربة عاصفةهوجاء صغيرة.وفي حين لا تتمكن عاصفة كبيرة ان تحرك من سكون نتوءعشب صغير، فلا تسفك دمك هدرا يا ابني، فها هي الايادي الملطخة بالدماء تلون بياض الجدران، قطرة تلو القطرة تسيح لبرك من الدماء، الوند موشح باللون الاحمر.فضفافه في حداد قاتم وعلى غفلة من وهم الذات تذكرت ذلك الصوت الشجي وهو يهدأ شيئا من روعي :

كيف لا انوح فيبط هذا القلب لمئات المرات ،
وكيف لا يهرق الراح اذا الكاس مهشمة من مئات الجهات.

ومن نعيم عيشةالمدينة لخشونةعيشة الجبل،ومن ايام الجبال نحوالمنفى،جيل من ابطال حرب العصابات، وتحت فناء بنادقهم رغم زهرة شبابهم سيدركهم الشيب المبكر. النجع والينابيع والغدير تخاصمهم موجة الجفاف بانحسار المياه، فتهاجرهن تلك الاسماك والفراشات ذات الاجنحة الحمراء رغماعنها. فتسلكن طريق العز والعيش في كنف الملكوت.الجبل والمنفى ايهما يكمّلان ويحتويان الاخر ، او يحبطان بعضهما البعض. لا يمكن ان محاصرة صوت الثورة في اطارتلك الجبال. واذا لم تصل صوتها لبوابات الامم المتحدة،ويسمع جليا في المحافل الغربية وفي نواديها ومنتدياتها الليلية.، نحن لا لا يمكن ان نهتدي طريق التحرير، والتاريخ في كل مرة يعيد نفسه. نحن الكرد نكسب في سوح المعارك النصر ،ولا نحسن فن معارك المفاوضات. الخندق والطاولة، كلاهما كفيْلقين في مواجهة البعض، فنحن بحاجة ماسة للدبلوماسية، ولمدافع وسائل الاعلام، ولجبهات الفنون والادب. يا حبذا لو كانت الاشتغال في مجال السياسة صعباًكعلم الطب، ولعرف كل من الِعالم والجاهل حدوده، علوم السياسة في حقيقتهاهي اصعب من علوم الذرة.فمصيبتنا هي كل من شنبه احمر فينا نعتقده هو همزة اغا بعينه. في هذه المسألة اتذكر قصة رجل في ايامنا وكان اباه مستخدما في المستشفى ويلقبونه اهل الحارة بدكتور علي ، فهذا الدكتور كان ملما بالسياسة لحد الوله، ولا اعتقد ان يصل لا هنري كيسنجر ولا ديترش كينشر، في مستوى تحليلاته السياسية. ويبقى هناك بونٌ واسعٌ وحاجزٌ كبير بين الولهان بالسياسة، وبين الأرتزاق من السياسة. فالحياة في خضم السياسة تكون في مرتبة المهن الوظيفية ، فالعاشق يتمسك بتلابيب ايام الجبال ويتجه مجبراً نحو القفار. ابقى أتلوى شوقاً وألماً،وان كنت في اجمل ضفاف البحر، اتوق في سياحة دائمة لنهرالوند ولمياه سيروان، وقوروتوـ وهواسان.لذا لا اتذكربشكل صحيح تاريخ تعليمي لفن العوم. بدء ره شه برم في الوهلة الأولى بصيد السمك في غدير كريم خان.وفي طق طق به ر، ومن بعده في كوم به ري،وكان ثمرة صيد يومه للاسماك من نصيب الاطفالالفقراء والمعدمين. فروى لي اخي الكبير في يوم ما وفي عهد كريم خان لم يكن يجروا احد من اهل الوند ان يسبح في غديركريم خان. ومن يمسكونه يعوم في غديره، كانوا يعاقبونه بسكب كمية من السمن المغلي في حنجرته كجزاء لتجاوزه.وقلت لاخي فها نحن الآن نسبح في غديركريم خان، ولماذا لا يعاقبناولا يمنعنا احد منهم، فاجابني- طبعاً لا يمنعك احد اليوم، لان كريم خان قد مات من سنين وانقضى عهده، ولم يجرؤا احد ان يعاقب المساكين بالسمن المغلي. فهذا البعبع المخيف كان من كبار المتنفذين، وحفيد علي اغا بن كريم خان. وحينما كنت اعوم ايام طفولتي في غديره ،وعيني في ترقب دائم وانا في وسط الماء محدقاً لابواب ونوافذ قلعة الخان، كيلا لا تراقبني وتلاحقني ظلال كريم خان من القلعة.وياخذوني اليه ليعاقبني بعقوبة افراغ السمن المغلي في حنجرتي،فكانت تلك الصدمةاول درس تلقيته في السياسة، بالرغم من فهمي وقتذاك للمسائل السياسية، كانت كفهم نملة صغيرة لعلوم صعود القمر. وهنا اود ان اشير الى نقطة حيوية في تشابه تجاربنا الطفولية، وتشاب هآخر في نشأة طفولة كل منا من حيث احترامنا المبالغ فيه لمن يكبرنا،بدءا من احترام الاب، والمربي، انتهاء بالشيخ سواءكان رئيس طريقة او قبيلة. مع عدم ملاحظةالجوانب السلبية لذلك الاحترام المفرط، مع تحوله في النهاية وبمرور الايام لمرض مزمن اقله الخجل والانطواء، واخطره هدم الذات وانطواء في الشخصية. من حيث غياب الجرأة وعدم المقدرة في ابداء مكامن النفس، وانعكاس ذلك الاحترام سلباً على مستقبلنا وعلى شؤوننا الاسريةفي تكوين الأسرة. وبالتالي على ممارستنا في الحياة السياسية. و لا نعرف بانفسنا باننا مسكونون منذ الطفولة بهاجس الهلع وفق نظرية الاحترام المفرط في احتواء الحاضر والمستقبل.ويحضرني في هذه المقاربة عندنا في عدم مراعاة خصوصية عالم الطفولة ، الروائي الراحل محمد شكري لما ورث في طفولته المعذبة تبعات ثقيلةمن ذلك النمط حيث الخجل الممزوج بالعنف في ظل الفقر السياسي. والعيش في مجتمع محكموم بقيود التقاليد الصارمة.والتنازل في كل سهولة ومن دون اية مناقشة او اعتراض عن الكثيرمن تلك الحقوق،وتحمل الطفل الغض قسوة الأب، ومعه الأم المسكينة.وفي الخبز الحافي ينقل جانبا ماساويا من تلك التجارب ومااختبرته الحياة الصعبة من خلال معايشته اليومي لبؤس جماعات هامشية اسقطتهم الزمن للدرك الأسفل. وفي هامش مجتمع يدّعون السّمو.مدويا بصوته صوته عبرسيرته الذاتية الروائية. – لقد علمتني الحياة ان انتظر ان اعي لعبة الزمن بدون ان اتنازل عن عمق ما استحصدته/ قل كلمتك قبل ان تموت فانها ستعرف حتما طريقها لا يهم ما سيؤل اليه، الاهم هو ان تشغل عاطفة او حزنا او نزوة غافية، ان تشعل لهيبا في المناطق اليباب الموات. طنجة في 1982 الخبز الحافي محمد شكري .
وعندما نريد حرث ارض ذكريات الوند والاسطورة نواجه اشياء كثيرة،منها ماتصلح ان نطرزَ صدر مجالس انسنا في ليالي سهر الشتاء، ومنها ما تصلح ان نتخذها كقلادة من لؤلؤمنضود بجيد الحسناوات لحظة قدومهن من طريق الينابيع وقت الاصيل. عبر لغة الراوي المسكونة بسمات من الشفافية،متصفة في سياق مدلولاتها كل احداث ماضي المدينة،وبلغة شخوصه الفاعلة في صنع احداث الرواية. والمقتربة في بعض محاورها من اللغة المحكية.مع بقاء الروائي كفاعل ومحفز رئيسي في تحديدالحركات.مع التوظيف المدرك لادوارهم في اعطاء ذلك الزخم الموجب،من خلال اللغة المستخدمة للراوي، وعلى لسان شخصيات محوريةأخرى ضمن فضاء الرواية. وعن رؤية السرد في الراوية يحضرني في هذا المجال رؤية ثاقبة للكاتب والناقد عباس دويكات في تحديده لمسارالروائي. يقول بان الروائي حين يكتب روايته يكون هو المسؤول عن خلق شخوص روايته،يرسم حكاتهم، يمنحهم لغتهم السرديةومهما حاول الروائي ان يتخفي وراء شخصيةالسارد او الراوي في روايته،فانه يبقى حاضرا في العمل الروائي المنجزيصف الحيز المكاني،يحرك الشخوص ضمن فضاءزماني يحدده هو،يحيط كل ذلك باطار لغة سرديةتوصل الينا كل اوبعض ما اراده الكاتب من خلال دالات اللغة المستعملةمن بل الكاتب الروائي على ألسنة شخوصه.
ومن منطقة احداث المدينة يقلب لنا الروائي فاضل كريم صفحات من هيجان طفولته الثورية مع ثلة من اقرانه وعبرلغة سهلة ومفهومة، بانهم كيف كانوا يحلمون منذ الطفولة بان يكونوا في المقدمة لقيادة الفقراء.وفي شوق عارم لسيطرة الطبقة الكادحة البروليتارية للمدينة.ورفرفة الراية الحمراءعليها، راية امل المعدمين والفقراء من دون وجل او تردد. ونضالنا ايامئذ لم يكن له صدىمؤثرفي النفوس،وبعدما تحقق حلمنا لا ادري كيف لم نتعرض في وقته للسجن والاعتقال. فكان علي شامار بمثابة المتصدي للمعادين لطروحات معسكرنا،كان نصف دكانه ايام النضال مزينٌ بأنواع من الحلويات والسكاكر. ونصفه الاخر كان مطرزا بالكتب المنوعة ولعناوين ومانشيتات بارزة لاخبارالعالم، وقميصه كان احمرا كعُرف الديك، و دكانه كان مجمعاً لكل الاخبار المرئية والمسموعة في المدينة.واتذكرموقع دكانه كمفارقة عجيبة بانه كان مجاوراً لمسجد الشيخ علي ولبيت كريم اسمر.وبمثابة مركز ثقافي للمدينة بلغة اليوم. وكان حانقا على الطبقة البرجوازية لحّد التشفي بالانتقام.

خانقين من نافذة التاريخ القديم.

خانقين يا جزيرة خضراء،وفوق بحر من الذهب الاسود،وما جدوى ذلك الذهب الاسود،والوحل الاسود. واذا ما حيل بينَ اجيالٍ من ابناء تلك المدينة، العائمةعلى بحر من ذهب،فكلهم يموتون ببط في المنافيهم وغربتهم كمدا. او يصابون بامراض الشتّات. وقاتلنااللعين والوحيد هو الذهب الاسود، ويبقى شروره مثل افعى الملا عمر مطوقة باحكام في رقابنا، وحكاية تلك الافعى والملاعمر معروفة في الحكايات الكردية الشعبية. يحكى ان رجلا دين باسم ملا عمريربي لسنين افعى صغيرة سامة في غابر الزمان وكان الملا يداعبه يوميا ويجعلها على صدره ورقبته. وفي احدى الايام بينما هي فوق رقبة الملا تطوق بكل قوة رقبته،ويصيبهافي مقتل. وفي ذلكة تاريخية للمدينة، تدل تلك الآثار التاريخيةوالتنقيبات التي اجريت من علماء الآثارو قبل قرن من الآن،وبالتحديد في مضيق بيلوله، وفيحوش كوري، بان العمرالزمني لآثار المدينة تمتد الى اكثر من اربعة آلاف سنة، والمنطقة في تاريخها الزاهي كانت تعج بالحياة والحركة،وهااليوم نراها في مرحلة المراوحة.فياللمفارقة العجيبة،ولهذا اليوم لم يستطع لانهر المعرفةولا قبس العلم من تبديد ظلام الجهل فيها. فخانقين التي عرفت المدنية قبل اربعة آلاف سنة، ولغاية هذا التاريخ لم تستطع ان تبرحَ في حواضرها الاّ نزراً يسيراً من الماضي وشيئاً من ارث ثقافة الريف.
وفي قصةوطن آخرتحدثنا القاصة بثينة الناصري ، هذه حكاية مثنى ظن يوما انه يستطيع ان يبحث عن وطن آخر فباع اشياءه وطوح على كتفه بحقيبة سفر صغيرة لم تتسع الا لذكريات صغيرة مثل رائحة الارض بعد المطرومذاق الماء بطلع النخيل،…….. اغلق باب بيته في بغداد وراح يدق على باب العالم. وطن آخر. دارسينا للنشر1994 .
وعلى لسان ابنه يروي لنا الراوائي فاضل كريم اندهاش ولده من كلامه عن مغزى قدم الحضارة والمدنيةفي خانقين.مع صمت لوقع السؤال… ابي هذه مدينتك الحالمة خانقين والتي ترجح حضارتها لاكثر من اربعة آلاف سنة!،افيها معالم التمدن والرقي مثل برج ايفل، اوتمثال الحرية، اوميدان هايد بارك.؟ لا يابني نحن لدينامعالم محلية مشهورة مثل قولة، وكورد ره، وحمام لكه ، ولدينا اسواق مسقفة مظلمة.ونحن يا ابني في وطن كل يوم يتمرد فينا عريف في الجيش ليستلم الحكم، ومثل هؤلاء الاوغاد لا يهمهم لااستقرار الوطن، ولاسعادة الناس بقدر اهتمامهم في بسط نفوذهم وافكارهم الرجعية على الشعب. ويستطرد على لسان ابطال الرواية، متحدثا هنا بضمير المتكلم – الانسان امام الانسان كذئب مفترس،ولا بد من دولة قوية تحكمها القانون. ولا بد من سلطة قانونية لكبح جماح الرغبات الآنية لتلك النماذج. ويعترض عليه احد أهم المحاورين والمعروف محليا بشخصية علي دلك ،– لا يارفيقي، هذا الكلام مقولة لهوبز، وليست لجان جاك روسو فانت مخطئ في ذلك. ينادي على نادل المقهى كاكا هات لي كوبا من الشاي. انتهت المحاورة، فهذا هو محمد دلك الذي امتحنه العيش النكد متحديا افق الفقر متحولاً من عاشق ولهان بقفزه المفاجيء بنية الانتحار من فوق جسر الوند، وبعد غطس بين الحياة والموتو تحت تيار الوند المتدفق يخرج محمد من دون ان يصاب باذىفي الجسم، وربما الانسان قد يحميه طوق العشق ويكون كواق له من الموت.كحالة محمد دلك.ذلك العشق الذي طلق به وبلا رجعة مهنة تلميع الاحذية، ويدفعه ليحمل بندقية الشرف، ليدافع بكل تفان عن مبادئه وعن قضية شعبه العادلة.
الدكتور محمد يوسف نجم يرى بأن روايات السيرة الذاتية التي تستخدم فيه ضمير المتكلم، أو الوثائق، أو تيار الوعي، لا يستطيع كاتبها أن يدس أنفه، بل يترك للشخصية أن تنضو الحجب عن جورها بواسطة البوح، والاعتراف، وتداعي الأفكار.

ُحب الكتب وفلسفة عطار المدينة الحاج مسمار والتثقيف الذاتي!.

حول رواية كم بدت السماء قريبة، يقول الدكتور احمد موسى الخطيب في دراسته القيمة وفي محاولة لاستجلاءجمليات الرواية العصرية على مستوى التشكيل والرؤية، يستشهد بقول الناقد جورج ديهامل
-إن موسيقى الأسلوب شرط لازم لسيطرته على النفوس. نعم إن الروائي الحق هو الذي يعرف قبل كل شيء بعض أسرار الحياة، لكنه أيضاً رجل-يلجأ في التعبير عما يعلم إلى موسيقى لفظية كإمارة خفية لخصائص نفسه يستخدمها بطبيعته، فيتميز بها.وفي وصف مشوب لسرد الذاكرة ينقلنا الروائي الى واقع المدينةوالى ما قبل ربع قرن من الآن،فيسمعنا عبر الحوار الدائر بين احدى الطروحات التي لا يرى جدوى من ضياع العمر وراء مطالعة الكتب. وان الخبرة والمران في حرفة ما يكفيان للانسان ان يؤمن له عيشة المستقبل ، ففلسفة الحاج مسمارهنا في الوند والاسطورة لا تبتعد عن هذا الاطار، فهذا النموذج كان من الذين لا يشجع ولايستحسن ابدا مطالعة ايةكتب.وفلسفتة في الحياة بان من يملك كتبا كثيرة، يبقى لا يملك ثروة طائلة في حياته. البحث وراء الكتب ومطالعتها مآلها دائما هي البطالة وضيق اليد.والذين يكسبون قوتهم في ميادين العمل، تراهم دائما اصحاب كفاءة وخبرة جيدة ومطلعين على كل التقلبات الاقتصادية والتجارية في داخل المدينة والعالم، من الذين يفنون جل اعمارهم في البحث في بطون الكتب، وهم يخفون رؤوسهم طول الشهوركالنعامة بين الكتب، وهؤلاء على حد قول الحاج مسمار،لا يرون واقع الحياة العملية جيدا فتكون مانعتهم تلك الجبال من الكتب والمجلدات.وهذا الحاج كان يملك دكانا في سوق المدينة يبيع فيه المسامير وكان حديثة ايضا شبيهابالمسمار مع الناس. كان بعيدا عن اية مجاملة مع النّاس، ولا يحسن فن التضليل في المعاملة بعكس جيرانه اصحاب المحلات الأخرى وكانوا يحلفون في معملاتهم باغلظ الايمان من اجل ان يربحوا فلسين من الزبون.فهذا هو الحاج مسمار يضرب لنا مثلا من واقع حياة السوق الذي المّ بادق تفاصيله، بان الاسطة خالد مصلح الدرجات الهوائية جيرانه الذي افنى اربعة عقود من عمره في تصليح وشراء الدراجات، ومع كل هذه العبقرية في التصليح والخبرة الطويلة، انه لا يستطيع ان يقود الدراجة الهوائية. ومن تعلم الدراجة الهوائية، لا يستطيع تصليح الدراجة،ومن استطاع تصليح الدراجة،فلا يتعلم قيادة الدراجة بشكل صحيح.فينقلنا الراوئي وعبر هذه المعايشة اليومية مع الوقائع والاحداث المثيرة والعالقة بذاكرة طفولة،وتوظيفها المتقن في سياق الوعي الكلي لشخصيات الرواية، فتارة نجده يحاورهم من وراء ذلك الزمن الفاصل بمنشأ الموت او بفعل التهجير، او العيش مرغما في المنفى.وتارة اخرى يستنطقهم في الحلم وكانهم مستمرين في صنع الاحداث، وكانهم ما زالوا يعايشون ابناء المدينة في سعيهم نحو رسم مستقبل اكثر اشراقة من الذي خلفه لهم زمن الاحتلال، من خراب ودمار وعبث في ذاكرة المدينة.فروائي الوند والاسطورة لا يؤلف تلك الكم الهائل من السردية العذبة من فراغ.فيجد انسجاما متلاحما مع الانا المعذبة في مواقع التوجع لسيرة ضحايا مدينته الوند، والتي تعكس في ذات الوقت بعدا انسانيا لصرخة ومحنة الضمير في كل انحاء العالم، ولا نستغرب اذا اختلط شخصية الروائي في نقل الصورة الحقيقية لواقع لحظات الظلم والبؤس في المدينة مع شخصيات متن الرواية.وفي تداخلٍ في السرد، من حيث التحليل ورصد الظواهر السلبيةفي بعض العادات المتبعة في المدينة، ومقارنته مع التطور السريع وهجرة التقليد الاعمى قياسا مع تقدم المجتمعات المتمدنة في العالم المتحضر.وفي هذا التصور المتداخل بين انا الروائي وذات الشخصيات الفاعلة في بنية الحكايات الواردةمع قدرةالروائي في التعامل مع لغة شخصيات الرواية، فنتساءل هناكما تساءل.الناقدالدكتورصلاح فضل في كتابه القيّم نظرية البنائية في النقد الادبي،- من هوالراوي حقيقة؟ فمن هو خالق القصة هناك سلسلة من الاجابات المتعددة عن هذا السؤال، اقربها الى المألوف مايقوله الناس عادة من ان خالق القصة هو المؤلف.

العودة للتاريخ، وعدم المراوحة في رقعة الماضي.

في تعريفه لعناصر وظواهر الاثنوكيز اي العوامل التاريخية لتكوين الشعوب. يقول الاكاديمي الكردي رشاد ميران بان تاريخ البشرية عبارة عن عملية طويلة من التجمع والتراكم،الترتيب والتطور، التغيير والتحرك. وحسب هذا التوجه، فان التاريخ يشبه كائنا حيا واصيلا، ورغم اننا في عصرنا نسمع لآراء ومصطلحات كثيرة،مثل نهاية التاريخ او مرحلة ما بعد التاريخ على لسان الذين يعدّون التاريخ صراحة بـ صراع ومنافسة الاّ ان زوال تعددية الاقطاب والصراعات، يعني نهاية التاريخ.فالاحداث التاريخية التي مرت بسفر مدينة الوند، نجد لها حيوية تنبض بمقومات البناء بعد طي صفحات الدماروعدم الاستسلام لجبروت المحتلين،فكيف يكون هذا الماضي من قبيل العبروالاستنباط، ومن الدروس المفعمة بآيات الوفاء والتفاني للارض والشعب، وعدم الاكتفاء بالدوران حول محور واحد تحت نشوة الاساطيرالخيالية، والتغني بامجاد الامارات الحاكمة في زمن العولمة، وفي عصر تحرير الشعوب من مستبديها،ووحدة الخطاب في المحافل المعنية لكفالة الشعوب المضطهدة.وهذا هو فاضل كريم ينقل لنا مشهدا ’خراً من تاريخ المدينة بان القواعد هي اساس الزمن، ومن دون تلك القواعد المتينة لا يمكن ابداَ ان تستقيم الاشياء، فالابنية الشاهقة دون اساس متين لا يمكنها ان تتحمل تلك الطوابق الشاهقة وكذلك الحال في ناطحات السحاب. فالقواعد كلما كانت راسخة ومتينة تستطيع ان تقاوم بشدة عوادي الزمن.فخانقين من حيث قدم تاريخ بنائها الى ما قبل الف واربعمائة سنة.وهي مازالت صامدة رغم تعرضها عبر تاريخها العريق الكثيرلضربات من العواصف الهوجاء،والاعصار والتقلبات السياسية، وان الفياضانات المدمرة جرفت في الماضي نصف هذه المدينة. لقد بقيت صامدة في احتفاظها على هويتها الوطنية والقومية، رغم كل تهديدات الاعداء، وجعلت مقاومتها ان تتحطم روؤس محتليها بصخرة انهارها، وعودتهم القهقرى يجرون اذيال الهزيمة. والروائي فاضل ينقل لنا في الوند والاسطورة، وعلى لسان معلم مادة التاريخ في المدينة، بان المحتل البريطاني عند ترك خانقين خلف لنا من وراءه، مصفى الوند، وكيودي، ونفطخانة.و بلط كل شوارع المدينة،وترك لنا مسرحا ودارا للسينما، بينما جارنا المحتل لم يخلف لنا عبر العقود الثمانية من زمن اختلاله الطويل. غير الخراب وسرقته للذهب الاسود، وبرك عديدة من الدماء وتلال من الجماجم. ولقد ارغمنا هذا الجار الودود في بحر الثمانين سنة من حكمه اان نراوحَ في ربقة الماضي باسم الدين والاخوة. جردنا من كل شيء جميل في الحياة .فالمؤرخين المنصفين يرجعون عدم وصول الكورد لمرامهم القومية في الاستقلال الى خرق الاعداء لصفوف وحدتهم ،وحسب تفسير أحد المستشرقين بإن: «التشتت العشيري وسيادة الفكرة الإسلامية المنافسة للقومية لعبا دورًا فعالاً في الحيلولة دون تكوين الدولة الكردية .- الروح القومية الكردية ملحمة مم وزين عبدالرزاق بيمار. فهذا الذي حكم العباد باسم العترة المقدسة اراد ان يستحوذ على اراضي المدينة وقراها المفعمة بالخير والنماء. فعيب على الانسان ان يتنازل ولو شبرا عن ارضه، او يبيع شيئاً من تراثه مقابل حفنة من الدراهم، فهذا هو تاريخ الشخصية الوطنية، ولي اغا الباجلان الذي رفض بشموخه الكردي، والوفي لارضه، ان يرضخ للمال ويهاب من اعلى مركز للقرارفي ايام الملك الفيصل الاول ليتنازل عن مهد حضارة اجداده.رغم اغراءات المال وبالمناصب ، ورفضة القاطع من دماء اخوانه، من شهداء العقيدةوطريق الوحدة. فتاريخ صمود ابناء كردستان حاضره هو رهن بالماضي الناصع.والمحتل لكردستان هو نفس المحتل لبقية الاجزاء الاخرى.وصمودذلك الشباب الكردي من اجل مبادئه هو نفس صمود اخوانه في المعتقلات الأخرى ، وهذا هوالشهيد مجيد والملقب بغاندي لنزاهته وصموده امام اعداء شعبه. وهو يفضل ان يموت تحت التعذيب ولاينطق حرفاً واحداً من اسماء التنظيم السري لتحرير شعبه في كردستان .
في كتابه الاكراد وبلادهم كردستان بين سؤال وجواب،ويورد الاستاذ الدكتور زهير عبد الملك نموذجا آ خراًً في البطولة والصمود من تاريخ اعداء الانسانية:-بان كاتبا تركيا معارضا كتب في مذكراته قصة صمود شاب كردي امام معذبيه في الزنزانة،-اتذكر جيدا انهم جاؤا يوما الى الزنزانة المجاورة لزنزانتي بشاب كردي يبلغ حوالي العشرين من عمره، لقد زعموا انه قتل عدة ضباط اتراك عند اشتباكه مع القوات التركية. لقد عذبه رجال الدرك كثيرا ولعدة ايام الا انهم لم يحصلوا منه كلمة واحدة. وقد اصبح جسم هذا الشاب الكردي قطعة من الجروح المحروقة وتفشت فيه الديدان بكثرة. وكان الشاب الجريء هذا يعض على اسنانه من شدة الالم، وقد كافح الموت بعزيمة متناهية حيث كان يكرر بدون انقطاع كلمة واحدة: انتقام … انتقام-.وعلى حد قول العلامة الراحل هادي العلوي،-كلما اضطربت الدنيا،اقترب المظلومون من نيل رغائبهم فاذا استقرت وسكنت دام ظلمهم، ان دولةكردستان ستكون عامل اثارة ضد الاستقرار الامبريالي. وهو السبب يجعل الغربيين يتفقون على منع اقامتها، والاكتفاء بتزويد الاكراد ببعض المعونات الغذائية.فالعرب والاتراك والفرس يضطهدون الاكراد، ويحتلون بلادهم، والشعوب تشارك في الاضطهاد، ويرفض النظر اليهم كاقليم مختلف، وقابل للانفصال. العرب يعتبرون الاكراد عربا، والاتراك يعتبرون الاكراد اتراك، والفرس يعتبرونهم فرس. وحتى الذين يؤيدون القضية الكردية في هذه الشعوب لا ينظرون اليها كقضية امة مجزأة ومحرومة من وطنها القومي، بل ينطلقون من كونها قضية اقلية قومية، يدافعون عن حقوقها ضمن دولتهم-.فنجد في سياحتنا الممتعة لرواية الوند والاسطورة، امام ذلك الخيال الخصب، وفي مواجهة التاريخ ،وندم المذنبين على كرسي الاعتراف، ومثل هذه الروايات التي تجمع ما بين السيرة الذاتية لقصة مدينة في الاصرار. وبين يوميات عاشق لطريق الحرية وبين بطولات وادوار اجيال صنعوا لنا التاريخ، وعبروا من بوابة الذاكرة. لكي لا نكتفي في رسم المستقبل بالماضي.فالروائي وكما ذكره الناقد القدير نوزاد حسن في بحثه منطقة الروائي، بانه لايركب مجموعة من الصور يقوم بسردها من خلال يقظة عاجزة ولغة غير موحية. بل يتلقى من خلفية كيان شعوره الذي يتسم بعراقة مزج الصور والحوار وكل تقنياته الروائية. دائما ما تتحدد نظرة الروائي الى الاشياء بشيء ما يشبه النزيف الداخلي الذي يجعل اعماق الفنان تضطرب بايماءات يفك رموزها هو بطريقة يبدو فيها الواقع واقعا اخر.فرواية الوند والاسطورة مشبعة بالصور المعبرة للعشق الازلي،وعلى حد قول الناقد فاضل العزاوي في توطئته لرواية زهدي الداوودي زمن الهروب،انها رواية عن ناس من لحم ودم، طبيعيين وفطريين في كل مايفعلونه مكتوبة بكثير من المرح والفكاهة ايضابدون تعصب او مبالغة. فرواية الوند والاسطورة تشترك في الكثير من صور احداثها ومعاناة ابطالها نفس البيئة الكردية المذبوحة بالقهر الاجتماعي،فالروائي يحتاج في منجزه المشغول بالارهاق والتعب، الى تلك المناطق في ذاكرته واعماقه كي يستجمع سلسلة من مراحل تاريخه وتاريخ ابطاله،من دون سرد فج ،او استرسال خال من الحس الفني،او لحظة قراءة الحدث كفاصل زمني عابر. ويقول الناقد نوزاد حسن،في نفس السياق بان الروائي يحتاج الى منطقة في اعماقه تربط بين كل لحظات حياته غيره دون ان يشعر ان هناك امتيازا لحياة، دون حياة او لمكان على اخر ،او لحدث على حدث، ويتحول عمق التاريخ وما سيأتي في سماء تلك المنطقة الى شيء مألوف بالنسبة اليه.فاكثر الحكايات المنقولة على لسان ابطالها، فهي من جوانبها الآخرى مجموعة من اجمل و ادق لحظات حياته. فتتناظر كليا مع ايام الوند والاسطورة، اذا اعتبرنا الوظيفة المؤداة باعتبارها -الحدث الذي تقوم به شخصية ما من حيث دلالته في التطور العام للحكاية – المحور الوظيفي في دراسة الحكايات د صلاح فضل نظرية البنائية في النقد الادبي.

وقبل ان اختتم قراءتي المتواضعة لرواية الوند والاسطورة. اعود ثانية مع النفس التواقة لحنين الطفولة ولهدير صوت الوند في اماسي الشتاء، اقول للروائي فاضل المتمكن أخاذةٌ هذه المعزوفة الثنائية لحب خانقين،وطيّبة نكهة الماضي في ايام ذكريات الطفولة. فينشرح دون مواربة او تكليف قلب القاريء في اول صفحة لها من حيث لغتها السلسة، والمبسطة من دون ابتذال في اختيار الكلمات او حشو في ثنايا سرد الاحداث، فكل صفحة فيها زاخرة بالامثال الشعبية، والحكم الكردية الماثورة، مع موائمتها بشكل مناسب مع زمن الاحداث. والاكتفاء الحاذق في بعض مشاهدها ببعض الجمل البرقية مخافة الاطناب في وصف الحكايات الجميلة. وتوافق متزن في نقل الاحداث المثيرة للانتباه في هارمونية مرتبة. يلمس القاريء لايام عديدة في الوند والاسطورة دفء مستديم لللماضي من حيث اكتمال المشهد في الازقة، والقرى، وفي ايام كفاح الجبل. وكانهم للتو غادروا هذا المكان الدافيء، وامتطوا للتو صهوة زمن ايام العز في الوند، ليغادروه في سفر قصيربلا عودة. فهذا يتسلق في لحظة شروده قمم الفكر، وذاك لم يزل في فضاء التامل يرتب حقائب عودته القريبة رغم طول لمس الرحيل وفرص العيش الرغيد. نجده في مواقع ساخنة من الحرقة والالم، تؤرق فيها العين بالسهاد، يرّف لها جناح العودة للتحليق المبكر كطائر غريب. لوطنه ولامه ولونده ولايام العيد، ولساعات لقائه مع ابناء الوند في كرنفال باوه محمود.، اهوذا فاضل رأيته مع اسراب القطا، وطيور السنونو يترنم في عليائه للبساتين المتعطشة، وحرقة الأرض لخرير الوند، ولمذابح الغرباء المدّججين عندما ياتي الليل لينحروا في الظّلام ابناء الوطن..اعود انا ،رغم انف التعريب، اعود لمدينتي، واعود لاحبتي.واردد في سري وجع تلك الكلمات الموروثة في الذات، واشهق في خلوتي ابيات لمولانا الشاعر احمد الخاني كيف اشتكى هو الآخر زمن الغدر، وكيف عاتب من ساقي الحظوظ قدر الكورد.
أيها الساقي ! بالله عليك صب جرعة في كأس جمشيد
حتى تُظهر الكأس لنا العالم وتكشف لنا ما نريده
لنطلع على حالنا ونرى هل تكون أيامنا المقبلة ميسرة؟
فقد بلغ أدبارنا غاية الكمال، وهل آن الأوان لتزول تعاستنا؟
أم نبقى على حالنا إلى النهاية؟!
أمن الممكن أن يطلع في هذا الفلك الدوّار كوكبنا؟
ويصادقنا الحظ ويستيقظ مرة من نومه
حتى يظهر لنا مسندٌ وملك يقدّر فننا
ويقدر نتاج أقلامنا.. ويعالج أدواءنا ويروج علمنا
لو كان لنا ثمة مرشد كريم بليغ
لأصبح نقدنا مسكوكًا رائجًا،
ومع أن نقدنا خالص سليم، لكنه بدون قيمة إذا لم يسكه ملك
ولو كان لنا ملك وضع الله على رأسه التاج
ويؤسس له عرش لنهض حظنا واستقام،
ولكان صاحب التاج يعنى بنا
نحن اليتامى، ولحررنا من براثن اللئام
لم يكن يغلب علينا هذا الروم
وما أصبحت ديارنا مرتعًا لنعيب البوم
ولم نكن محكومين وصعاليك مغلوبين
مطيعين لأوامر الأتراك والطاجيك
لكن هكذا كانت إرادة الله من الأزل
سلط علينا الروم والعجم.
ومع أن الإذعان لهم عار
لكن العار يسم جباه المشاهير من الحكام والأمراء
وما ذنب الشعراء والفقراء؟!. الروح القومية الكردية ملحمة مم وزين مقال للاديب الكردي عبد الرزاق بيمار.
وهذا العمل الجديد للروائي فاضل كريم احمد، سيكون خير شاهد في توثيق تلك الاحداث التي طوتها مرارة الزمان. وان متلقي الراوية اذا كان من دائرة تلك الاحداث، سيشعر حتما بنوبة حزن شفيف. لانها تسترجع فيها للوعي الغائب صور وحكايات، لشخصيات لعبوا دورهم في صنع امجاد المدينة. ويشعرحتما بكمٍ من الانشراح، لانه وعبر صفحاته سيلتقي ربما باحدهم، وعبر صورته القديمة يقتفي اثر من افتقدهم، ليعيدمعهم ثانية جانبا من تلك الحكايات الطريفة، مستوقفاً خاطرته المحلّقة في احدى محطاته المضيئة في اجمل لحظات الماضي العابرة. فالرواية تعد في تصوري خطوة متقدمة في كتابة رواية السيرة الذاتية، وتنم عن مقدرة ابداعية من حيث اداء الكاتب لعناصر الرواية الفنية في الادب الروائي الكردي،وامتلاكه لادوات الكتابة من حيث الاسلوب، واللغة والاداء. مع تفوقه في توصيل خطاب الحدث في الحياة العملية بعيدا عن مؤثرات النشاز في تصاعد توتر الحدث،ومع استقامة القول في الاشارة الى مكمن خلل بسيط، عند حشره في نهاية الوند والاسطورة لصور غير مهمة في تاريخ المدينة من حيث الادوار الفعلية في صنع الاحداث، والاكتفاء بتخطيط لبعض الوجوه الفاعلةو المعروفة بين فصول الرواية بدل تلك الصور الفوتوغرافية المنشورة. وفي تقديري لاضفت على الرواية بعدا جماليا مكملاً على دور تلك الاسماء المذكورة في متن الرواية، مع الاخذ في الاعتبار في اعطاء فضاء واسع للرواية من حيث غياب الفصول المقسمة . او الاكتفاء فقط بكتابة عناوين بارزة من حيث سهولة انتقال القاريء من حكاية للاخرى.وتاكيدنا مرة اخرى على مقدرة فاضل كريم في عمله الفني الابداعي في ضفاف الوند والاسطورة.انه عمل استحق بجدارة اشغال المخيلة،في اطار عالم الرواية الكردية.

المراجع:-

– الوند والاسطورة رواية –فاضل كريم احمد ماموستا جعفر سليمانية 2004 مطبعة وزارة الثقافة.
– الخبز الحافي – محمد شكري – رواية- طنجة 1982.
– نظرية البنائية في النقد الادبي د صلاح فضل- مكتبة الاسرة 2003 مطابع الهيئة المصرية للكتاب القاهرة.
– وطن آخر للقاصة بثينة الناصري دار سينا القاهرة 1994.
– مجلة حجلنامة العدد 5-6 2002 فصلية تعني بشؤون الثقافة الكردية السويد باشراف الاديب محمد عفيف الحسيني.
– الاكراد وبلادهم كردستان بين سؤال وجواب- د زهير عبد الملك –دار آبيك السويد 1999.
– زمن الهروب رواية للروائي زهدي الداوودي المؤسسة العربية للنشر بيروت 1998.
– منطقة الروائي للناقد نوزاد حسن المنشور في جريدة المؤتمرع 835 2005 .
– الروح القومية الكردية – ملحمة مم وزين الاديب عبد الرزاق بيمار موقع kurdistan dail news.
– كم بدت السماء قريبة مقاربة عصرية – د احمد موسى الخطيب – جامعة البتراء قسم اللغة العربية 1999.
– فن الراوية – ميلان كونديرا – ترجمة بدرالدين عردوكي 2001 .
مناقشة رواية ربيع حار لسحر خليفة مآخذ على الرواية وشحصياتها ولغتها للناقد عباس دويكات .

المصدر:KRG.org