لمراسلتنا أرسل الى صديق أضف الى المفضلة اجعلنا صفحتك الرئيسية
الرئيسية
English Articles
اللغة
التاريخ
الآثار والتنقيبات
مدن كوردية
ثقافة
التراث
شخصيات كوردية
بيستون
الجمعية النسوية للكورد
جمعية الكورد الفيلية
من نحن
مقالات
الملف الشهري
مقالات كردية
اخبار كوردستانية
نشاطات الفيلية
المرأة والأسرة
ملتقى الغائبين
شؤون كوردستانية
دراسات
مكتبة كلكامش
 
 
أخر تحديث: 19/01/2015  -  11:06:50 AM
الرئيسية
أينما يرتقي الوعي الاجتماعي تنتفض الشعوب ضد مستبديها!!!
قراءة في كتاب ؛غُصن مُطعَّم في شجرة غَريبة؛ (سيرة ذاتية)للدكتور صلاح نيازي
هل يحق للشعب التفاؤل أم ما يزال العراق يواجهالمربع الأول؟
خلوة مع النفس إزاء الوضع الراهن بالعراق
الكارثة المحدقة ... كيف يواجهها الشعب؟
الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الراهن في العراق
اشتكى المالكي من الطائفية.. والشكوى لله!!
لمحات من عراق القرن العشرين
تحريم تشكيل الميليشيات المسلحة لمواجهة القوات المسلحة العراقية
جلال ذياب ضحية النضال في سبيل الحرية والمساواة
محنة الكورد الفيلية في العراق
البرفسور كاظم حبيب
تعددت الدراسات التي تبحث في أصل الأكراد الفيلية وأصل التسمية ومعناها, وكذلك حول المناطق التي عاشوا فيها منذ القدم أو ما زالوا يعيشون فيها حتى الوقت الحاضر. وليس هناك ما يبرر تكرار ما توصل إليه الباحثون المستشرقون وغيرهم من الباحثين من الكرد والفرس وبعض العرب وغيرهم في هذا الصدد, إذ يمكن العودة إلى كتاباتهم. ويقدم كتاب "الفيليون" لصاحبه الراحل السيد نجم سلمان مهدي الفيلي ومراجعة الأستاذ جرجيس فتح الله شرحاً وافياً لهذه المسألة, كما يبحث بشكل تفصيلي في القبائل الكردية الفيلية في مناطقهم الكردية في كل من العراق وإيران[1]. ويستند في ذلك إلى عدد كبير من الباحثين القدامى والجدد.

يشكل الأكراد الفيليون في العراق جزء من الشعب الكردي في العراق, كما أنهم وبقية الأكراد في مناطق كردستان الأخرى يشكلون الأمة الكردية في كردستان الكبرى. وهم كباقي بنات وأبناء الشعب الكردي ينتمون إلى قبائل كثيرة تداخلت في ما بينها على امتداد القرون الطويلة المنصرمة وتشكلت منها هذه الشريحة الكردية الفيلية الموزعة من الناحيتين الجغرافية والسياسية على الدولتين العراقية والإيرانية.

عاش الأكراد الفيلية في مناطق سكناهم المعروفة تحت وطأة صراعات ونزاعات مستمرة بين الدولة الفارسية والدولة العثمانية, بعد سقوط الدولة العباسية ونشوء الدولة العثمانية وبدء محاولات توسعها الإقليمي نحو الشرق, تماماً كما كانت ساحات بقية أجزاء كردستان الحالية عرضة لمثل هذا الصراع والحروب وتحمل الكثير من الخسائر البشرية والمادية. وبرز من بين الأكراد الفيلية حكام قادوا منطقتهم وتوسعوا في الأراضي المجاورة لهم وخاضوا المعارك دفاعاً عن منطقتهم وشعبهم. وتمتلك هذه الشريحة الفيلية من الشعب الكردي موروثاً شعبياً غزيراً مكتوباً ومحفوظاً في الصدر يتم تداوله ويعبر عن الأوضاع التي مرّ بها الفيليون والحياة التي عاشوها والطموحات التي كانت وما تزال ترافق حياتهم اليومية. وهي لا تختلف في ذلك عن أوضاع وحياة وطموحات الشعب الكردي في العراق والأمة الكردية في بقية أجزاء كردستان.

كانت مطامع الدولتين الفارسية والعثمانية في الأرض التي يعيش عليها الكرد عموماً قد حرمتهم من إقامة دولتهم, كما حرمت عرب المنطقة بعد سقوط الدولة العباسية من إقامة دولتهم, إذا عانوا من الهيمنة العثمانية مرة والفارسية في مرة أخرى. ومنذ عام 1639م بذلت بعض الجهود لوضع حد للحرب بين الدولتين على هذه المنطقة المتنازع من خلال عقد اتفاقية لا لمنح هذه المنطقة حريتها, بل من أجل تقسيمها بين الدولتين. وبعد مرور ما يقرب من ثلاثة قرون, أي في عام 1929 تم التوقيع على اتفاقية قصر شيرين (زهاب) بين الحكومة العراقية, باعتبارها الوارثة للخلاف مع الدولة الفارسية من الدولة العثمانية, تم بموجبه تقسيم المنطقة بينهما, تماماً كما أقرت عصبة الأمم تقسيم كردستان كلها بين دول المنطقة حين ألحقت ولاية الموصل بالعراق وتركت بقية أجزاء كردستان خاضعة للدول الأخرى. والغريب بالأمر أن حكام المنطقة لم يعمدوا إلى استشارة الأكراد الفيلية حول ما يريدونه لهم, بل فرضت الاتفاقية عليهم, كما فرض التقسيم الأكبر لكردستان قبل وخلال سني الحرب العالمية الأول وما بعدها. والغريب بالأمر أن الحكام العراقيين من العرب بذلوا أقصى الجهود ومارسوا كل السبل غير المشروعة من أجل اعتبار الكرد الفيلية من غير سكان المنطقة التي وضعت ضمن الحدود العراقية واعتبارهم من التبعية الإيرانية, مما جلبوا لهذه الشريحة الواسعة من الشعب الكردي المزيد من العذابات والآلام النفسية والجسدية وكذلك المزيد من التضحيات البشرية, رغم أنهم كانوا يدركون تماماً بأن الأكراد الفيلية أقدم في وجودهم في المنطقة من العرب الذين جاءوا إليها مع الإسلام فاتحين ومغتصبين لتلك الأرض. وإذ أصبح العرب المقيمون في العراق جزء من سكانه منذ الفتح الإسلامي, فلا يحق لهم حرمان بقية شعوب المنطقة من أرضهم واعتبارهم أجانب فيها, كما حصل في قانون الجنسية العراقية منذ عام 1924.

والتاريخ ما زال شاهداً على وجود الأكراد في هذه المنطقة قبل الفتح الإسلامي, وأصبحوا جزء من الدولة الأموية, وبعد سقوطها جزء من الدولة العباسية التي امتدت حدودها إلى ما وراء فارس وشملت المنطقة الكردية بأسرها. وفي فترات مختلفة, سواء قبل الفتح الإسلامي أم بعد سقوط الدولة العباسية أصبحت أقسام من كردستان, ومنها مناطق الكرد الفيلية جزء من الدولة الفارسية, مع وجود إمارات في كردستان وحكام من أبناء الكرد الفيلية يحكمون في مناطقهم.

أما اليوم فمناطق الكرد الفيلية, التي تشكل جزء من كردستان, فموزعة بين الدولة الإيرانية والدولة العراقية وفق اتفاقية عام 1929. وكانت حركة الأكراد الفيلية في منطقتهم الممتدة بين الدولتين العثمانية والفارسية طبيعية, خاصة وأن نسبة عالية من السكان الكرد الفيلية كانوا من القبائل الرحل ونسبة أخرى تعتمد الزراعة المستقرة في عيشها. وكانت نسبة الحضر القاطنين في المدن الكردية قليلة إلى مجموع الأكراد الفيلية. حتى بعد عقد اتفاقية قصر شيرين التي رسمت الحدود الحالية بين العراق وإيران كانت حركة انتقال الأكراد الفيلية بين مناطقهم المقسمة طبيعية ولا تخضع لتعقيدات كبيرة, وخاصة بالنسبة للرعاة أو القبائل الرحل. وكان العراق مفتوحاً لهم بسبب كون بعض مناطقهم أصبحت جزء منه. ولم يكن هناك ما يفرض عليهم التحري عن هوية معينة يتمسكون بها, فهم أكراد فيليون عراقيون حيث يعيشون في العراق, وهم في وطنهم, كما أن هناك أكراد فيليين إيرانيين حيث تدخل منطقتهم في حدود الدولة الإيرانية, وهم في وطنهم إيران. وهم من حيث المبدأ والواقع يشكلون جزء من الأمة الكردية, والأرض التي يعيشون فيها جزء من كردستان. وكان هذا الإحساس بالمواطنة العراقية الإيرانية هي التي منعت الكثيرين من الأكراد الفيلية الامتناع عن تقديم طلبات لتسلم الجنسية العراقية, بسبب اعتبارهم ذلك أمرا مفروغاً منه.

عاش الأكراد الفيلية في العراق موزعين على مدن كثيرة بحكم كونهم يشكلون جزء من الشعب العراقي, بكل قومياته وأديانه وطوائفه. فهم في بغداد والبصرة والعمارة وكربلاء والنجف والكوفة وديالى والكوت, وكذلك في بدرة وجصان وزرباطية وخانقين ومندلي والسليمانية وأربيل ودهوك وكركوك وغيرها من مدن كردستان العراق. ولم يكن يميز المواطن العراقي الاعتيادي بين الأكراد الفيلية وبقية العراقيين, إذ كانوا ومنذ قرون يشكلون جزء من نسيج سكان هذه المنطقة التي كانت وطناً للجميع, يشاركون في أفراحهم وأتراحهم المشتركة, كما يساهمون بحيوية عالية في نضالاتهم. وأصبح هذا الشعور أكثر قوة مع تشكيل الدولة العراقية, باعتبارهم جزء من شعب العراق الحديث. وقدموا على طريق نضال هذا الشعب الكثير من التضحيات الجسام. وشارك الأكراد الفيليون في ثورة العشرين ولعبوا دوراً مهماً في منطقة خانقين وقصر شيرين ضد القوات البريطانية المعسكرة في تلك المنطقة. فقد ذكر تشمال مهام شيرة في مقابلة صحفية في عام 1955, كما جاء في كتاب للدكتور هادي ملك حول الأكراد الفيلية لم ينشر بعد, حول مشاركة الأكراد الفيلية في ثورة العشرين ما يلي: "بدأنا منذ عام 1917 والسنوات التي تلتها وبشكل خاص في صيف عام 1920, بدأنا تحت قيادة تشمال حاجي فيلمرز وابن أخته ملك, باعتبارهم رؤساء عشيرة آل خميس, مع عشيرة رسول وند بقيادة حسن عزيز وعشيرة قيتول وند بقيادة تشمال حاج صفر, بخوض حرب أنصار ضد الإنكليز في منطقة قصر شيرين وخانقين دامت عدة أشهر من عام 1920. فعندما بدأ أخوتنا في الجنوب الانتفاضة ضد الإنكليز, تسلمنا نحن خبراً عبر السيد محمد (الذي أصبح فيما بعد إمام جامع الخلاني في بغداد), بضرورة قيامنا بهجمات على مواقع القوات البريطانية في منطقة خانقين و نفطخانة التي كنا ندخل في بعض الأحيان في العمق حتى بعقوبة. فعندما أغمض عيني أحياناً أرى صورة تلك الأحداث مجسدة أمام ناظري. لقد أنزلنا بالأعداء ضربات قاسية. وتوجهت تلك الضربات بشكل خاص ضد شركة النفط انكلو-إيرانية في منطقة نفطخانة, إذ أنها كانت منطقة تحت حراسة القوات البريطانية التي كان يقودها الكابتن مور. لقد كنا نقوم بهجمات سريعة ببنادق "مارتن هنري". وفي ساعات الخطر كنا ننسحب إلى الجبال. وكان هدفنا في الرماية تلك الرؤوس التي كانت تحمل قبعة إنكليزية أو عمامة سوداء لمجند هندي. وغالباً ما كنا نصيب الهدف. وغالباً ما كنا نوجه نيراننا إلى أولئك الذين يرتدون ملابس الخاكي, إذ كنا نعتبرهم وبشكل أعمى وبشكل ميكانيكي على أنهم من الجنود البريطانيين أو الهنود, علماً بأن غالبية المجندين في القوات البريطانية كانت من الهنود. وكنا نحصل على المواد الغذائية الضرورية من أخوتنا العشائر في زرباطية وبدرة وملك شاه, وليس أخيراً من أخوتنا في منطقة قصر شيرين ومن عشائر بعيدة عنا نسبياً مثل عشيرة علي شيروان بايرايو بشكل خاص من منطقة اركواز. كما حصلنا على دعم معنوي ومتطوعين منهم. ولعدة مرات استطعنا تعطيل سكك الحديد بعقوبة - خانقين. في خريف عام 1920 أشعلنا النيران في القاعدة العسكرية في خانقين. وبعد كفاح مرير أجبرنا على الانسحاب. إذ فوجئنا بحصار فرضته علينا القوات البريطانية القادمة من كرمنشاه. كان الإنكليز يمتلكون قاعدة عسكرية في إيران البلد المجاور, وكانت هذه القاعدة تمدهم بالمساعدات. وبسبب هذا الحصار والمقاومة قتل وجرح لنا 35 مناضلاً من مجموع 110 مقاتلاً, رغم أننا كنا نخوض حرب أنصار تتمتع بقدرة على الحركة السريعة عند القيام بعملياتنا الأنصارية والانسحاب بعدها إلى المناطق الجبلية. ولكن أجبرنا على إيقاف حرب الأنصار بعد أن وقعت خيانة من جانب بعض الجماعات التي كانت تعمل في صفوفنا (عشيرة كلهور). وقعت الخيانة بأمل الحصول على نقود وأسلحة وأرض تعود لنا بعد التحاقهم بالقوات البريطانية. إن مثل هذه النضالات الأنصارية كانت قد حصلت أيضاً في مناطق أخرى في وسط وجنوب عراق اليوم, ووفق المعلومات التي لدي مشاركة الأكراد في معارك عام 1915 في كوت العمارة, حيث شارك الأكراد والعرب, الشيعة والسنة سوية في هذه المعارك ضد الإنكليز. لقد عملنا معاً وعشنا معاً وناضلنا سوية. وهناك الكثير من الوثائق والأحداث التاريخية التي تؤكد ذلك بالنسبة لأولئك الذين, بغض النظر عن السبب القومي الذي يكمن وراء ذلك, ينكرون هذه الحقيقة. لقد ساهمنا, نحن الأكراد, بقصد غير قليل ليس في مجال بناء الاقتصاد وفي المجالات الثقافية والسياسية فحسب, بل وكذلك في بناء الدولة العراقية الجديدة"[2].

عانى الأكراد الفيليون من حكام العراق الملكي الاضطهاد وتعرضوا لتمييز السلطة في التعامل اليومي وواجهوا أحياناً التسفير القسري الظالم إلى إيران لمن لم يكن مرغوباً في استمرار وجوده في العراق. وكان أغلب المسفرين من العاملين في الحقل السياسي والمناهضين لسياسات النظام الملكي حينذاك, وخاصة من أعضاء الحزب الشيوعي العراقي والحزب الديمقراطي الكردستاني[3]. ولكن هذه السياسة كانت محدودة الأثر على الجمهرة الواسعة من الأكراد الفيلية. وهي ذات المعاملة التي مارسها النظام إزاء الشعب الكردي عموماً. وفي فترة العهد الملكي شارك الأكراد الفيلية في الحياة الاقتصادية, وخاصة في قطاعي التجارة والخدمات, إضافة إلى بدء البعض منهم في استثمار رؤوس أمواله في قطاع الصناعة الوطنية. واستطاعت مجموعة من الأكراد الفيلية أخذ مواقع مهمة في القطاع التجاري الداخلي وأسواق بغداد بشكل خاص بعد ترحيل الغالبية العظمى من المواطنين اليهود قسراً إلى إسرائيل, إذ أن نسبة عالية منهم لم تكن تريد الهجرة وكانت راغبة جداً في البقاء في العراق, رغم ما تعرضوا له من تمييز واضطهاد بالغين من جانب الحكام وبعض القوى السياسية القومية العراقية.
توزع الأكراد الفيلية من الناحية الاجتماعية على مختلف الفئات والطبقات, فمنهم من ينتمي إلى فئة أصحاب رؤوس الأموال, وهم مجموعة صغيرة, كما هو حال هذه الفئة في المجتمع العراقي عموماً, ومنهم الكسبة والحرفيين والفلاحين والعمال والكادحين العاملين في مختلف خدمات النقل والخزن. وهذه الفئات تشكل الغالبية العظمى من الأكراد الفيلية في العراق. إضافة إلى وجود مجموعة غير قليلة من أبرز المثقفين المندمجة اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً ببقية مثقفي العراق.

رحب الأكراد الفيليون بثورة الرابع عشر من تموز عام 1958, إذ أنهم من القوى الاجتماعية التي ساهمت في النضال من أجل الخلاص من الحكم الملكي, بغض النظر عن الأحزاب السياسية التي انتسبوا إليها, إذ كان منهم من أنتسب للحزب الشيوعي العراقي, ومنهم من انتسب للحزب الديمقراطي الكردي, ثم أن بعضهم كان يعمل في صفوف الحزب الوطني الديمقراطي. وبعضهم الآخر عمل في أحزاب أخرى في فترات مختلفة ومنها حزب التحرر الوطني وحزب الأحرار وحزب الشعب. وكان بعضهم قد عمل في الحزبين الحاكمين اللذين تناوبا على حكم العراق خلال فترة طويلة, رغم أن الحزبين قد تشكلا في فترة متأخرة, ولكنهما كانا يعملان كتيارين سياسيين لصالح الحكم الملكي القائم حينذاك وإلى جانب سياسات الدولة البريطانية في العراق, وهما الحزب الدستوري الذي كان يقوده نوري السعيد, وكان بعضهم الآخر يعمل في أو مع حزب الأمة الاشتراكي الذي كان يقوده صالح جبر. وبرزت منهم شخصيات وطنية مرموقة, سواء من أولئك الذين عملوا في تلك الأحزاب أم ممن بقى مستقلاً عنها وشارك بحيوية في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وفي المجالات الرياضية والأدبية والفنية وغيرها.

كان تعامل قائد ثورة الرابع عشر من تموز 1958 مع الأكراد الفيلية إيجابياً وواعياً لمكانتهم الاجتماعية الطيبة في المجتمع ووجودهم الذي يمتد في تاريخ العراق القديم, ودورهم السياسي النضالي ضد الحكم الملكي ومعاناتهم من ذلك النظام. ولذلك اختلفت مواقفه تماماً عن مواقف وسلوك الحكام قبل ذاك أو بعد سقوط حكم عبد الكريم قاسم, رغم أن الكثيرين منهم قد تعرضوا للاضطهاد والاعتقال والتعذيب أو حتى التسفير من قبل أجهزة الحكم في عهد قاسم بسبب عملهم في الأحزاب السياسية الوطنية التي ناهضت سياسة قاسم العسكرية الفردية وضد الديمقراطية أو الحرب التي شنها ضد الشعب الكردي في كردستان العراق. إذن علينا أن لا ننسى بأن الكثيرين ممن كانوا يعملون في أجهزة الأمن والمخابرات العسكرية أو في الجيش العراقي كانوا في عهد قاسم من القوى القومية الشوفينية التي كانت لها مواقف مناهضة للأكراد الفيلية ولوجودهم في العراق.

بدأ قاسم بممارسة سياسة عقلانية إزاء المجتمع. وخلال هذه الفترة التقى وفد من الأكراد الفيلية بعبد الكريم قاسم مهنئاً له بمناسبة الأول من ربيع الآخر 1378 هجرية 14/10/1958 م. وأثناء الحديث أشار قاسم إلى حقيقة مهمة, ربما لم يكن يعرفها الكثيرون حينذاك, إذ قال ما يلي حول موطن الأكراد في العراق: "إن المناطق التي تبدأ من الضفاف الشرقية لنهر دجلة هي موطن الأكراد الفيلية منذ القدم"[4]. وكان لهذا القول السليم وقع حسن على مسامع الأكراد الفيلية ويعبر عن مضامين جيدة لصالحهم. ولهذا أيضاً حظا قائد ثورة تموز عبد الكريم قاسم بحب وتأييد الأكراد الفيلية. ومع أنهم وقفوا بحزم ضد حربه ضد الشعب الكردي باعتبارهم جزء من هذا الشعب وضد سياساته الاستبدادية الفردية وناضلوا من أجل الديمقراطية للعراق وتعرضوا بسبب ذلك للمضايقات والاعتقال والتعذيب, هبوا دفاعا عن الثورة وعن عبد الكريم قاسم بالذات, حينما قامت المجموعات القومية والبعثية بانقلابهم المشؤوم في الثامن من شباط عام 1963 والذي أدى إسقاط واغتيال قاسم وكثرة من رفاق دربه, إذ تحول حي الأكراد ببغداد إلى قلعة نضالية مسلحة ضد حكم الانقلابيين. ولهذا السبب أيضاً تعرض الحي إلى هجوم كاسح وتخريب واسع من جاب قوات الانقلابيين وتعرض الأكراد الفيلية إلى الاعتقال والسجن والتشريد والقتل من جانب البعثيين والقوميين الذين استولوا على السلطة وحكموا العراق بالحديد والنار. كما أجبر الكثير منهم على ترك البلاد والهجرة إلى إيران ومنها إلى بلدان أخرى. وها هو الشعب في عراق اليوم يعاني من جراء تلك السياسات الفردية التي مارسها عبد الكريم قاسم ومن جراء الانقلاب الدموي الذي أنهى الجمهورية الأولى, إضافة إلى السياسات الصبيانية وضعف الوعي السياسي والديمقراطي للقوى السياسية العراقية المختلفة حينذاك.

برزت الإشكالية الكبرى إزاء الأكراد الفيلية في فترة حكم البعث. إذ عاد النظام إلى التعامل معهم على أساس الجنسية (أ) و(ب) والتمييز بين من اعتبروا تبعية عثمانية (أ) أو تبعية أجنبية (ب) سواء كانت فارسية أم أفغانية هندية أم غيرها. فمن له تبعية عثمانية يعتبر عراقي أصيل, ومن له تبعيات أخرى, وبشكل خاص التبعية الفارسية فيعتبر أجنبي أو غير عراقي. وبالتالي وضع النظام قاعدة وسابقة خطيرة للتمييز بين العراقيين, أي بين من هم من تبعية عثمانية باعتبارهم من مواطني الدرجة الأولى, وبين من هم من تبعيات أخرى رغم عراقيتهم المؤكدة, باعتبارهم من مواطني الدرجة الثانية[5]. ورغم ذلك لم يمارس النظام الملكي إسقاط الجنسية عن العراقيين بسبب كونهم ممن هم من الجنسية (أ) أو من الجنسية (ب), ولكنه مارس إسقاط الجنسية العراقية لأسباب سياسية مجحفة. وكان وضع مثل هذه الصيغة في قانون الجنسية العراقية الأول رقم 42 لسنة 1924 يعتبر من حيث المبدأ تمييزاً شوفينياً وطائفياً مسيئاً لوحدة وحقوق المواطنة, وبالتالي أرسى النظام الملكي وسلطات الانتداب البريطاني الأساس المادي للتعامل التمييزي غير الإنساني مع العراقيين من أكراد وعرب عند اعتبارهم من التبعية الإيرانية أو غيرها. ولم يعمد الحكم الملكي إلى تغيير أو تعديل بنود هذا القانون بما يساعد على إزالة هذا الحيف والتمييز غير العقلاني إزاء مجموعة كبيرة من العراقيات والعراقيين, بل أجرى بعض التعديلات التي أباحت وأعطت "الشرعية القانونية" للحكم بإسقاط الجنسية العراقية عن السياسيين, وخاصة الشيوعيين, باعتبارهم "حملة مبادئ هدامة ويخدمون جهات أجنبية"! أما الجماعات القومية والبعثية التي انتزعت الحكم في انقلاب عام 1963, ثم النظم التالية ذات الطبيعة المماثلة فكرياً وسياسياً, فقد بدأت بإصدار القوانين والقرارات والتعليمات الكثيرة محددة صيغ التعامل مع الجنسية وحق المواطنة العراقية, بما ساهم في تشديد هذه المشكلة وفي ممارسة التمييز الصارخ وإنزال أفظع الإجحاف بحق المواطنات والمواطنين العراقيين. فبعد انقلاب شباط/فبراير 1963 صدر قانون الجنسية رقم 43 لسنة 1963, ثم صدر القانون رقم 206 لسنة 1964 بعد انقلاب القوميين على حكم البعث. وبعد مجيء البعث ثانية إلى السلطة صدرت مجموعة قرارات عن مجلس قيادة الثورة ابتداءاً من عام 1968. وفي عام 1980 صدرت مجموعة من القرارات منها القرار رقم 180 و200, ثم القرار الخاص بإسقاط الجنسية العراقية رقم 666, إضافة إلى قرارات أخرى بصدد الجنسية في نفس العام, أي في العام الذي شن النظام العراقي الحرب ضد إيران (1980). وبعد ذلك صدر القانون رقم 46 لسنة 1990, وأخيراً صدر قرار مجلس قيادة الثورة رقم 199 لسنة 2001 حول موضوع الجنسية العراقية. ويمكن للمتتبع أن يؤكد بأن جميع هذه التشريعات والتعديلات القانونية والقرارات الخاصة بالجنسية العراقية استهدفت تحقيق النتائج التالية:

1. تكريس الفكر الشوفيني في الحياة الفكرية والسياسية العراقية. وهو نهج مناهض لكل العراقيين من غير العرب, وبشكل خصا ضد الأكراد, ومنهم على نحو خاص الأكراد الفيلية, وكذلك ضد العراقيين من أصل فارسي يعود إلى مئات سنين منصرمة.

2. تكريس الفكر الطائفي المناهض للمذهب الشيعي, إذ أن الذين اعتبروا أجانب في قانون الجنسية الأول, (رقم 42 لسنة 1924) هم الجماعات الشيعية التي رفضت استحصال التبعية العثمانية أو لم تفكر بها أصلاً, وهي مجموعات الأكراد الفيلية, وهم في أغلبيتهم شيعيي المذهب, وكذلك المجموعات العراقية ذات الأصل الفارسي أيضاً, وكذلك العرب الشيعة الذين لم يفكروا أصلاً بالتبعية العثمانية لأسباب مذهبية أو بسبب إهمال وعدم اهتمام أو تعرف على أهمية الجنسية في الحياة اليومية للمواطن.

3. إدخال الجانب الأيديولوجي والسياسي في التشريع العراقي لقضية قانونية أساساً من خلال منح حق الاعتراف بعراقية أو عدم عراقية المولود في العراق ومن آب مولود في العراق, أي ولادة مضاعفة, أعتبر أجنبياً, وهو عراقي أصلا, بيد وزير الداخلية, في حين يفترض حسم هذا الموضوع من خلال دوائر الجنسية أولاً ومن ثم عبر القضاء ثانياً.

4. استخدام سلاح الجنسية العراقية سياسياً للتخلص من عدد كبير من العراقيين الذين اعتبروا مناهضين للنظام أساساً, ومن ثم اعتبروا عملاء أو طابوراً خامساً لإيران في العراق. وأدى هذا الموقف السياسي إلى إنزال أشد الأضرار بعدد كبير من العراقيين الذين هجروا قسراً إلى إيران بعد سحب جنسيتهم ومصادرة أموالهم المنقولة وغير المنقولة وتعريضهم إلى حياة قاسية في الغربة وإلى احتمالات الموت في دروب التهجير إلى إيران.

5. وكانت هذه السياسة محاولة جديدة لتغيير الطابع القومي والطائفي لمناطق معينة من العراق. إذ يفترض أن لا ننسى بأن الغالبية العظمى من النساء والرجال الذين سفروا أو الذين لقوا حتفهم عبر سياسات التهجير القسري لمن اعتبروا ضمن التبعية الإيرانية أو اعتقلوا لهذا السبب كان كبيراً جداً واقترب من نصف مليون إنسان. إذ أن هؤلاء كانوا عند استمرار وجودهم في العراق أو على قيد الحياة المساهمة في إغناء الشعب العراقي بولادات جديدة, وهو الأمر الآخر الذي أراد النظام التخلص منه. وعلينا أن لا ننسى ربط هذه الإجراءات التعسفية بعمليات الأنفال وتغييب عشرات ألاف البشر, إضافة إلى عمليات التغيير الديموغرافي لمناطق معينة من العراق, وخاصة مناطق كردستانية عراقية, ومنها كركوك, على سبيل المثال لا الحصر.

6. وإذا كان الفكر الذي اعتمده واستند إليه نظام الحكم في العراق في إصدار تلك التشريعات, وهو فكر شوفيني عنصري بشع, فأن ممارسات النظام في تطبيق تلك التشريعات كانت أكثر بشاعة إزاء الشعب العراقي, وخاصة إزاء الجماعات التي شملتها تلك التشريعات.

7. وكانت لهذه التشريعات والممارسات السياسات والأمنية عواقب وخيمة على الوحدة الوطنية في العراق والتي تناولناها سابقاً في الموقف من الشعب الكردي, ومنهم الأكراد الفيلية, ومن جماعات كبيرة من عرب الجنوب والوسط التي سنتناولها بالارتباط مع قانون الجنسية العراقية.

أشرنا إلى أن النظام الملكي في العراق أصدر قانون الجنسية العراقية الأول في عام 1924, أي أثناء التحضير لإصدار القانون الأساسي العراقي, الدستور, الذي أقر في عام 1925, لأول مرة بعد قيام الدولة الملكية العراقية في عام 1921. وكان المفروض في المشرع العراقي أن يستند في وضعه للقانون على عدد من الحقائق المهمة التي تميز بها الوضع في العراق حينذاك, ومنها:

· خلاص العراق من هيمنة عثمانية دامت قرابة أربعة قرون كانت شبيهة بالقرون الوسطى في أوروبا أو أسوأ منها بكثير واقترنت بالكثير من إجراءات الاضطهاد وتحمل الكثير من الآلام والعذابات وعمقت الفجوة بين القوميات المختلفة وبين أتباع الأديان والمذاهب المختلفة.

· وكان العراق في فترات مختلفة قبل وأثناء هذه القرون الأربعة ساحة للصراع السياسي والطائفي غير العقلاني بين الدولة العثمانية والدولة الفارسية, والتي أدت إلى نشوء خنادق متباينة مضرة بوحدة العراق الجديد, كانت بحاجة إلى ردمها وليس إلى تعميق فيها.

· وفي ضوء هذا الواقع وجد في العراق من كان ينتمي إلى الدولة العثمانية أو من كان ينتسب إلى الدولة الفارسية من الناحية المذهبية والتي كانت تترك تأثيرها على ولاءات الناس بقدر معين, خاصة إذا كانت الروح الوطنية القائمة على قواعد وأسس مشتركة ما تزال غير متوفرة والتي تجلت في تقرير الملك فيصل الأول الذي كتبه قبل وفاته حول واقع العراق حينذاك, إذ كتب يقول: "إن البلاد العراقية من جملة البلدان التي ينقصها أهم عنصر من عناصر الحياة الاجتماعية ذلك هو الوحدة الفكرية والملية والدينية, فهي والحالة هذه مبعثرة القوى, منقسمة على بعضها, يحتاج ساستها أن يكونوا حكماء مدبرين, وفي عين الوقت أقوياء مادة ومعنى, غير مجلوبين لحسيات أو أغراض شخصية, أو طائفية, أو متطرفة, يداومون على سياسة العدل والموازنة, والقوة معاً, على جانب كبير من الاحترام لتقاليد الأهالي, لا ينقادون إلى تأثرات رجعية, أو إلى أفكار متطرفة تستوجب رد الفعل"[6].

· وكان العراق حينذاك, رغم أن ولاية الموصل, ومنها كردستان الجنوبية, عند وضع قانون الجنسية لم تكن بعد قد ألحقت بالعراق, وما يزال يتكون في بنيته السكانية القومية من عرب وكرد وتركمان وآشوريين وكلدان ويهود وفرس, كما كانت بنيته الدينية والطائفية متعددة أيضاً. فإلى جانب أتباع الدين الإسلامي, وجد أتباع الدين المسيحي والدين اليهودي والدين المندائي الصابئي والدين الأيزيدي والدين الشبكي والكاكائي, والمذاهب السنية والشيعية, على سبيل المثال لا الحصر.

· وكان العراق حينذاك تحت الهيمنة البريطانية التي كانت تنظر إلى العراق باعتباره مستعمرة يراد لها أن تبقى تحت الاحتلال البريطاني وخاضعة للتاج البريطاني. وكان لا بد من وضع دستور مدني ديمقراطي بسبب مطالبة مجلس عصبة الأمم بذلك, ولكنها كانت تريد أن تترك في الدستور ثغرات تساعد على استمرار وجودها من خلال مبدأ فرق تسد, بعد أن عرفت العراقيين جيداً في انتفاضتي 1918 في النجف و1919 في السليمانية وثورة 1920 في العراق عموماً.

· وكان المحدد العام للمشرع تلك المادة التي تضمنتها معاهدة لوزان التي وقعت بين الدولة التركية الحديثة والحلفاء والتي نصت على ما يلي: "الرعايا المقيمين عادة في إقليم منسلخ عن تركيا بموجب هذه المعاهدة يصبحون من رعايا الدولة التي تنتقل إليها تلك الأرض وفق الشروط التي يضعها قانونها المحلي"[7]. وهذا النص العام لا غبار عليه, إذ يقرر واقع حال, إذ أن القواعد تتحدد وفق القانون المحلي لاحقاً.

وفي ضوء هذه الحقائق, ماذا كان يتطلب من المشرع العراقي لكي يبدأ بتكوين النسيج الوطني المشترك المطلوب لتعزيز وحدة العراق شعباً وأرضاً؟ الإجابة عن هذا السؤال سهلة للغاية وسليمة تماماً لو عمد المشرع إلى تثبيت نص أساسي واحد لا غير: كل الأشخاص, من النساء والرجال, الذين عاشوا في المنطقة التي أصبحت جزء من العراق الملكي الحق الطبيعي في حيازة الجنسية العراقية. ولم تكن هناك أية حاجة إلى التمييز بين العراقيين.

لكن المشرع العراقي, ومن ورائه سلطات الانتداب البريطاني, اختار نصاً أوجد ثم كرس الانقسام في المجتمع العراقي. وكان كما يبدو يسعى إليه بوعي مشوه وبعيد عن الإحساس بالمسؤولية إزاء مستقبل العلاقات في المجتمع العراقي. إذ نصت المادة الثالثة من القانون رقم 42 لسنة 1924 على ما يلي:

"المادة الثالثة - كل من كان في اليوم السادس من آب 1924 من الجنسية العثمانية وساكناً في العراق عادة تزول عنه الجنسية العثمانية ويعد حائزاً على الجنسية العراقية من التاريخ المذكور"[8].

ماذا كان يعني ذلك؟ كان يعني محاولة المشرع تجاوز ثلاث جماعات من السكان, وهي: 1. الجماعة الأولى التي لم تحصل على الجنسية العثمانية وبقيت دون جنسية لأي سبب كان.

2. والجماعة الثانية التي كانت تحمل الجنسية الفارسية ولكنها تقيم في العراق منذ عقود أو حتى قرون, أو أنها كانت لا تحمل أية جنسية ولكنها معروفة في أنها كانت إيرانية.

3. والجماعة الثالثة هي التي كانت تضم العرب والأكراد الفيلية بشكل خاص, والتي منحت الجنسية الإيرانية للتخلص من الخدمة العسكرية سواء في الدولة العثمانية أم في الدولة العراقية لاحقاً, أو لأسباب الشعور بالانتماء المذهبي مع سكان فارس دون أن تقدر أهمية الجنسية العراقية.

والسؤال الذي يفترض الإجابة عنه هو: لِمَ انتهج المشرع العراقي هذا السبيل؟

يفترض الانطلاق في التحليل والإجابة عن هذا السؤال من الظروف والفترة التي صدر فيها هذا القانون. وعليه يمكن الإشارة في الإجابة بصورة اجتهادية إلى الأفكار التالية, والتي يمكن أن نجد اتفاقاً على أغلبها بين الباحثين في موضوعات الجنسية العراقية:

· كانت الغالبية العظمى من سكان العراق من العرب والكرد بشكل خاص ترتبط بحياة القبائل الرحل وشبه المستقرة وكذلك العوائل الفلاحية. وكانت أغلب هذه العوائل تتنقل على الحدود العراقية-الإيرانية والعراقية-السعودية, والعراقية-السورية والعراقية-التركية. وكان يلاحظ ذلك بشكل خاص بالنسبة للقبائل الكردية الفيلية وكذلك بالنسبة لمجموعات من العوائل العربية والفارسية التي كانت ترتبط بعلاقات مذهبية وأواصر قربى نتيجة الزواج بنساء إيرانيات والزيارات المتبادلة والإقامة الطويلة, سواء كان ذلك في إيران أم في العراق, وخاصة في مدن العتبات المقدسة. وكان المشرع العراقي يدرك هذه الحقيقة وكان يريد التخلص من هذه المجموعة من خلال التمييز في الجنسية أولاً وحرمان مجموعات غير قليلة منها من الجنسية العراقية ثانياً.

· وكان العراقيون أثناء الهيمنة العثمانية لا يحملون بالضرورة جنسية معينة فالغالبية العظمى منهم تعتنق الإسلام ديناً وتعتقد بأن هذا كافياً للبقاء في إطار الرعية, إذ أن مبدأ المواطنة لم يكن واضحاً في هذه المرحلة من تطور المجتمع, وبالتالي لم تجد فائدة من اكتساب الجنسية العراقية, فلم تطالب بها, ولكن مجموعات من العوائل طلبت الجنسية الإيرانية ومنحت فعلاً تخلصاً من قانون التجنيد الإجباري بعد صدور هذا القانون في العراق الملكي, أو حتى قبل ذاك في ظل الدولة العثمانية للخلاص من تجنيدها القاسي المعروف الذي يستمر 25 عاماً, حيث نص القانون العثماني "على كل عثماني أن يقوم بالخدمة مسلماً أو غير مسلم على أن يكون بلغ 21 عاماً من العمر ومدة الجندية 25 عاماً منها 3 سنوات نظامية, 5 احتياطية, 12 رديفة, 5 مستحفظة, هذا في الجيش البري, أما البحري فمدته 20 سنة بإسقاط مدة المستحفظية منه"[9]. ويبدو مفيداً أن نشير إلى أن المقصودين بهذه الإجراءات هم في الغالب الأعم وحصراً الجماعات المسلمة التي تدين بالمذهب الشيعي, والذي خلق فيما بعد حساسية خاصة من جانب العراقيين إزاء نظام الحكم عموماً بسبب تصرفاته اللاحقة. وكان المشرع يريد التخلص من هؤلاء أيضاً حين يرفض منحهم الجنسية العراقية, إذ يمكن عندها ترحيلهم متى عنَّ للسلطة التنفيذية ممارسة ذلك.

· وكانت بريطانيا تريد ذلك أيضاً بسبب موقف ثوار العشرين من سلطات الاحتلال البريطانية, إذ بدأت في وسط العراق ثم في جنوبه, وخاصة في المدن ذات العتبات المقدسة, ومن علماء الدين الشيعية, ولكنها شملت بعد ذلك الكثير من أوساط الشعب العراقي. ولم يتخلف أتباع المذهب السني عن المشاركة في الثورة. وكان الحكام العراقيون وكذلك دائرة الانتداب البريطاني تريد تلقين ثوار العشرين درساً قاسياً من خلال عزلهم عملياً عن السلطة وجعل وجودهم في العراق قلقاً ومحكوما بموقف السلطة, إضافة إلى إمكانية إبعادهم عن العراق بحجة كونهم من التبعية الإيرانية. وكان هذا الأمر في الواقع يعتبر سيفاً مسلطاً باستمرار على رقاب هؤلاء الناس.

تعرض الأكراد الفيلية إلى تمييز شديد ولحق بهم إساءات كبيرة منذ تأسيس الدولة العراقية حتى الوقت الحاضر, ولكنهم عانوا أيضاً في فترة الحكم العثماني. وأكثر تلك الإساءات والتجاوز على حقوق الإنسان وحقوق القوميات حصلت في فترة حكم البعث التي في العاشر من نيسان/ابريل من عام 2003 على أيدي قوات التحالف الأمريكي-البريطاني. مارست الطغمة الصدامية وهي في الحكم ثلاث موجات متتالية من عمليات التهجير شملت عدداً كبيراً جداً من الأكراد الفيلية لا في بغداد فحسب, بل وفي المدن التي عاشوا فيها منذ أجيال. كانت الموجة الأولى بعد انقلاب شباط عام 1963, حيث زج بأعداد غفيرة منهم في السجون والمعتقلات وعذبوا أشد تعذيب. وكان الاضطهاد مضاعفاً بسبب كونهم أكراداً أولاً, أو أعضاء في الحزب الشيوعي العراقي والحزب الديمقراطي الكردستاني ثانياً, إضافة إلى كونهم من معتنقي المذهب الشيعي ثالثاً. والإشكالية الأخيرة أججها النظام العراق وبشكل متعمد.

أما الموجة الثانية فقد اقترنت بالضربات الموجعة التي توجهت لحركة الشعب الكردي التحررية في كردستان العراق بعد عقد اتفاقية الجزائر عام 1975 والتآمر الرجعي الإقليمي والدولي ضد هذه الحركة وانهيار المقاومة المسلحة, حيث قامت سلطات البعث, وكان أحمد حسن البكر رئيساً للجمهورية ورئيس مجلس قيادة الثورة, باعتقال وتهجير عدد كبير من الأكراد الفيلية إلى إيران وفق الحجة القديمة بكونهم من التبعية الإيرانية[10].

واقترنت الموجة الثالثة بتهيئة النظام العراقي للحرب ضد إيران أي في أعوام 1979 و1980, حيث أصدر في عام 1980 ثلاثة قرارات متتالية عن مجلس قيادة الثورة الذي كان وما يزال يقوده منذ عام 1979 صدام حسين. وتضمن القرار الأول رقم 180 عدداً من المسائل الخطرة المصممة بالطريقة التي تمس مباشرة الأكراد الفيلية من النساء والرجال في العراق, وهي:

1. استمرار اعتبار عدد كبيراً من العراقيين القاطنين في العراق ومنذ أجيال عدة بالأجانب, وبالتالي الطلب منهم تقديم طلبات لاستحصال الجنسية العراقية في فترة نفاذ هذا القانون التي حددت بستة شهور. وكانت هذه الصياغة بمثابة الفخ لاصطياد العراقيين الفيليين ممن يتعذر على أجهزة الأمن الوصول إليهم لاعتقالهم وترحيلهم.

2. النص في الموافقة على منح الجنسية العراقية على ما يلي: "أن لا يكون في وجوده في العراق ضرر على أمن وسلامة الجمهورية العراقية. وكان هذا يعني أن جميع الأكراد الفيلية الذين يعتبرون أجانب ومن تبعية إيرانية يشكلون خطراً على الجمهورية العراقية لأنهم سيتحولون في لحظة ما إلى طابورٍ خامسٍ للدولة الإيرانية. وكان الحكم المسبق هذا تجاوزاً شرساً وعنصرياً مقيتاً على وطنية الأكراد الفيلية وضد دورهم الوطني في النضال على امتداد تاريخ العراق الحديث.

3. منح وزير الداخلية, وليس دائرة الجنسية أولاً والقضاء العراقي في حالة الاختلاف مع حق المواطن ثانياً, الحق في منح أو منع الجنسية العراقية. ويشكل هذغ الموقف تجاوزاً خطيراً على القانون الدولي.

4. كما تضمن القرار منح وزير الداخلية الحق في أن يقبل أو يمنع اكتساب المرأة الأجنبية, والمقصود هنا حقاً النساء الكرديات الفيليات قبل غيرهن من النساء, الجنسية العراقية, ثم ورد في الفقرة أ من المادة الخامسة ما يلي بشأن النساء "الأجنبيات" "لا يسمح للمرأة الأجنبية المتزوجة من عراقي مضى على إقامتها في العراق مدة خمس سنوات الاستمرار على إقامتها فيه, عليها خلال مدة ستة أشهر من تاريخ نفاذ هذا القرار أن تعلن عن رغبتها باكتساب جنسية زوجها العراقي أو مغادرتها العراق". ولكن قرار الموافقة كان منوطاً بوزارة الداخلية, لهذا كان هذا النص هو الآخر مصيدة للنساء الفيليات.

ورغم قساوة والآم كل تلك الموجات التهجيرية والاضطهادية التي تعرض لها الأكراد الفيلية من النساء والرجال على امتداد الرقعة العراقية وكذلك على عدد كبير من العرب العراقيين في مناطق الوسط والجنوب, ومنها بغداد, وبعض المدن الكردستانية التي وجد فيها فيليون أيضاً, فأن أبشع تلك الموجات اقترنت بصدور القرار رقم 666 في 7/5/1980 والذي نص على ما يلي:

"1 - تسقط الجنسية العراقية عن كل عراقي من أصل أجنبي إذا تبين عدم ولائه للوطن والشعب والأهداف القومية والاجتماعية العليا للثورة.

2 - على وزير الداخلية أن يأمر بإبعاد كل من أسقطت عنه الجنسية العراقية بموجب الفقرة (1) ما لم يقتنع بناء على أسباب كافية بأن بقاءه في العراق أمر تستدعيه ضرورة قضائية أو قانونية أو حفظ حقوق الغير الموثقة رسمياً.

ووفق هذا القرار أصبح كل الأكراد الفيلية موضع شك في وطنيتهم من قبل نظام ابتعد كلية عن الحس الوطني السياسي والأخلاقي. وفي ضوء ذلك تعرض مئات ألوف الأكراد الفيلية إلى جريمة التهجير القسري إلى خارج الحدود. وهم الذين ينتشرون اليوم في إيران وأوروبا وأمريكا واستراليا وغيرها من بلدان العالم, إضافة إلى أن أعداداً كبيرة منهم تعيش في إقليم كردستان بعيداً عن الجناة في بغداد. وهم الذين فقدوا وطنهم وممتلكاتهم المنقولة وغير المنقولة وداس النظام على حقوقهم المشروعة بكل شراسة وخسة. وهم الذين فقدوا من جراء تلك العمليات, إضافة إلى الاعتقال والتعذيب والتهجير, عدداً كبيراً من أقاربهم إذ حصدهم الموت على أيدي جلاوزة النظام. ولم يميز النظام بين النساء والرجال, الشيوخ والأطفال والمرضى في عملياته التهجير والقتل. إذ أعتبر جميع هؤلاء مشاريع خيانة ينبغي التخلص منهم. وما يزال عدد المفقودين المغيبين من جانب النظام من بنات وأبناء الأكراد الفيلية كبيراً جداً ويتطلب إدامة المطالبة بمعرفة مصيرهم وتقديم الدعاوى ضد النظام لمقاضاته دولياً على تلك الجرائم البشعة التي ارتكبت بحقهم. ويفترض تشكيل لجنة في كردستان العراق وفي الخارج لتعمل من أجل ذلك. وعلينا أن نشير هنا إلى أن الشبيبة الكردية الفيلية كانت الأكثر تعرضاً للاعتقال والقتل خشية هجرتها ومساهمتها في القوات الإيرانية في الحرب العراقية-الإيرانية. وهو بدوره تشكيك شائن بوطنية الأكراد الفيلية الذين كانوا دوماً# موضع حرص على وطنيتهم العراقية وقوميتهم الكردية.

وتعرض الأكراد الفيلية إلى موجة رابعة من موجات الاضطهاد والتهجير والتي اقترنت بحملات الأنفال الدموية والتي شملت بدورها هذه المجموعة السكانية العراقية أيضاً.



إن المعالجة السليمة والواقعية والضرورية لقضية الأكراد الفيلية تكمن في تغيير قانون الجنسية العراقية واعتماد قاعدة المواطنة للعراقي بغض النظر عن منحدره القومي والديني والمذهبي, كما إنها تكمن في التخلص من الذهنية الشوفينية والعنصرية والطائفية في النظر إلى الإنسان التي اعتمدتها الحكومات الملكية المتعاقبة بصيغ وسياسات شوفينية واضحة, والسياسات العنصرية والطائفية التي مارستها الحكومات القومية والبعثية المتعاقبة في العراق على امتداد الفترات التي كانت هذه القوى في الحكم. كما أن المعالجة تكمن في إعادة جميع هؤلاء المهجرين من الأكراد الفيلية على الوطن والاعتذار منهم باسم الدولة العراقية وتعويض العوائل التي شردت والتي تعرضت للتعذيب والاضطهاد والملاحقة وتلك التي صودرت أموالها المنقولة وغير المنقولة أو التي فقدت أفراداً منها. وهي تكمن بالأساس في وجود نظام اتحادي ديمقراطي جمهوري يستند على دستور ديمقراطي حديث وحياة برلمانية حرة وتعددية سياسية وتداول ديمقراطي للسلطة عبر البرلمان, وتوزيع وإعادة توزيع عقلاني وعادل للدخل القومي وتنمية اقتصادية واجتماعية وإنسانية معجلة وعادلة في مناطق العراق المختلفة.

إن الأكراد الفيلية جزء شعب العراق, كما أنهم جزء من الشعب الكردي وعلينا نحن العرب أن نتعلم الاعتراف بالآخر والتعايش بسلام مع الآخرين واحترامهم واحترام حقوقهم, وفي هذا ضمانة حقيقية لحقوق العرب واحترامهم من قبل الآخرين. لقد عانى الأكراد الفيلية الأمرين على أيدي الحكومات المركزية المتعاقبة في بغداد وعلينا إدانة ذلك بكل قوة والالتزام بالنضال في منع تكرار ما حصل لهم ولغيرهم في العراق. إنها ضمن المهمات التي تواجه الشعب العراقي بعربه وكرده, بضمنهم الأكراد الفيلية, وتركمانه وآشورييه وكلدانه بعد سقوط النظام الدكتاتوري في العراق, وبعد أن اختفى الطاغية الجلاد من حياة الشعب العراقي والسياسة العراقية.

1] الفيلي, نجم سلمان مهدي. الفيليون. راجعه جرجيس فتح الله. دار الشمس. استوكهولم. السويد. 2001.
[2] بموافقة زميلي الدكتور هادي مالك يتم نشر هذا النص بعد ترجمتي له عن الألمانية, إذ أن كتاب السيد الدكتور هادي مالك ما يزال قيد التحرير. ك. حبيب

[3] في عقد الخمسينات التقيت بعدد كبير من المناضلين من الأكراد الفيلية, سواء كان ذلك أثناء وجودي في المواقف أو السجون العراقية. وكان البعض من هؤلاء المناضلين قد تعرض إلى عملية ترحيل أو تسفير, كما كان يطلق عليها في حينها, من البصرة إلى المحمرة في إيران, حيث كانت الشرطة العراقية تنقل هؤلاء المسفرين وتسلمهم في المحمرة إلى الشرطة الإيرانية. وكانت الشرطة الإيرانية تطلق سراحهم مباشرة سواء بعد دفع رشوة صغيرة أو حتى بدونها. وكان هؤلاء المسفرون يعودون إلى البصرة مباشرة دون أي تأخير في المحمرة. وكانوا يجلسون في المقهى الرئيسية القائمة في سوق البصرة الرئيسي. وبعد فترة وجيزة يقدم الشرطة الذين نقلوهم إلى المحمرة ليجلسوا في ذات المقهى التي يجلس فيها المناضلون الأكراد الفيلية. وبعد أن يتحدثوا بود ويتناولوا الشاي سوية, يدفع المناضلون ثمن الشاي الذي تناوله الشرطة, ثم يذهب كل منهم إلى حال سبيله ليعودوا معاً وفي نفس القطار إلى بغداد. هكذا روى لي كثرة ممن تعرضوا للاعتقال والتسفير من الأخوة المناضلين في حينها. وهي حقيقة كنا نعرفها جميعاً. وكان المناضلون يواصلون وجودهم ونشاطهم السياسي ثم يعتقل بعضهم لتبدأ نفس الرواية أو أنهم كانوا يتعرضون للسجن لتهم توجه لهم مثل عملهم في أحد الحزبين الشيوعي أو الديمقراطي الكردي في حينها.
[4] الفيلي, نجم سلمان مهدي. الفيليون. راجعه جرجيس فتح الله. دار الشمس. استوكهولم. السويد. 2001. ص 20.
[5] شعبان, عبد الحسين د. إشكالية الجنسية واللاجنسية في القانونين العراقي والدولي. جريدة الزمان اللندنية. سلسلة من الحلقات لكتاب واحد للمؤلف. الحلقة الرابعة. العدد 1160. 14 مارس/آذار 2002. ص 13.
. ص 13.

[6] الأزري, عبد الكريم. مشكلة الحكم في العراق.طبعة لندن. تشرين الأول/1991. ص 2.

[7] عنوز, محمد. قانون الجنسية العراقي مشكلة مزمنة . . معالجتها ممكنة. في مجلة: الحقوق. جمعية الحقوقيين العراقيين. لندن. العدد 4 السنة الأولى حزيران/يونيو 2001. ص 155.

[8] الوقائع العراقية. عدد 232 في 21/10/1924.

[9] عنوز, محمد. قانون الجنسية العراقي مشكلة مزمنة . . معالجتها ممكنة. مصدر سابق. ص 156.

[10] الجابري, جابر. انتهاكات النظام العراقي لحقوق الأكراد الفيليين في العراق. إصدار منظمة حقوق الإنسان للأكراد الفيليين في العراق. فيينا. 1993. ص23
التعليقات
- 23841030 visitors
Designed by NOURAS
Managed by Wesima