لمراسلتنا أرسل الى صديق أضف الى المفضلة اجعلنا صفحتك الرئيسية
الرئيسية
English Articles
اللغة
التاريخ
الآثار والتنقيبات
مدن كوردية
ثقافة
التراث
شخصيات كوردية
بيستون
الجمعية النسوية للكورد
جمعية الكورد الفيلية
من نحن
مقالات
الملف الشهري
مقالات كردية
اخبار كوردستانية
نشاطات الفيلية
المرأة والأسرة
ملتقى الغائبين
شؤون كوردستانية
دراسات
مكتبة كلكامش
 
 
08072014  -  01:48:25 PM
مقالات
بالجمر والرماد يؤرخ لكفاح الأنصار..
جحش مُؤذي في بامرني ..
المُتلصصُ على الموتِ في قوقعةِ خليفة ..
مدخل لتجاوز الوضع الراهن في العراق ..
لا لدينٍ يُبيحُ اختطاف الأطفال ..
رسالة مفتوحة لسيمرسي ..
صبري هاشم يطير بأجنحة القصيدة
ثانية عن الفيلم الخاص داستانا ركافا ..
مرة أخرى ملحمة أم كارثة ركاڤا!؟
كارثة ركاڤا رواية ينقصها الوفاء
الوطن... ومخلفات دولة البعث...أشجار بلا أغصان
صباح كنجي
الأحد 19/11/2006
مع تأزم الأوضاع العامة في العراق في بداية عام 2003 ومع قرب حدوث مواجهة عسكرية جديدة بين النظام الدكتاتوري البعثي الذي إسْتهوى الحروب و إستسهلَ الدخول في مواجهاتٍ عنتريةٍ فارغة ٍ ، عقدت مجموعة من نُشَطاء ِ حقوق الإنسان من العراقيين المهجرين لقاء ً حضره عدد من الشخصيات الوطنية و الإعلامية ومن المهتمين بحقوق الإنسان من الأصدقاء العرب.

واذكر حينها وقف الدكتور كاظم حبيب ليتحدث بألم ٍ عن الأوضاع المحيطة بنا كوطن ومجتمع قائلا ً وبصدق مؤثر أُعاني من حالة ِ صراع ٍ بين عقلي ووجداني في التمني بالخلاص من الحكم الدكتاتوري وما ستجلبه الحرب الجديدة من ويلات وكوارث ودمار جديدين للوطن والناس وأكد على ضرورة العمل و بذل الجهود وتجميع الطاقات من اجل تدارك الكارثة وإبعادِ شبح ِ الحرب ِ.... كان ذلك في منتصف كانون الثاني على ما اذكر...

ولست ادري ما الذي دفعني للتعقيب على حديث الدكتور كاظم في حينها ، حينما قلت مؤكدا ً الحرب ُ وقعتْ ولم يعد ينفعُ الحديث عن سُبل تداركها لأن ذلك أصبح في عداد الأماني وأكاد الآن وأنا في هذه القاعة في برلين استمع لدوي القذائف والصواريخ وأشاهد نيران الحرب متقدة ً .. إنّ الحربَ قدْ بدأتْ أيّها العزيز كاظم وعلينا أن نفكر بمرحلةِ ما بعد الحرب التي ستطيحُ بالدكتاتورية ، وكان الآمر محسوما ً بالنسبة لي من خلال مشاهداتي لحالةِ تحرك القطعاتِ العسكريةِ لقوات ِ حلفِ الأطلسي عبر سكةِ الحديد الألمانية في مدينة هامبورك حيث كنت اعمل عاملا ً في شفتٍ ليلي في بنايةٍ عاليةٍ بالقربِ من محطةِ ( دامْتورْ ) ومع حلول فترة استراحتنا لتناول الشاي والقهوةِ بين الساعة الثالثة والرابعة فجرا ً كنت أشاهد القطارات المتواصلة التي تنقل الدبابات والمدرعات وبقية ِ الآلياتِ العسكريةِ منذ ُ أكثر من شهرٍ وبشكلٍ يومي.
كانت حركة ُ القطاراتِ وهي تنقل هذه المعدات بشكل ٍ متواصل تعني الكثير في الحسابات العسكرية واستمرار حالة النقل وتواصلها لمدة شهرين ونصف قد حَسمت قناعتي بأن الحرب لا محالة آتية وواقعة ، خاصة وان الطرف الثاني في المعادلة ، صدام ونظامه هم من المُهَوسينَ بالحروب ويتمنونها كعادتهم بشغفٍ وإن كانوا موقنين بخسارتها من الناحية العسكرية بحكم الفارق الكبير في مستوى التسليح والقدرات المتباينة للطرفين التي لا مجال للمقارنة فيها بين القوتين بتاتا ً خاصةً بعد أن استجمعت أمريكا قدرات عالمية من أوربا وغيرها من البلدان في الحرب المزمع شنها على النظام الصدّامي المتهم بدعم الإرهاب وإنتاج أسلحة محرمة دوليا ً وانتهاكات لحقوق الإنسان ..

وحينها حسمت قناعتي بقرب حلول الحرب من الناحية الفعلية ،قررت أن احدد إجازتي السنوية التي مدتها (46) يوما ً للفترة من بداية نيسان ولغاية منتصف أيار 2003 وهي الفترة التي توقعت فيها حدوث الحرب ، و عزمت ُعلى الذهاب والتواجد في العراق في حينها بأية وسيلة ممكنة وكانت حينئذٍ الطرق للوصول إلى العراق محددة بحكم إيقاف حركة الطيران إلى الشرق الأوسط وغلق معبر تركيا نحو كردستان العراق ، أما سوريا فكانت مغامرة غير محسوبة النتائج وغير مضمونة في تلك المرحلة لأنها وضعت نفسها في سياق المواجهة مع المحاولات الدولية التي سعت للأطاحة بصدام حسين ورفضت تقديم أية مساعدات في هذا المجال.

فبقيت أمامي طريق واحدة هي إيران التي إمتنعت قنصليتها في مدينة هامبورك من منحي الفيزة عبر ايران وكررتُ عبر أصدقاء المحاولة لكنهم لم يفلحوا وبقيت أتشبث بمن يستطيع تسهيل أمري حيث اتصلت بممثل الحزب الشيوعي العراقي في حينها في مدينة كوتنكن منذ بداية عام 2003 وكان يعمل معنا في حقوق الإنسان لكنه لم يقدم المساعدة وعلمت فيما بعد إن قيادة تنظيمه كانت قد عممت توجيه لكل منظماتهم في أوربا لتسهيل أمر من يرغب في العودة للوصول للعراق لكن هذا الشخص المسؤول( زميلي في حقوق الإنسان) قرر مع نفسه استثناء ِ و لم يقدم أية مساعدة أو حتى يكشف لي عن مضمون توجيه قيادته ..
فإتصلت بأصدقاء وزراء وقادة في الأتحاد الوطني الكوردستاني في السليمانية واستفسرت منهم عن امكانية تقديم المساعدة للوصول وقد ابدوا استعدادهم ، لكن المهمة فشلت حيث عاندت القنصلية ورفضت منحي فيزة .
فحاولت عبر المؤتمر الوطني العراقي من خلال أصدقاء يعملون في صفوفه لكنهم فشلوا في تأميم الطريق ..

ومضت الأيام متسارعة حيث بدأت المواجهة وكنت من بين المتابعين للأحداث من خلال شاشات التلفاز كانت القطعات العسكرية تتقدم من الجنوب فيما يشبه النزهة وكنت موقنا ً في قرارات نفسي إن النظام سيستجبن أمام هذه القوات الدولية لأنه اثبت جدارة في ذلك أكثر من مرة رغم بطشه بأبناء الشعب حيث كان يركع أمام أية قوة ، حتى وان كانت خاوية ، من خارج الحدود، يمكن أن نوصفها بحالة شيزوفرينا سياسية تميل للقمع الشديد داخل حدود البلد والى الاستسلام اللامشروط خارج الحدود .

تذكروا موقفه من معاهدة الجزائر مع الشاهينشاه تذكروا موقفه المشين في نهاية الحرب العراقية الايرانية ، تذكروا خيمة صفوان حينما دخلها ضباط صدام بكامل صلاحياتهم للتوقيع على أية وثيقة وبأية شروط كانت مهما كانت مذلة تذكروا الحدود بين ا لعراق وتركيا والسعودية والاردن وتمعنوا في خارطة العراق قبل وصول البعثيين للسلطة وبعد مغادرتهم لها في التاسع من نيسان 2003أليست صورة صارخة عن حالة الشيزوفرينيا السياسية ؟!

المهم بذلت اخر محاولة في حينها للوصول للعراق من خلال صديق قيادي في الإتحاد الوطني الكوردستاني وكنت قد التقيه في هامبورك قبل اشهر.
كانت القطعات العسكرية في حينها تطوق بغداد وغيرها من المدن العراقية وحدث ما لم يكن في الحسبان على الصعيد الشخصي والموقف من الذهاب للوطن .. حيث قال لي الصديق القيادي في اوك معاتبا ً :
أين أنت يا صباح ؟ تتهم الخزرجي وتقيم دعوى ضده وتبقى في هامبورك ، بينما يقوم الخزرجي بقيادة القطعات العسكرية في كركوك....
قلت لصديقي القيادي من اوك :
الخزرجي مجرم وسيبقى مجرم وأنهيت المكالمة غير مصدقا ً هذا الموقف في خلط الأوراق ... ورددت مع نفسي تلك المقولة الرائعة لأحد الفلاسفة الكبار ( إن شرف الغاية هي من شرف الوسيلة )... وقلت مع نفسي سيسقط صدام ولكن يا لأسفي من مرحلة ما بعد صدام...! لأنه سيسقط بأيادي متشابكة بعضها كان عونا ً له منذ سنين وأخرى كانت من النوع الذي ساهم من خلالها صدام بتنفيذ جرائمه البشعة ومن بينها الخزرجي الذي يتباهى صديقي القيادي به وهو يقود القطعات في كركوك!!!

وتذكرت مرارة الأوضاع في كردستان ، قسوة النظام وجبروت قطعاته العسكرية ، وقدرة طيرانه ودباباته في التدمير ، وزهق الارواح ، وصعوبات المواجهة غير المتكافئة ، ايام الكفاح المسلح أيام البرد والجوع ، والخراب الذي حلّ بكردستان ، صور للعشرات والمئات من الشهداء الأعزاء ، واسماء المدن الخربة ، والبيئة الحروقة ، الأنفال ، الكيمياوي ، الجحوش ، لعنة الله على اولهم ، والف لعنة على الشريف من بينهم إن كان بينهم شريف ، والإنتفاضة وما أعقبها من متغيرات ومواقف متباينة ومتناقضة ، أيام اقتتال الأخوة وضياع المزيد من الجهود وتلك الأشياء التي تعكر مزاج الثوار وتختزل أفراحهم وتجعلها نصف فرحة أو تلغيها كما يقول المثل الشعبي رغم اجواء الإنتصار وتحقق الحرية في الوضع الجديد الذي افرز تشكيلنا للبرلمان والحكومة الكوردية في كردستان العزيزة ، وقد جسدت ذلك في مقال لي في حينها في ريكاي كوردستان بعنوان ما أقبحك من حلم أيتها الحرية !

ها أنا أعود لذات الشأن من خلال ِهم ٍجديد ٍ سيحل هذه المرة في العراق بعد زوال النظام وتلك فرحة كبرى لا اعترض عليها مهما كانت الجهة التي أعلنت عن نيتها في الإطاحة بالنظام.. أمريكا أم غيرها هذا لا يهم الآن ، فعندي الخلاص من النظام هو المهمة الأولى والاعتراض من جهتي حول الوسيلة سيكون كما عبرت عنه في أكثر من مرة من خلال ضرب مثل عن إنسان محتجز في الجحيم فيأتيه الشيطان ويفتح له الباب فهل يبقى فيها أم يخرج ؟!
وكررتها أكثر من مرة إن وضعنا نحن العراقيين يشبه هذا الإنسان المودع في الجحيم فيأتينا الشيطان ليفتح لنا الباب وما من غيره فماذا نفعل؟!

دعونا نخرج من الجحيم ومن بعدها سنرى هل نحن أهل للحرية أم لا ... كنت في مشاعري اختزن كغيري من العراقيين العواطف الجياشة للخلاص من الدكتاتورية البعثية المقيتة بخلق حالة جديدة يكون فيها سيد الموقف الإنسان العراقي عبر السعي لتوفير أوسع ما يمكن من اجواء لممارسة الحريات كبديل للقمع المستشري وخلق حالة من الأمان والاستقرار السياسي والأمني وشيىءٍ من الرخاء الإ قتصاد ي مع العزم على محاسبة المجرمين من البعثيين وكل من تلطخت أياديهم بدماء الأبرياء كانت هذه حساباتي السياسية التي لا تخلو من تفكير عاطفي بالبديل المطلوب للشعب العراقي ولو خُيّرت لمنحته أقصى ما يمكن من أفضليات في مجالات السياسة والإقتصاد والقانون وشكل الدولة والعراقيون يستحقون كل هذا بحكم معاناتهم المريرة وهي ليست منه وعلينا أن نسعى لتحقيقها مهما كانت المعوقات .. كانت هذه أحلامي كمواطن عانى من الظلم والإجحاف وفقد اعز ما يملك في فترة سيطرة البعثيين ابتداء ً من العائلة ومعهم العديد من الأقرباء والأصدقاء...

ومرت الأيام وكنت خارج المعادلة مجرد مراقب للاحداث من خلال التلفزيون مضت أيام إجازتي السنوية وشهدت سقوط النظام المتجبر بهذه الطريقة المهينة في التاسع من نيسان وجاءني صوت ابنة عمي ابو عمشة الذي قضى عمره كنصير في صفوف الأنصار منذ عام 1963 ولغاية 1988، لمياء وهي الوحيدة المتبقية من عائلتها مع عمي بعد أن غيبت الأنفال والدتها وأشقاؤها وشقيقتها ، ثمانية افراد بالكامل ، المهم جاءني صوتها من العراق لأول مرة وهي تقول:

هذا هو تلفون الحرية أخاطبك من أجواء العراق الجديد وانساب صوتها إلى سمعي ..

بعشيقة وبحزاني تحررت بالموسيقى .. بعد ان أعلن عازف الزرنا (علي خدر) وهو شقيق للشهيد كواش خدر( أبو سمرة ) مسؤول حماية مقر بغداد للحزب الشيوعي العراقي في منتصف السبعينات ومن معه من عازفين شيوعيين إعلان سقوط النظام البعثي في بحزاني وبعشيقة بالموسيقى وخرج الناس واستسلم البعثيون بلا مقاومة وعزف علي نشيد سالم حزبنا وتجمهرت الناس وأعلن عن سقوط بعشيقه وتحريرها من دون إطلاقة واحدة وتحول مقر حزب البعث في بحزاني إلى مقر للحزب الشيوعي العراقي وارتفعت الرايات الحمراء... ومع صوتها انهمرت دموعي وتحشرجت حنجرتي وبقيت مجرد سامع لكلمات تلفون الحرية.. هذا هو يوم الفرح الكبير.. لقد هرب البعثيون وفروا أو اختفوا يلازمون جحورهم بصمت.. بعد أن سلموا البلد بكامل جيشه الجرار ومختلف أجهزة قمعه إلى القوات الآتية من وراء البحار في حرب هي الأقرب إلى المسرحية الهزلية من إي شيء آخر لكونها حربا ً من طرف واحدة حيث لا وجود لما يعيق تقدم القوات الزاحفة نحو العاصمة بغداد إلا التصريحات التي كلف بترديدها أبو العلوج محمد سعيد الصحاف كالببغاء .

وتحققت نبوءة المواطن دخيل والد الشهيد سلام حيث كان بناء ً واجبر عام 1982 على بناء المقر الجديد لمنظمة حزب البعث و في حينها كان يُسأل ماذا تبني هذه الأيام ؟ أوأين تعمل؟ .

كان يقول بلهجة الواثق من نفسه بلا خوف من جبروت النظام وأجهزته القمعية .. أبني مقرا ً للحزب الشيوعي العراقي ... وسط حيرة السائل وعدم فهمه لما يسمعه من ( مغالطات) كما يتصور لكن البنّاء دخيل يواصل حديثه مع السائل فاكا ً لغز حيرته مما يسمع ... لا اضن سيبقى هذا المقر للبعثيين وسيأتي اليوم الذي ترون فيه الشيوعيون عائدون ...

بعشيقة وبحزاني ناحية يقطنها ما يقارب الثلاثون ألف مواطن قتل النظام في حروبه أكثر من الف من شبابها واعدم وقتل تحت التعذيب وفي الأنفال ما يقارب المئة من الشيوعيين واطفالهم خلال فترة حكمه ، إنتقاما ً من مشاركتهم في حركة الأنصار التي كانت تحوي ما يقارب الخمسين بيشمركة بينهم قياديين في أنصار الحزب الشيوعي وتنظيماته .

بقيت ما يقرب ألسنة من بعد التاسع من نيسان موزعا ً بين الوطن الجريح والمحرر من قبضة أعتى دكتاتورية في التاريخ في ظل معادلة قاسية استبدلت الحرية بالاحتلال سنة من المتابعة اليومية لتداعيات العراق الجديد ...

الأجمل فيها حالة أبو تحسين وهو يشبع صورة الطاغية بالضرب بذلك النعال التاريخي وما أعقبها من إسقاط لتمثال الطاغية في ساحة الفردوس وو هناك الكثير مما يمكن أن نفرح به بعد عذابات السنين .... لكن الفرحة ناقصة ويشوبها الكثير من المرارات السجون خاوية ولم يعثر على البشر فيها وبدلا من ذلك توالت الأخبار عن القبور الجماعية ، أعدادها لا تحصى ، أماكنها لا تعد ، حجم الناس المدفونين فيها لا يمكن التكهن به ، قال لي احد العاملين في مجال حقوق الإنسان أحصينا أكثر من (500 ) مقبرة جماعية لحد اليوم ومع الأيام نكتشف المزيد .
القبور الجماعية ... المزيد منها في كل يوم تتكرر الكلمة في نشرات الأخبار.. قبور ... قبور ... قبور وجرائم واحواض اسيد ومقاصل وسرقات وبلد مدمر ومنهوب واقتصاد مشلول وخزينة خاوية وشعب مجروح ومسحوق ... تركة ثقيلة وقوات احتلال بعد التحرير وصراعات حزبية على المناصب وإختلالات في القيم ومحاولات للبعثيين للوصول إلى الواجهة من خلال عدد من الوزارات وتنظيمات الأحزاب والميلشيات التي طفحت إلى السطح أو من خلال الواجهات الجديدة للبعثيين في ظل الوضع الجديد ناهيكم عن ما يسمى بحزب العودة الذي اخذ ينشط في الكثير من المدن...

واشد ما حيرني في هذه المرحلة ولا اجد له تفسيرا لهذا اليوم هو ترك البعثيين طلقاء وعدم محاسبتهم بالضبط كما فعلنا في كردستان حيث لم يحاسب ولا جحش واحد من مرتزقة النظام ممن ساهموا في تدمير كردستان خاصة من كبار الجحوش من رؤساء العشائر الذين كانوا يتسابقون لتنفيذ جرائم صدام.. وأخذت اتساءل هل ستكرر التجربة الكوردية بكامل أخطائها في هذا المجال وسيدع البعثيون يسرحون ويمرحون في عموم العراق؟ من المستفيد من هذه السياسة الخاطئة؟ ومن سيدفع الثمن ؟ هل سيمتثل البعثيون للوضع الجديد أم إنهم سيتمادون في غيهم ويستغلون هذا التسامح لتجميع صفوفهم لأجل مواصلة مسيرة الدم والقتل ؟ من يتحمل مسؤولية هذا التهاون والى أين سنسير ؟!!
اسئلة تبعث على الحيرة والوجل من الزمن الآت وتُعكر صفو النفس وتسرق الفرحة منا يوما بعد آخر في ظل إداء ٍ هابطٍ من لدن من استلموا دفة السفينة والذين انغمسوا في النهب والسرقات فأهملوا الوطن الجريح والشعب النازف.... فتوفرت الفرصة للبعثيين لإعادة تنظيم صفوفهم في اقل من سنة من الزمن المهدور ....

بعد اقل من سنة بدأت الاستعداد من جديد للتوجه نحو وطني المحرر وبذلت محاولتي من خلال أصدقاء في استوكهولم لاجل الحصول على الفيزة الإيرانية بعد أن رفض القنصل في هامبورك مجددا ً في منحي الفيزة للدخول من إيران وقد افلحت في الحصول عليها من استوكهولم وقطعت البطاقة لكن الفرحة لم تتم بسبب احتجاز الباسبورت من قبل الشرطة الالمانية أثناء ارساله بالبريد مع الفيزة من السويد .
مضت من إجازتي السنوية إسبوع وفقدت الأمل في المغادرة فلم يبقى أمامي إلا ان ابادر للأتصال يالشرطة وابلغهم بنيتي في الذهاب في العطلة السنوية لكني فقدت الباسبورت في البريد وبعد دقائق طلب مني الشرطي صورة بعد أن قرر منحي باسبورت جديد وفي اقل من نصف ساعة استلمت منه الباسبورت الجديد الذي لم يكلفني سوى ( 25 ) يورو فقط لكن بعد خسارتي لأسبوع كامل من إجازتي وجزء من ثمن البطاقة التي قطعتها وكذلك ثمن الفيزة الإيرانية وبقي امامي من مدة الأجازة اقل من شهر قررت خلالها بذل محاولة للسفر عبر سوريا وعلى الفور استلمت الفيزة من القنصلية السورية في هامبورك وحجزت باتجاه دمشق في منتصف آذار من عام 2004 وكنت وجلا بعض الشيء من احتمالات التعامل البيروقراطي في سوريا وصعوبة الإسراع في الوصول للعراق ...

في المطار الدولي لدمشق وجدت الأوضاع أفضل من السابق وكان العاملين في المطار ينفذون إجراءات الدخول بسهولة ويسر .
كانت معي بالصدفة على الطائرة من مطار هامبورك زوجة صديق من فترة الأنصار وبصحبة زميلة لها من الحزب الشيوعي العراقي .
في الفجر توجهنا إلى مدينة دمشق وكان ابرز ما وجدته هو اختفاء تلك الشعارات التي كانت تخط على الجدران وفي الشوارع والمرء يحس ويشعر بفارق وان كان شكليا ً عن السنوات السابقة ...
في دمشق قررت الذهاب إلى صديقي الشاعر ( محمد عيسى ) صاحب دار نشر البتراء بدلا من الفندق تحسبا ً لما لا يحسب عقباه خاصة بعد أن أصبحت دمشق مآوى للبعثيين الذين غادروا العراق ، بقيت عند صديقي الشاعر اقل من عشرة ساعات زرت خلالها البعض من أحياء دمشق وبعد أن قدم لي نسخة من ديوانه الشعري الجديد مع كلمات اقرب إلى الرثاء كأهداء ليخفف من صدمتي أثناء بقائي في العراق حيث كتب لي وهو يقدم ديوانه الشعري المعنون مائدة البراري:

( صديقي العزيز صباح .. عندما تصل إلى العراق ارفع رأسك إلى الأعلى عندئذٍ ستجد السماء ذاتها التي تركتها قبل الوداع الأخير.. ثم انظر حولك وستجد جميع العراقيين اهلك.. محمد عيسى) .

ودعته باتجاه حلب حيث صديقي الشاعر ( فائز العراقي )الذي يقيم هناك منذ ما يقارب العشرين عاما أو أ كثر وكانت صدمتي الكبيرة أن أجد صديقي الذي فارقته قبل ستة سنوات وهو في أتم صحة وعافية يعاني من آثار الجلطة التي أصابته قبل فترة ، فائز من اعز أصدقائي ممن ارتبطت بهم بعلاقة صداقة جمعتها المواقف الفكرية وعدم التساهل إزاء الأخطاء والنواقص وهو بالإضافة إلى ذلك إنسان مرح وطيب المعشر لم أكن أتصور إن الجلطة ستقهره بهذه الصورة وتعرقل حركته وعموما كانت ساعات قليلة قضيتها في حلب بعد أن رتب لي طريقة للوصول إلى القامشلي مع صديق هو من كوادر حزب البعث العراقي المناهض للنظام الصدامي مفضلا ً عدم سفري بالقطار أو الباص بسبب أوضاع الجزيرة الصعبة بعد أن حدثت مشاكل في ملعب كرة القدم في القامشلي وأدت إلى تطور الأحداث بشكل سريع الى الحد الذي حدثت فيه مواجهات بين قوات السلطة والاكراد في حلب ودمشق ومدن الجزيرة وباختصار كان الوضع متوترا ً للغاية وأصر فائز ..( أفضل ذهابك مع صديقي البعثي ) .
في المساء جاءنا الأستاذ العيساوي مع ابنه الشاب وسيارته المارسيدس الجديدة وعبر الطريق من حلب إلى القامشلي تحدثنا عن الكثير مما كنت لا اعرفه من تطورات في الجزيرة أثناء سفري وقال لي هناك اعتقالات والأوضاع متوترة للغاية وأبدى الرجل إستعداده للمساعدة وكان متوجها ً للفلوجه بينما توجهت أنا إلى كردستان في طريقي للعبور ، وصلنا القامشلي في الساعة الخامسة فجرا ً ومع دخولنا إلى أول شارع في أطراف المدينة استوقفنا حاجز وكنت حينها في مقدمة السيارة بعد ان إستبدل السيد العيساوي بأبنه لقيادة السيارة وجلس هو في الحوض الأخير .
جرى تطويقنا من قبل عدد من الشباب المسلحين وافراد من الشرطة والمخابرات الموزعين على طول الطريق بين الواحد واخر اقل من خمسين مترا ً وتقدم احدهم نحونا وطلب مني الهوية فقدمت له الباسبورت لكنه لم يكن يفهم الأنكليزية فصعب عليه قراءة الأسم وسألني إلى أين انتم ذاهبون؟
قلت إلى القامشلي .
قال الم تسمعوا بالمشاكل في القامشلي؟ إلى أين انتم ذاهبون ؟
قلت لا أية مشاكل؟
قال بدنا نقزي (نقضي) على المشكلي ( المشكلة) من جزورها ( جذورها)..
قلت له أية مشكلة ما الأمر ؟
قال المشكلي المشكلي بدنا نقزي عليها من الجزور... وحرك يديه الواحدة فوق الآخرى في حركة تعبر عن القطع والقص أو البتر...
فقررت استفزاه متسائلا ً عن أية مشكلة تتحدث أنا لا أفهمك ما الموضوع هل نحن في القامشلي أم إننا بطريق الخطأ قد تجاوزنا الحدود نحو غزة أو أريحا ؟ هل نحن في الأراضي الاسرائيلية لا سامح الله وامام جنود اسرائيليين؟
قال اطبق على صفحة الم تسمع بالمشكلة الكورديْيْةْ .. الكورديْيْهْ ومط الياء وكررها ، يقال في العربية لا يجوز التقاء الساكنين.
و لكي لا يستمر في التمادي قلت له تفضل تحدث مع احد كوادر حزب البعث القيادية واشرت للاخ العيساوي فتلعثم العسكري وطلب الصفح سيدي لم أكن اعرف وللحق فان الاستاذ العيساوي وبخه على هذا السلوك المشين...
فإستغليتها فرصة وسألته عن أبو عدنان وهو أهم شخصية في جهاز المخابرات من الذين عملوا مع الاحزاب العراقية في فترة معارضة صدام فقال للاسف مات في حادث سيارة.
سألته عن أبو شهاب زميل أبو عدنان فقال بلا تردد في السجن وقلت له مازحا ً لن أسأل عن الشخص الثالث لأنكم أكيد عدمتموه فضحك ، وغادرناهم متوجهين نحو سوق القامشلي بعد أن مررنا بطوابير من العسكريين الموزعين في كافة الشوارع .

وفي السوق الرئيسية للمدينة ودعت الأخ العيساوي بعد أن شكرته وتوجهت إلى مكتب الحزب الشيوعي العراقي في حي المعلمين.
فوجدت صديقي فرهاد الذي كان عضوا في محلية نينوى للحزب الشيوعي العراقي وأصبح الآن مكلف بادارة مكتب القامشلي مع الصديق حكمت توما توماس وهم من اصدقائي القدامى وزرتهم بصفتي كصديق قديم .. لكنهم فاجئوني بخبر اغلاق الطريق منذ فترة وعدم وجود امكانية للعبور وخلال الساعات التي قضيتها عندهم تعرفت على حجم المشكلة في مدينة القامشلي ، كانت الشوارع شبه فارغة والمحلات مسدودة ونصب حافظ الاسد الرئيسي مغطى بخيمة لا يبدومنه شيئا ً للناظر وعلمت إن المتظاهرين قد تسببوا في أضرار للنصب وهناك قتلى وجرحى ومطاردين وقد بدات المشكلة في الملعب الرياضي الذي كان يشهد مبارات لكرة القدم بين فريق الجهاد لمدينة القامشلي وفريق دير الزور الذي رافقه الكثير من مشجعيه وأثناء المبارات تعالت الهتافات التي تسخر من الكورد وقادتهم مع رمي الحجارة على الجمهور المشجع لفريق الجهاد بينما رفعت صور للمجرم صدام حسين من قبل مشجعي فريق دير الزور وإكتفيت بهذه المعلومة ذات الدلالة العميقة التي تعكس عمق الترابط الوثيق بين هذا الشخص الذي حكم العراق لأكثر من ثلاث عقود والجريمة وتمتمت مع محدثي صيغة معادلة رياضية خطرت إلى ذهني في حينها.. فقلت له :

الجريمة وصدام خطان ملتويان ومتشابكان لا ينفصلان .

في الطريق بعد عودتي من السوق شاهدت صديقي الشاعر إبراهيم اليوسف فتجاوزته من دون أن اصافحه أو اقف معه لأني موقن من إحتمالات أن يكون مراقب فهو من المنتتقدين بعنف لأخطاء الحكومة ومن الذين لا يساومون على الموقف ، فمررت بالقرب منه بسرعة وعكفت إلى شارع فرعي ولحق بي بعد ان تفاجأ بوجودي في القامشلي في هذا الوضع المعقد واتفقنا على لقاء بشكل سريع لأني قلت له سوف أغادر غدا ً صباحا نحو العراق ولم تمضي تلك الليلة من دون أن نلتقي وكان بصحبته العزيز ( احمد حيدر) القاص المعروف وصديق ثالث نسيت اسمه للأسف كان اللقاء قصيرا لكنني فهمت منه أشياء كثيرة وتواعدنا على اللقاء بعد عودتي من العراق...
بعد منتصف الليل رنّ هاتف المكتب وكان على الجهة الثانية من الخط متحدث من فرع المخابرات نقل إلى حكمت خبر امكانية السفر غدا ً صباحا من الساعة السادسة فجرا ً حيث أكد إن الطريق ستكون مفتوحة يوم غد ...

وعند الصباح كنت جاهزا للانطلاق نحو معبر الفيشخابور الذي كنت قد عبرته أيام الأنصار لأكثر من مرة من خلال البلم الصغير الذي يتواجد في الطرف السوري وكان آخرها أيام الانتفاضة حيث كان لي شرف الدخول والوصول إلى الأراضي العراقية كأول عراقي تطأ قدمه ارض الانتفاضة في الأسبوع الأول من آذار وكان معي سعيد دوغات ومُشغل البلم وفي الطرف الاخر عدد من الجحوش المنتفضين مع المدعو عبداللة بينما بقي عدد من الانصار من ضمنهم ( أبو سربت و رحيم الشيخ – حيدر- الوزير في حكومة كردستان الان و الصديق صلاح ترك ) احد كوادر حدك ومسؤول مكتب القامشلي للحزب الديمقراطي الكوردستاني مع عدد من الأنصار والبيشمركة من أنصار الحزبين يتابعون الموقف الخطر حيث لم نكن نعرف هوية الناس في الطرف الثاني ولهذا حكاية طويلة سوف يأتي اليوم الذي أسجل فيها تفاصيلها كشهادة للتاريخ ..
المهم سأتوجه إلى معبر فيشخابور الذي تختزن ذاكرتي الكثير الكثير مما يمكن أن اسطره في صفحات لاحقة وساتوجه من هناك ولأول مرة نحو العراق الجديد المحرر من رجس الفاشست من البعثيين .

استكملنا إجراءات العبور في الطرف السوري كانت وجوه قديمة عرفتها منذ أيام الأنصار من ضمنهم ( يوسف ) مشغل البلم وسائق التيوتا وعدد من العسكريين السابقين مع مجموعة جديدة من العسكريين والجنود يبدو عليهم حسن التصرف و الطيبة ويجيدون فن المعاملة المهذبة وكان تعاملهم ودودا سألني بعضهم عن ( أبو حربي ) وبقية الأنصار الذين تعرفوا عليهم أثناء العبورايام مفرزة الطريق.
كانت عيوني تتجه نحو الضفة الأخرى من نهر الخابور ، ثمة أشياء جديدة هنا حيث جرت في الجانب السوري تسهيل النزول إلى النهر من خلال المنحدر الصعب والحاد بعد ان رصت الطريق بالحصو والأسفلت بشكل بدائي ، وفي الجانب الثاني بدلا من الربايا والموقع العسكري للجيش العراقي ثمة بنايات جديدة تعتبر دائرة حدود مهمتها تنظيم العبور بين الجانبين ...

نزلنا إلى البلم الذي سيقلنا نحو الضفة العراقية ، وخلال المدة التي لا تستغرق أكثر من ثلاث دقائق ، مرّ شريط الذكريات المرة والمؤلمة ... هنا في هذه الأمتار الأولى من الأراضي العراقية من ارض الوطن ، وأنا ما زلت في منتصف المسافة ، من النهر بدأت اشم رائحة الدم من خلال الذكريات المرعبة أيام الأنصار، هنا في هذه البقعة بين النهر واليابسة استشهد اعز الأصدقاء أو اسروا بعد إطلاق النار عليهم من قبل الجيش العراقي ، الذي كان يرابض على الحدود فيطلق النار بإتجاه أية حركة تأتي من الماء قبل أن توطىء القدم الأرض لتنبؤك انك في ارض محرمة منذ السنتيمرات الأولى فيها أو حتى ما قبلها ، ارض الموت والدم المستباح، فأصبت وأنا في منتصف المسافة ، وأنا ما زلت في الماء ، بالدوار وعادت بي الذكريات المشفوعة برائحة الدم ، أسماء ... أبو هديل و ناهل وابو ظفر( الطبيب ) والعديد من أسماء أعزاء سقطوا هنا في هذه الأرض أثناء محاولتهم للعبور ، واعادني المكان لرائحة البارود وانين الموت ...
هاهي تلك الأرض قد تحولت إلى مبنى لدائرة حكومية يديرها جيل جديد من الشباب تتوزع غرفها بين ضبط الأسماء ودفع الضرائب وتحديد المعلومات الخاصة بالزائر البعض من العاملين موظفات في عمر الزهور وبين البنايتين هناك ثمة باب كبيرة يتوقف عندها من ينتظر زائرا ً قادما ً من الخارج ولمحت خلفه عددا ممن جاء لأستقبالي فهاجت عواطفي كنت انتقل من موظف لاخر لأستكمال الأجراءات الروتينية التي دفعتني للمقارنة بين الوضع السابق حينما كانت القوات العسكرية تطلق علينا النار ونحن في عباب النهر وبين هذا الاستقبال المنظم رغم اجراءاته البيروقراطية المملة فإنسابت الدموع على خدي كانت دموع الفرح بهذا التحول الكبير الذي جاءنا بعد التخلص من الدكتاتورية ونظامها البشع..

لكن الموظفة التي ابتسمت لي من خلف زجاج مفتوح قد زلزلت كياني بسؤالها عن عنواني في العراق والى أين أنا ذاهب؟
كان سؤالا ً عاديا ً بحكم العمل من قبلها ، لكنه هزني من الأعماق واختصر كل مأساتي وكثف مسيرة الدم أمامي وبدأت مذهولا ً أمام تساؤلها البريء....
حقا ً إلى أين أنا ذاهب ؟ !... ها قد دخلت العراق فالى أين امضي ؟ .. العائلة أبيدت والدار قد هدمت وأنا منذ ربع قرن مطارد من واد لآخر بين الجبال والكهوف.. ها قد عدت ولكن إلى أين سأمضي؟ هل لدي عنوان أو مسكن أو عائلة؟ فجاة انتبهت كالمصعوق لحجم الكارثة التي حلت بي فوجدت نفسي مرددا ً :
إني ذاهب للقبور الجماعية....
واكتفت الموظفة بالجواب.
غادرتها بخطى مثقلة وحزينة.. هاهو الحزن الذي تحدث عنه مظفر النواب في قصيدته الخالدة حينما قال :

ميلن لا تنكطن
كحل فوك الدم
ميلن وردات الخزامة اينكطن سم
ميلن اشوسع جرح
اصويحب بعطابة ما يلتم .

اوالجواهري حينما انشد ... اتعلم أنت أم لا تعلم ... بان جراح الضحايا فم .

اوالسياب حينما تغنى بقصيدة المطر .

عيناك غابتا نخيل ساعة السحر
أو شرفتان راح ينأنى عنهما القمر
عيناك حين تبسمان تورق الكروم
وترقص الأضواء كالأقمار في نهر
مطر
مطر
مطر.

أو الماغوط حينما يتحدث عن الحزن في ضوء القمر.

وقد رافقني الحزن رغما ً عني وأنا اخطو خطواتي الأولى في ارض الوطن الذي عدت إليه بعد فراق طويل حيث غادرته بشكل فعلي في منتصف عام 1995 بعد إن شبعت من مشاكل الصراع والأقتتال الأخوي في كردستان وكنت ممن لا يستوعبون المساومة وتقبل زمرة الجحوش ووضعها على قدم المساواة مع المناضلين من البيشمركة أو تقديمها عليهم في الكثير من المجالات ، كانت التجربة الكوردية بقدر ما تحويه من تفاؤل وإخلاص فيها من المرارة ما لا يمكن السكوت عليه وحينما يأست من امكانية التغيير خاصة بعد حصولي على معطيات مؤكدة على وجود اندساسات في صفوف الأحزاب الكوردية والحزب الشيوعي العراقي وفي حلقات ومفاصل قيادية مؤثرة تعمل لصالح المخابرات العراقية قررت مغادرة الوطن وهكذا كان خياري في ايار 1995 حينما توجهت إلى سوريا .
وكانت حينها الحرب الدائرة في كوردستان بين الاعدقاء( الأشقاء- الاعداء) في اشدها .. يا للآسف من ذلك الزمن المهدور...

ها أنا اعود بعد تسع سنوات ومع أول زيارة لي بعد سقوط نظام البعث انه العراق الجديد ، عراق مابعد الدكتاتورية فكيف سأرى العراق بعد هذه الغيبة وكيف سأرى مدينتي بعشيقة بعد أكثر من ربع قرن على فراقها؟ ربع قرن من الزمن المر والصعب فقدت فيه عائلتي بكاملها والكثير من أصدقائي وأقربائي وزملائي من أيام الدراسة والكثير الكثير ممن شاخوا وغادرونا بشكل طبيعي وغير طبيعي زمن رافقته حربين مدمرتين وشابه الكثير من القمع المترافق مع توزيع للموت في كافة أرجاء الوطن...

بعد الترحيب بمن جاء لاستقبالي من أبناء عمي وبعض الأقرباء والأصدقاء تحركنا في عدد من السيارات كرتل نحو دهوك..

في منتصف المسافة بين فيشخابور وابراهيم الخليل التي لا تزيد على عشرة كيلومترات صعقتني المفاجاة وأنا أشاهد اكداسا ً من الحديد الخردة مُراكم ْعلى شكل تلال تقترب من علو الجبال بالقرب من الشارع العام تستطيع أن تلاحظ من خلالها الدبابات والمصفحات العسكرية العراقية المقطعة خاصة ماسورات المدافع والطائرات المقسمة إلى نصفين كالبطيخ وأصناف أخرى من الآليات وقطع الذخيرة ، أكوام غير متناهية من الحديد وبقايا الآليات ترتفع كقمة الجبل ،وشكل المنظر صدمة لي فإستفسرت ما هذا قالوا انه حديد خردة يباع للتجار. وأكد فراس الذي كان يقود السيارة يوجد مثل هذه التلال من الحديد في البصرة أيضا ً ويباع هذا الحديد كخردة بسعر ثلاثين دولار للطن ويعاد للعراق كقضبان حديد للبناء بسعر 700دولار للطن....
فتمتمت مع نفسي يا إلاهي لقد تحول العراق إلى خردة واستعادت ذاكرتي أحداث ما بعد الانتفاضة في العراق و كوردستان حيث تم بيع الآلاف من المعدات الثقيلة إلى إيران من قبل قادة وكوادر الكورد وقد شهدت تفاصيل ذلك حينما دعاني العزيز ( أبو باز ) لمشاهدة عملية البيع في مناطق سرسنك و بامرني حيث كانت تباع تلك المعدات الهامة بسعر ارخص من التراب للأسف ممن لا يشعرون بالمسؤولية إزاء شعبهم ومعاناته فإستغلوا الفرصة لفرهدة كوردستان وإفراغها من تلك المعدات الهامة بعد ان قرروا بيعها كخردة لإيران .
هاهي المهزلة تتكرر وبشكل أوسع و أفضع من السابق مع انهيار الدولة العراقية التي خلفت لنا كل هذه الملايين من أطنان الحديد الذي يباع كخردة في التعامل التجاري ، وتمتمت مع نفسي بألم وحزن ... نعم لقد تحولنا إلى دولة خردة !


مررنا بدهوك هذه المدينة المثخنة بالجراح وتذكرت أيام الأنصار والأنتفاضة وبعض اصدقائي ممن اصبحوا مسؤولين عن إدارتها الآن ، ويبدو للناظر حجم التوسع الكبير الذي شهدته المدينة خلال العقد والنصف المنصرم بعد أن تحررت من حكم صدام في أعقاب الانتفاضة التي ترافقت مع دخول صدام للكويت ، ولفتت نظري بناية جميلة جديدة مشيدة على الشارع العام وسط دهوك في منطقة الحي العسكري على الطريق المؤدي إلى نزاركي فسألت فراس لمن هذه الدار الجميلة والفخمة ؟ ضحك .. ومن ثم قال :
تعود لأحد قادة الجحوش من المتعاونين مع صدام حسين.... صدمني جواب فراس.. وتمتمت علىّ أن أدرب نفسي لتحمل المزيد من الصدمات .. أنا الآن في العراق ولست في أوربا ... ولزمت الصمت ..
في الطريق المؤدية إلى باعذرة مررنا بالقرى المهدمة التي كنا نتحرك فيها أيام الأنصار ( نزاركي ، طلوة، افريكي ، جماني، بالطلة ، كلي رمان ، بريفكا ، ، بازيركي ، بيرموس ، شيخ هسن ، مام ازدينا ، بيرموس ) .

وتذكرت ناسها الطيبين ( مام حمو جماني مختار القرية والشيخ شمس الدين والد البيشمركه شيخ علو ، مصطفى من طلوة وابنه الذي استشهد بين يديه ، حسو افريكي وابنه المشاكس مراد الذي كنا نتمتع باكاذيبه واحاديثه المختلقة ) .

و أيضا ً تذكرت العديد من أبناء تلك القرى من الأنصار والبيشمركة (عبد الرحمن بيرموسي شقيق الشهيد أمين عبي ، خالد بالطة، علي شمس الدين ، مهدي بالطة، بهجت ، شيخ سعيد ) ...

وتذكرت العديد من الشهداء الذين سفكت دماؤهم هنا في هذه القرى المهجورة حادثة بيرموس التي ذهب فيها تسعة شهداء1 وحادثة كفري وزير2 والأنزال على مفرزة الحزب الديمقراطي الكوردستاني التي كان يقودها مرزا كورو وخالد بالطة التي استشهد فيها اكثر من ( 15 ) بيشمركة وجرح ما يقارب الثلاثين3..

ومع هذه الذكريات كانت الدموع تنساب من عيني بلا توقف ..
توقفنا في الطريق بعد أن لحقت بنا سيارتان كانتا قد لاحقتنا ونزل منها أصدقاء بعضهم لم التقي به منذ سنوات طويلة ( شنكو النصير ( شفان ) الذي غُيبت عائلته في الأنفال ، فريد عبدا لله الذي اُعدم شقيقه بتهمة شتم الطاغية ،حسين اسود ، ماجد حسن ،وآخرين اعزاء لم التقيهم منذ فترة بعضهم إلتقيته في سنوات العمل السري لمرات محدودة .
جلب انتباهي التغيير الذي حدث في الطبيعة فالمنطقة الواقعة بين دهوك وباعذرة التي كانت تتعرض للقصف المتواصل وعمليات الحرق المستمرة لأكثر من ثلاث عقود والتي كانت قراها مهجورة وجبالها جرداء قد نمت فيها أشجار البلوط وحبة الخضراء وأنواع أخرى من الشجيرات وعاد إليها السكان الذين هجرهم النظام ، وقد تحولت الطريق الترابية إلى شارع مبلط تنشط فيه حركة النقل ،لانه يختصر المسافة بين أربيل ودهوك ..

تجاوزنا باعذرة من دون التوقف فيها وفي الطريق قبل الوصول إلى مقدمة جبل مقلوب طلبت من فراس أن يدخل إلى قرية ( ركابا ) العربية التي يسكنها الحديديون من عشيرة الزهيرات واقرباؤهم ، استغرب من طلبي ، فقلت له توقف لدي أصدقاء هنا كانوا من المتعاونين معي أيام الأنصار وقد ساعدوني كثيرا ً وحينما إنعطفت سيارتنا نحو القرية لحق بنا الآخرون وكانت مفاجأة للجميع ، توقفنا عندهم لبعض الوقت وغادرناهم بعد إلحاح ، بعد أن أكدت لهم إني قادم الآن من خارج الحدود والأهل والأصدقاء ينتظروننا ، لكن لم أستطيع المرور من دون أن أحييكم فانتم أصحاب فضل علي في تلك الأيام الصعبة وانتم مناضلون حقيقيون ضد الدكتاتورية قال احدهم :
عمي لا تفضحنا نحن ( بعثيون )... بعد أن تعهدنا لهم بالعودة في يوم آخر سمحوا لنا بالمغادرة.
فواصلنا الطريق نحو مدينة بعشيقة .

وصلت بعشيقة وبحزاني قبل المساء وكانت أعداد أخرى من السيارات قد لحقت بنا فأصبحنا رتل طويل اخذ البعض من السواق يطلق العنان لأصوات البوق المزعجة ..

طلبت من الذين معي التوقف والتوجه نحو المقابر قبل الدخول إلى بيت عمي وزرت أول ما زرت قبر الشهيد زهير سالم عمر4 ذلك البطل الذي رافقني في أصعب أيام العمل السري ووقفت اذرف الدموع بصمت على قبره ، تذكرت الكثير مما كان يحكيه لي زهير في تلك الساعات الطويلة في الوكر ، تذكرت أحلامه في تلك الأيام القاهرة و استعداده و فرحه حينما يتوجه للقاء حبيبته التي كان يحلم بالزواج منها ، وكيف كان يختار الزمن والوقت في ذلك الزمن العصيب التي كانت تطارده فيها مفارز الموت وهي تتحين الفرصة للايقاع به ، وكذلك قبر والدي وعمي الذين قتلوا بالسم وتوقفت طويلا أمام النقش الذي خطته انامل النحات أبو سمير في تلك الأيام السوداء على الشاخص الذي وضع على قبر أبي بطلب من اصدقائة وهو مقطع من قصيدة للشاعر الشيوعي الثوري ناظم حكمت التي يقول فيها (إذا أنت لم تحترق وأنا لم احترق فمن سيضيء لنا الطريق؟ ) واود إن اقدم شكري واعتزازي لكل من ساهم في تنفيذ هذا المقترح ممن نقلوا ذلك الشاخص في تلك الليلة التي اثبتت وفاء وبطولة كل من ساهم في هذه المهمة الذين تمكنوا من تحويل ذلك اليوم إلى يوم للمقاومة رغم إجراءات الأمن لمنع وملاحقة المعزيين، و انتقلت بين العشرات من قبور أصدقائي وأبناء حارتي الذين افتقدتهم خلال فترة غيابي عن التواجد العلني في المدينة والذي تجاوز الربع قرن ( نظال حجي جمو ، وعبدالخالق حيدر الذي اهدى أبي مجموعته القصصية له والتي نَشرْتُها في دمشق عام 1995، وسلام حسن ،وغانم الياس وشقيقه سالم أصدقاء الطفولة ، حميد دخيل ( ملازم سلام ) من اعز اصدقائي في ألانصار الذي استشهد في كمين غادر في قرية بيبان عام 1986 وقد بذلت عائلته جهودا مضنية في نقل رفاته إلى بعشيقة في حينها، ومشتاق درويش وسلام عبدا لله الذي أعدمه النظام ، واياد سالم الذي اُعدم من قبل مفارز الموت ، ووليد خدر ذلك الشاب الذي قتله ضابط الأمن بعد أصيب بجرح إثناء مطاردته من قبل مفارز الأمن ، وأسماء لعشرات من القبور يصعب تعداد أسماء ضحاياها ... و الأفضع منها غياب تلك الأعداد الهائلة من الأطفال والنساء والشباب من عوائلنا نحن البيشمركة ممن لم نعثر على رفاتهم لحد اليوم حتى في القبور الجماعية وودت حينها أن يكون لهولاء الأعزاء ( أبو سلام وابنه سلام ، دخيل سلو (أبو فارس) ، حسين خرتو ، منيف غانم ، تحسين عيسى ، جنو خلف (حازم ) ، حسين على ( أبو علي) وبقية الشباب والأطفال والنساء ممن يصعب نسيانهم ( أم سرسبت وإبنها سربت وسندس ، أم فارس وابنتها الرضيعة التي ولدتها بعد عشرين عاما ً من الانتظار بعد الزواج ، أم شنكو وزوجته ماشو وابنه كاوار ، وزوجة عمي غالية وابناؤه الستة مناظل وبسيم وعاصف وجمعة ولينا وعاصفة التي ولدت أناء الأسر في الأنفال ، واشقائي الثلاثة خيري وشامل واميل مع والدتي وجدتي وعمتي ، ليلى نون زوجة حسين خرتو ) جميع هؤلاء الذين غيبوا في سجون ومعتقلات النظام البعثي ممن لم نعثر على دليل لهم للان حتى في القبور الجماعية ، كم كانت الحالة تهون لو كان لهؤلاء مجرد قبور؟! ) .
مجرد قبر بين القبور ليس إلا ولكن هيهات لنا حتى هذه الأمنية صعبة المنال في زمن طغاة العصر من المجرمين البعثيين .

عدنا من المقبرة بعد أن كبر موكبنا بأنظمام المزيد من الأصدقاء والشباب له وتوجهنا نحو البيوت الجديدة المشيدة تحت بساتين الزيتون التي كانت تحيط بالمدينة من كافة أطرافها عدا الشمال حيث تلتصق البيوت بمقدمة الجبل التي تنبسط تدريجيا ً في مشهد قل نظيره يجمع ما بين الجبل والسهل والبساتين .
وصلنا الدار وجاءني العشرات من الأصدقاء والأقرباء بعضهم كان يمتحن ذاكرتي أو يستفسر مني أن كنت أستطيع معرفة لمن يعود هذا الطفل أو هذا الشاب وإستمرت الإستفسارات لأيام متتالية وضعت خلالها ضوابط لمنع مجيء البعثيين حيث أعلنت عدم استعدادي لمصافحتهم أو تقبل زيارة احدهم كان هذا بالنسبة لي امتحانا ً نفسيا ً في ذات الوقت كيف يمكن أن أواجه البعثيين بعد هذا الحجم من الجرائم التي ارتكبوها في المنطقة وعموم العراق ؟ كيف يمكن أن أتعامل معهم ؟ وماهو المنطق الذي يبيح أو يمكن فيه تبرير جرائمهم ؟
خاصة وقد سبقني قي الزيارة إلى العرق كل من أبو عمشة وابو سربت وكنت اتوقع أن يقدم البعض من هؤلاء بالاعتذار منهم عمّا مرّ على الأقل لسحب أيديهم من جرائم نظامهم الدموي لكن البعض منهم ما زال مصرا ً على التمادي في ذات الطريق ولم يتراجع عن غيه ويحلم بعودة حزبه الإجرامي للسلطة من جديد واخذ ينشط تحت ستار حزب العودة..

قلت لمن جاءني من وجهاء المنطقة نحن لم نفقد خرافا ً أو مجموعة دجاجات ... بل فقدنا بشرا ً وأعزاء ، والبعض من الجرائم ارتكبت في وضح النهار وأمام الناس .
من طوق الدار التي كان يتواجد فيها زهير معروف ! .
ومن قتل الشهيد وليد معروف !.5
ومن اعدم اياد سالم أيظا معروف !.
ومن قتل سعيد خدر معروف !.
والبقية من المغيبين في السجون والأنفال هناك من يتحمل مسؤوليتهم من كوادر البعث وهم مشخصين لدينا، نحن سنعطي فرصة للقانون كي يحاسب هؤلاء المجرمين على أفعالهم وأمامهم الفرصة لكي يقولوا الحقيقة ويكشفوا لنا عن مصير عوائنا ... نحن لسنا مجرمين مثلهم لكن سوف لن نسكت عن حقنا ومن لا يعجبه الموقف عليه أن يغادر المنطقة ويذهب إلى تكريت أو العوجه للسكن فيها مع أقرانه وذويه من عصابات حزب البعث ، وسكوتنا المؤقت هو لمنح الفرصة للقانون رغم صعوبة الأوضاع التي يمر بها البلد لكن ليفهم الجميع نحن لن نلين وسوف لن نلين والمجرم يجب أن يقدم للعدالة هذا ما نريده الآن وفي المستقبل ....

كان موقفي الواضح يثير البعض ويحرجهم بينما يدفع البعض الآخر للتنفس ويشجعهم في التعبير عن ما يجول في خاطرهم بلا تردد .
في اليوم التالي زرت مقر الحزب الشيوعي ووقفت مندهشا ً من وجود علم الطاغية على سطح المقر وقلت أمام الجميع لا يشرفني أن ادخل المقر تحت هذه الراية الملطخة بدماء الأبرياء ، وحدث جدل سأعفيكم من مضمونه ، لكن أتساءل ما الذي يدفع منظمة حزب شيوعي لرفع علم صدام بعد سقوطه ؟ انه مجرد سؤال قد يكون لا معنى له ولكن يبقى سؤال سأبحث عن خلفياته السايكلوجية في الأيام المقبلة وسأتساءل إن كنا قد إستوعبنا الحالة الجديدة وأدركنا إن النظام قد سقط ! أم إنّ الخوف مازال يعشش في نفوسنا .

تلك اسئلة تصعب الأجابة عليها إلا من قبل مختصين بعلم النفس ممن يستوعبون الحالة النفسية لمن عاش في ظل الإرهاب فكيف بمن ولد ونشأ وتربى في مثل هذه الأجواء ؟!
أجيال ولدت في هذه الفترة الدامية المشبعة بالقمع والإرهاب فعانت من الإنكسار والقهر والخوف والتردد وعدم الثقة بالنفس وتتحسب لكل اجراء ألف حساب ، اجيال مشوهة ومسحوقة تحملت الكثير من أعباء المرحلة السابقة ونزفت الكثير وأصيبت بجرح عميق في النفوس ، ناهيك عما خلفته الحروب من تأثيرات مدمرة ساهمت في نمو الغرائز الحيوانية وفرض القيم الحيوانية على الناس فبات الإنسان يفضل نفسه حتى على أعز ما عنده بمن فيهم أفراد عائلته من أشقاء وزوجة وأطفال ، مما انعكس على حالة التعامل بين البشر وإستسهل الميل للغدر وإبلاغ أجهزة القمع عن الكثير مما يدور بين الأقرباء والجيران لابل حتى على أفراد العائلة الواحدة ، وهي النوازع والصفات التي استغلها النظام في مرحلة حكمه على حساب القيم التي كان يتصف بها شعب العراق من نخوة وشجاعة وطيبة وتسامح ومساعدة للغريب واحترام للجار وحب للعمل وتلهف للعلم والمعرفة...

وفي اليوم التالي دعيت لحضور حفل احتفال الشيوعيين بذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي وكانت المناسبة الأولى بعد سقوط النظام وقد خططوا لحماية موقع الإحتفال واخرجوا الدوريات على بعد ثلاث كيلومترات تحسبا ً من هجوم ارهابي – بعثي وكان الإحتفال متميزا ً وحضره أعداد هائلة من الناس من المنطقة وأهالي القرى المجاورة والتقيت في الحفل بأصدقاء بيشمركة من دوغات وختارة جاؤا مع أبو حربي وابو ليلى لحضور الحفل وقال لي ابو حربي إن مؤتمر الحزب الشيوعي الكوردستاني سيعقد خلال الأسبوع القادم .

مضت فقرات الحفل الجميلة الواحدة بعد الأخرى كان الأجمل فيها قصائد شعر لطفلتين و وجود ( قطو)6 المتصف بالجنون بين المحتفلين حيث كان يوزع شتائمه على البعثيين...

استفزني وجود المختار في الصف الأمامي من المدعووين ، والمختار دخل في وعينا كممثل للسلطة حيث كان يقدم خدمات لأجهزة الدولة في سياق برمجة حركة المجتمع و تأطيرها وفق خطة تخريبية شملت كافة قطعات المجتمع من أساتذة الجامعة ومرورا ً بالسواق والحلاقين وحتى كناسي الشوارع ... فاستغليتها فرصة لمعرفة مدى الإستعداد النفسي لتقبل التغيير من قبل الناس بمن فيهم الشيوعيين وقلت لهم :
المختار كان ممثل للسلطة ويجب أن لا يكون في المواقع الأمامية من الحفل أردت بذلك أن امتحن إرادتهم في الإستعداد للتغيير وخلق البديل وقلت لهم ينبغي أن لا يجلس المختار في الصفوف الأمامية قطو المجنون هو أحق منه للجلوس في هذا المكان ، وقد خلق هذا الموقف نقاشا ً متباينا ً بين الذين يشرفون على الحفل وقد حسم الموقف احدهم حينما طلب من المختار التراجع للصفوف الخلفية وأجلس قطو في مكانه وقد لفت ذلك انتباه الجمهور الذي إقترب من الالفين من ضمنهم إعداد كبيرة من النساء والفتيات ، وقد خرجت من تلك التجربة بقناعة تامة إن التغيير في العراق يواجه صعوبات في غاية التعقيد لا يمكن تجاوزها بسهولة أمام حجم الخراب الذي حل في النفوس حيث كنت في تلك التجربة اختبر مدى قدرة واستعداد الناس للتغيير وخلق البديل رغم قناعتي إن المختار ليس من الذين يمكن تصنيفهم بالبعثيين فقد كان معلما ً ولا يوجد ما يؤكد على اندفاعه في التعامل مع أجهزة القمع....

في اليوم التالي قررت زيارة عدد من العوائل التي فقدت أبناؤها على أيدي أجهزة القمع ومفارز الموت وقررنا أن نسير بين البساتين إختصارا ً للزمن ولمشاهدة أشجار الزيتون التي كنت التقي فيها بالعشرات من أعضاء التنظيم السري في زمن الإرهاب وبالعشرات من الرافضين للحرب ، تلك البساتين التي كنا نجلس تحت ظلال أشجارها لنقرا فيها ونتابع دروسنا منذ الطفولة في مرحلة الصبا ، وكانت من الكثافة بحيث لا تدخلها أشعة الشمس خاصة في ما كنا نسميه بستان العتمه أي بستان الظلام لكثرة أغصانه التي تحجب أشعة الشمس وتمنع وصولها إلى الأرض لهذا كان يرتادها الآلاف من العوائل من الموصل وأطرافها في الربيع والصيف عبر سفرات عائلية متواصلة وكان من الصعب على البعض الحصول على مكان فارغ رغم ضخامة مساحة بساتين الزيتون وكثرة أشجارها الممتدة من الشرق إلى الغرب على امتداد أكثر من عشر كيلومترات على شكل قوس يمر بجنوب المدينة.... ومع وصولي لحافة البستان ومشاهدتي للأشجار الأولى أصبت بالصدمة من هول ما رأيت فقد فاجني منظر الأشجار الحزينة التي كانت تحكي قصة لا تقل إيلاما ً مما حل بالبشر .
هاهي الأشجار بلا اغصان ...
اشجار مجردة من أغصانها لم يبقى منها إلا عيدان ملتوية أو مائلة في حالة يرثى لها وعلى الأرض ثمة آثار لحفر غير منتظمة قطر بعضها أكثر من خمسة أمتار ... ما هذا ؟ ما جرى للاشجار ؟ أين البساتين؟!

اسئلة كانت تدمي القلب تبحث عن إجابة لما حل بتلك البساتين الجميلة.. .. قال لي نائل ابن عمي الذي يتحدث بالأقتصاد ولا يميل بطبيعته للحديث الطويل ... ماذا جرى لها ؟ !
انظر هذه الحفر جميعها لصواريخ قذفتها الطائرات الأمريكية على منصات إطلاق الصواريخ المتحركة للجيش العراقي التي كان يخفيها النظام بين البساتين فيطلقون نيرانها غير المجدية على الطائرات الأمريكية ومن ثم يسحبونها إلى أماكن أخرى في الحال فتعود الطائرات لتوجه نيران صواريخها الفتاكة والمدمرة نحو هذه المنصات المتحركة فيسقط مع كل صاروخ العشرات من الأشجار وتقطع المئات من الأغصان وهذه هي أحدى مخلفات الحرب ومضى يصف الحال بأسلوبه الساخر صدام والبعثيين كانوا يقاتلون الأمريكان بالبشر والأشجار من خلال شعار كل شيء من اجل المعركة ، وقد ( استشهدت ) الأشجار كما يستشهد البشر......

مررنا بشكل سريع من بين هذه الخشبات التي مازالت واقفة لتحكي لنا فصلا آخر من فصول الجريمة التي خلفها لنا البعثيون كشاهد على أنقاض بستان كان من أجمل بساتين الزيتون الذي له من العمر أكثر من ستة آلآف سنة .

وصعدنا باتجاه البيوت القديمة التي كانت تحكي بدورها شيئا ً جديدا ً من فصل المأساة التي حلت بهذه المدينة الصغيرة فالعشرات من بيوتها قد تهدمت والآخر قد شاخ وهرم أكاد أحس ببكاء جدرانها وأنينها وهي تميل للسقوط وكان البعض مازال يسكن بين هذه الجدران التي قد تنهار عليه في أية لحظة فيخسر نفسه وأطفاله وهو مجبر بالبقاء فيها بحكم حالة الفقر التي انتشرت بين الملايين من الناس في فترة حكم البعث التي انتزعت لقمة الخبز من أفواه الناس في عملية مبرمجة ومنسقة خطط لها المجرم صدام حسين من خلال نظريته الكلبية التي يؤمن بها وقد سمعته يقولها لاحد الرعاة من خلال التلفزيون حينما كان يزور كورد ستان في مناطق سرسنك عام 1989.. عندما توقف أمام راعي وقال له ناصحا ً كاكه جَوّعْ غنمك كي يتبعك.... موهيج ؟... الغنم من يجوع يتبع الراعي ... وبلا شك كان صدام يطبق هذه ( النظرية) وهذا المفهوم في تعامله مع الشعب ومن هنا يمكن أن نفسر الإنحدار المريع في ا لوضع الإقتصادي لعموم الشعب العراقي منذ أن أصبح المجرم صدام في الموقع الأول للدولة وحزب البعث وما أشاهده من فقر ومعاناة امامي في بعشيقة اليوم هو نتيجة لتطبيق لهذا المفهوم الفاشي في التعامل مع الناس.
في اليوم التالي تواصلت لقاءاتي مع عدد من الشباب الذين كنت التقي بهم أيام العمل السري في البستان ليلا ً وكانت لقاءات سريعة نتبادل فيها المعلومات ونفترق بعد أن استلم منهم ما احتاجه من مستلزمات ضرورية للبقاء قبل أن أتوجه نحو مخبئي في الجبل حيث لا اخرج منه إلا في اليوم التالي ليلا ، وتواصلت هذه الصيغة من العمل طيلة سنوات الحرب العراقية الإيرانية ، وكان من بينهم شاب هو شقيق لشيوعي من زملائي في العمل السياسي منذ أيام اتحاد الطلبة العام في مطلع السبعينات ،إستمريت التقي به خلال تلك المرحلة ... ها أنا أشاهدُ وجهه لأول مرة في وضح النهار رغم تكرار لقاءاتنا طيلة تلك السنين.. فماذا أرى ؟ أمامي شاب أشقر الوجه يميل للإحمرار في الوقت الذي كنت أعتقد إنه اسمر اللون كأشقائه وكانت مفاجأة وصدمة أخرى قد تكون بلا معنى أو غير ذات قيمة للقارىء لكنها تعني الكثير لي لأنها تعكس جانبا ً من حياة القسوة والقمع الذي مررنا به في تلك السنين العجاف حينما كنا نتواصل في لقاءاتنا ولسنين طويلة في جنح الظلام من دون أن يرى احدنا وجه الآخر أين يحصل هذا؟ ما عدا في عراق البعث!
وفي ذات اليوم عصرا ً جاءني عدد من وجهاء منطقة الشيخان يشكون معاناتهم من بعض ما يلاقونه من سوء تعامل من بعض مسؤولي الأدارة في كوردستان من بينهم عدد من البيشمركة الذين كافحوا في صفوف الأنصار أو من ذوي الشهداء واكدوا إن معاملاتهم لم تنجز وتؤجل بحجج واهية منذ سنوات ، نصحتهم بتشكيل وفد للقاء بالمسؤولين في حكومة كوردستان واقترحت عليهم طرح كل مشاكلهم بلا خوف وأمام أي مسؤول في كان فنحن الآن نواجه حكومة كوردية ويجب أن نتعامل معها بلا وجل نعم توجد نواقص وأخطاء وزمن و طاقات مهدورة ،لكن يجب أن نواصل الكفاح لتحقيق مطالبنا المشروعة ، وهذه ليست منّة من احد فالجميع كافح وناضل وضحى ويجب أن لا تكون الامتيازات للذين كانوا في صفوف الجحوش أو من الذين عملوا مع أجهزة القمع هذه المعادلة يجب أن تتعدل لصالح من نزف وتعذب واتفقنا على تشكيل وفد لطرح مشاكلهم بما فيها مشاكل قراهم وموضوع الخدمات...

في الاسبوع الثاني قررنا التوجه إلى منطقة اسماقولي ( التي كانت قد قصف بالكيمياوي في ربيع عام1987) لنقل رفاة الشهيدين كواش خدر علي (أبو سمرة) الذي كان مسؤول الحماية في مقر اللجنة المركزية في بغداد وخليل سمو خلو(أبوفالنتينا) عضو لجنة محلية نينوى ، وقد استشهدا بتاريخ 29/4/1979 أثناء محاولتهم للأ لتحاق مع مجموعة من الملتحقين الراغبين للوصول الى المناطق الآمنة في كوردستان .

توجهنا إلى اربيل في موكب من ست سيارات وكان عددنا (26 ) شخصا ً بضمنهم عازف الزرنا علي خدر الذي تحدثنا عنه سابقا ً يوم تحرير بعشيقة وهو شقيق الشهيد كواش وصارم ابن الشهيد أبو فالنتينا مع عدد من الشيوعيين من أصدقاء الشهيدين وعدد من الشباب بضنهم النصير صالح سلو (ابومهدي) الذي كان قد جاء من امريكا في حينها .
كانت جلسات مؤتمر الحزب الشيوعي الكوردستاني في يومها الأخير ، فواصلنا ، بعد ترتيب الآمر مع العاملين في المقر ، الطريق نحو مدينة ( كويسنجق ) وإستقبلنا الأصدقاء في المقر استقبالاً حارا ً وابدوا استعدادهم للمساعدة ورافقنا إلى حيث وادي اسماقولي عدد من الحراس مع مسؤول المقر وبعد مسير ساعتين بالسيارات مررنا فيها على مرتفعات هبة سلطان وتجاوزناها إلى الجهة الثانية كانت الطريق مرصوفة بالحصو ولم تبلط بعد في الجهة الثانية من الجبل التي تنعطف نحو وادي اسماقولي .

في اسماقولي رحب بنا الأهالي بحرارة ورافقنا العديد من الشباب مع رجال كبار في السن وواصلنا مسيرنا على الاقدام لأكثر من ساعة بعد على شكلنا مجموعتين الأولى تتسلق الجبل إلى قبل قمته وكانت الطريق اليها صعبة للغاية حيث يرقد الشهيد ابو سمرة الذي شاهد جثته راعي شهم وأخفاه بين طيات ذلك الجبل الأشم كانت الجثة كما هي ممددة بين الجرف الصخري للجبل وقد نبتت شجرة بلوط بجواره تشابكت جذورها مع بقايا جثته الممددة وبعد لمسها انفصلت عظامه الواحدة عن الأخرى لأول مرة من المفاصل منذ استشهاده قبل أكثر من ربع قرن كانت لحظات مؤثرة رافقتها الدموع ، والفضل يعود لذلك الراعي الشهم الذي كان قد تجاوز الستين من عمره وقد رضخ لألحاح أبو مهدي حيث اقنعه و ساعده في الوصول للقمة بعد إن جلب له حصان. كي يرشدنا الى مكان الشهيد لنعيده إلى مسقط رأسه مع رفيقه أبو فالنتينا ، وبعد عودة المجموعة من قمة الجبل كنا نحن نواصل الحفر بالقرب من مقبرة إسماقولي التي دفن فيها الشهيد أبو فالنتينا .

عدنا متعبين إلى كويسنجق وبتنا ليلتنا هناك في المقر، وفي اليوم التالي توجهنا إلى اربيل وكانت جلسات المؤتمر قد انتهت إلتقينا قادة الحزب الشيوعي الكوردستاني الجدد وحشد من الكوادر الذين ساعدونا في الحصول على توابيت وضعنا فيها رفاة الشهيدين ملفوفة بالأعلام الحمراء وبعد ذلك غادرنا أربيل نحو بعشيقة ، بعد أن اتفقنا على موعد للعودة الى وا للقاء بقيادة الحزب الشيوعي الكوردستاني وحددنا التاريخ في الثامن عشر نيسان .

كانت الطريق مزدحمة والتفتيش شديد وبعد جهد مع المشرفين على السيطرة تجاوزنا الرتل الطويل وتوجهنا نحو الطريق المارة بمخمور و الحمدانية ومن ثم برطلة حيث ينتظرنا موكب طويل لايمكن إحصاء عدد سياراته التي كانت تمتد على طول الطريق من مفرق الخزنة إلى بعشيقة وبحزاني من شيوعيين ومواطنين ورجال دين كان في مقدمتهم كبير القوالين ومع الغروب كانت الجماهير المحتشدة تسير بالموكب على انغام الموسيقى التي يتقدمها العازفون الدينيون من القوالين ، وكانت بحق لحظات مؤثرة وتواصلت إقامة مراسيم العزاء في اليوم التالي وكان يوما ً للوفاء للشهداء عكسته الجموع الغفيرة التي ساهمت في التشييع ومراسيم العزاء المشترك للشهيدين .

في يوم التعزية الذي شهدتُ فيه لقاء أعداد كبيرة من الشيوعيين والمواطنين من أهالي المنطقة والآتين من الموصل وبرطلة وتللسقف ودوغات والشيخان وغيرها من القرى لاحظت وجود الكثير من المعاقين من مختلف الأعمار والغالبية تعرضوا إلى حالات جلطات أدت إلى اصابتهم بالشلل والإعاقة بدرجات مختلفة وبعيدا ً عن التخصص الطبي والمعلومات العلمية المتعلقة بهذا النوع من المرض سواءً أكانت أسبابه وراثية أم غيرها من العوامل لا يمكن إغفال تأثير سنوات القهر والقمع التي مرت على هؤلاء البشر ويتحمل البعثيون المسؤولية عن كثرة الأصابات بالجلطات القلبية وهي جريمة تضاف إلى سلسلة جرائمهم بحق الشعب والوطن.

في اليوم التالي دعتني منظمة الحزب الشيوعي العراقي إلى حضور ندوة مفتوحة حضرها أكثر من ( 70 ) من الشيوعيين وأصدقاؤهم وعدد من المثقفين الشباب ممن يصدرون صحف ومجلات في بعشيقة ، تركزت الندوة حول مشاكل المنطقة وقلة الخدمات والمعاناة من ازدواجية العلاقة بين الموصل وكردستان وفرض مجلس بلدي مشوه على سكان المنطقة بدون انتخابات تسلل إلى صفوفه عدد من المتعاونين مع أجهزة القمع من العهد أ لمقبور، مع صعوبات تواجههم في قيادة المنظمة ومسعاهم لتغيير مسؤول منظمتهم الذي وجهت له إنتقادات ويسعى البعض لتبدليه وتحديد الموقف من الذين تورطوا في التعاون مع أجهزة السلطة القمعية وطلبوا مني التدخل والمساعدة .. جلب انتباهي هذا النقص الكبير في اللقاء حيث يفتقد الحضور للعناصر النسائية وهي مشكلة لم يتوقف عندها من يقود المنظمة وحاولت أن أكون حياديا ً في تحديد الموقف ودعوتهم لمعالجة مشاكلهم من خلال كونفرس قادم يتم فيه تقييم العمل بشكل موضوعي وتحديد البديل الأفضل و أكدت قناعتي التامة بوجود كفاءات كبيرة لقيادة المنظمة في الوضع الجديد وبينت أهمية العمل وفق صيغ تضمن الابتعاد عن اسلوب العمل الفردي البيروقراطي وعدم التسرع في توجيه تهمة العمالة للبعض لأنها تتطلب توفير معلومات أو وثائق أو معطيات مؤكدة مع ضرورة وجود لجنة تحقيقية حيادية تبت في الموضوع مع ضمان حق الدفاع المطلق للشخص كي لا يصاب بالغبن وقلت أنا مع الرأي الذي يؤكد استبعاد من تورط في التعامل مع اجهزة الدولة من قيادة العمل وعدم منع أي شخص من التواجد أو التردد على المقر ودعوتهم لترتيب أوضاعهم والأستعداد إلى اللقاء المباشر مع قيادة الحزب الشيوعي الكوردستاني في أربيل بعد أيام .
وهكذا تم الإستعداد للتوجه من خلال وفد حزبي وشعبي للقاء ضم أكثر من ( 26) شخص بين شيوعي وصديق لهم مع القدامى استقبل الوفد بحرارة من قبل قيادة الحزب الشيوعي الكوردستاني وفي المقدمة منهم السكرتير العام للحزب الجديد الدكتور كمال شاكر و بمشاركة دلمان ورحيم الشيخ من المكتب السياسي مع عدد آخر من قيادي الحزب واستمر اللقاء أكثر من ثلاث ساعات تمت فيه تقديم التهاني للقيادة الجديدة من قبل الوفد وجرت مناقشة مستفيضة لما كان يرغب البعض في نقله إلى قيادة الحزب ووعدوا بمعالجة ما يمكن معالجته وقد الح الوفد على ضرورة عقد كونفرس للمنظمة فوعدهم كمال شاكر بمعالجة الأمر مع قيادة الحزب الشيوعي العراقي في اقرب فرصة ممكنة وبعدها توجهنا إلى احد مطاعم اربيل بصحبة دلمان وسط تعليقات مرحة للبعض الذي كان مطاردا ً لسنوات طويلة بسبب انتماؤه للحزب حيث أكدوا أنها أول مرة ندخل فيها في موقف يصرف فيها الحزب علينا لأننا تعودنا العكس فقط أن نضخ للحزب التبرعات والإشتراكات ووعد البعض تعويض الحزب بالمزيد من العمل والتفاني في خدمة الحزب لقاء هذه الوجبة الدسمة ... على كل حال كان يوما ً جميلا ً أردت من خلاله أن يتعود البعض من الشباب على مواجهة القياديين بما يجول في ذهنهم من آراء وخواطر وهو ما لم يتعودوا عليه بحكم مرارة التجربة القاسية للعمل السري في مرحلة الدكتاتورية ..

في اليوم التالي توجهنا إلى مدينة الموصل ومررنا على الأسواق في باب الطوب اشد ما لفت انتباهي في زيارتي للموصل بعد هذه السنوات الطويلة من الأختفاء والمغادرة حيث غادرتها في نهاية ( 1978) هذه الفوضى في سير العربات والناس والحواجز الكونكريتية الموضوعة في الشوارع وامام المؤسسات الرسمية بما فيها بناية المحافظة واكوام الأوساخ والنفايات المتراكمة في الشوارع وكثرة الذباب المنتشر في كل مكان والذي بات لا يشكل إزعاجا ً للناس بعد أن تكيفوا مع تواجده الكثيف وكان هذا يقلقني للغاية .
وبعد مرورنا بأسواق باب الطوب الرئيسية سألت عدد من الباعة من أصحاب المتاجر والدكاكين عن حالة البيع والشراء الآن قياسا ً لما سبقها في فترة حكم البعث والجميع أكد إن حجم البيع والشراء أفضل .. توجهنا إلى مقر الحزب الشيوعي في الموصل في منطقة باب الجديد كان المقر في بناية مواجهة للساحة المكشوفة التي تفصل باب البيض عن باب الجديد توقفت سيارتنا أمام الباب ودخلنا إلى المدخل كان ثمة شاب وحيد لا يتجاوز السابعة عشر من العمر طلب مني التوقف للتفتيش ، وقفت أمامه واستعد هو لتفتيش جسدي على الطريقة الشرقية وخلالها وضع بندقيته على الدرج كي يستخدم كلتا يديه في تطويق جسدي فإغتنمت الفرصة للأستحواذ على بندقيته وطلبت منه الرضوخ لارادتي وصعدنا الدرج نحو الغرف في الطابق الأعلى ، كان احد الشباب يتوسط منضدة الأستعلامات وفي الغرفة الثانية عدد من الشيوعيين القدامى المصابين بالجلطات من المعوقين بينهم الخباز المشهور أبو طارق قلت للحارس عليك ان تكون منتبها ً ولا تضع بندقيتك جانبا ً وسلمتها له مع انتقاد موجه للشخص الذي يجلس وراء الطاولة وقلت له عليكم ان لا تستهينون بالحراسة ويجب أن تُدربوا من يقف في الباب للحراسة على حسن التصرف و أن تعتمدوا على المتدربين في حماية المقر ، سكت من دون أي تعليق وفي الغرفة التالية أمضينا بعض الوقت مع أبو طارق وغيره من الشيوعيين القدامى واربعة شباب احدهم كان آتيا ً من لندن ، وحضر أيضا ً الكاتب المعروف طلال حسن وهو من اقرب أصدقاء والدي وقد عملوا معا ً لسنوات طويلة في إدارة مكتب طريق الشعب وصحيفة الفكر الجديد وكلاهما كان يكتب قصصا ً للأطفال .

خرجنا من المقر عصرا ً ومررنا بشارع المكتبات لم ارى من خلال قراءتي لعناوين الكتب المعروضة إلا تلك العناوين التجارية لمجموعة كتب عن الأبراج وتفاسير الأحلام والبقية الباقية كانت كتب إسلامية مطبوعة بشكل رديء وعدتُ لأول مرة في حياتي من جولة في المكتبات من دون أن اقتني ولو كتابا ً واحدا ً..
غادرنا الموصل وعدنا إلى بعشيقة ، وفي الساعة العاشرة ليلا ً جاءني من يقول لي هناك ضيوف في الباب يودون الدخول مع احد الاصدقاء طلبت منهم ادخالهم كانوا مجموعة من شباب الموصل أتوا منذ العصر لزيارة صديق لهم في بحزاني من بينهم صديق لي من الموصل منذ عام (1975 ) من عائلة هبالة المعروفة ، كان معي في صفوف اتحاد الطلبة العام وقد سأل مضييفه بالصدفة عني ، فقال له أني عدت من الخارج وأتواجد في بيت عمي الآن. جاءني على الفور ومن معه وكان احدهم في حالة نشوة بعد إن احتسى ما امكنه من عرق بعشيقة المشهور ، فرحت للقاء صديقي الذي فارقته منذ عام 1978 واعدنا بعضا ً من ذكرياتنا وسألته عن آخرين اصدقاؤنا في تلك المرحلة وو عدته بزيارة خاصة الى الموصل...

وأثناء تقديم الشاي لهم تحدث احد الضيوف الذي لم أكن أعرفة ولم التقي به سابقا معربا ً عن حبه لصدام حسين وإعتزازه به واخذ يسهب في وصف سجايا صدام حسين ومقاومته لأمريكا وسط تحليق عيون الآخرين لردود فعلي على الموقف والبعض من أبناء عمي قدّر احتمال أن اقوم بصفع هذا الشخص بحكم معرفته بي وبموقفي من الطاغية وكذلك تداخل احدهم محذرا ً الضيف من التمادي في مدح صدام بحضوري فقلت ضاحكا ً دعوه يتحدث بحرية .. راح اليوم الذي كنا فيه نرد على مثل هكذا موقف بالرصاص أثناء عملنا في فترة الانصار الذي مارسنا خلالها العنف المرافق للكفاح المسلح .. الآن سقط النظام ولا يشكل صدام شيئا ً مهما ً لي كما لم يكن يشكل شيئا ً في فترة تسلطه دعوا الأخ يعبر عن رأيه بكل حرية لعله يكون على صح ونحن على خطأ وبدأت اعدد له ما فعله صدام وزبانيته وكيف هو سهل مهمة أمريكا في احتلال العراق وعواقب فترة حكم البعث وقارنت ذلك مع الإمكانيات الاقتصادية للشعب العراقي التي بعثرها صدام في حروبه وطبيعة الأنظمة التي تحكم في أوربا وما تقدمه لشعوبها من ضمانات اجتماعيه وحرية تعبير وخدمات فأخذ ضيفي يلعن صدام وحزب البعث في الحال وسط ضحك المتواجدين ....
فاغتنمتها مناسبة لسؤاله عن عمله فقال أنا شرطي ومسؤول عن التعيينات الجديدة في سلك الشرطة في الموصل الآن ، وتحدث لي عن أسلوب التقديم المتخلف الذي يستغله البعثيون في ارسال عدد من زبانيتهم للعمل في سلك الشرطة الجديد واتفقت معه على تعيين عدد من الذين يرغبون في الإنتساب لسلك الشرطة ووعد بتسهيل أمرهم وبعد أيام تكرر لقاء ِ به في الموصل وقد اوفى بوعده ..
لكن .. يا للأسف لمن يدير شؤون العراق الجديد من الذين يهتمون بالسرقات ولا ينتبهون لهذه الثغرات في العمل.
الايام الباقية قضيتها في زيارة عوائل الشهداء والمتضررين والمعوقين كنت أمر على عدد من البيوت في كل يوم فزرت عائلة أسود حسين ( أبو إبراهيم) الذي اعتقل في نيسان1979في بغداد وقد عثر على اسمه في قائمة للمعدومين وكان عاملا ً يحرس بناية شركة ، وكذلك عائلة أبو سلام ومن ثم والدة وليد وام أياد وعائلة سعيد والعشرات من المنكوبين كنت أثناءها ادخل الدار واخرج منها وأنا اذرف الدموع .. كانت دموعي تسيل على مدى أيام بقائي الذي اقتربت من الشهر وإكتشفت خلالها سرا ً من أسرار تكوين الإنسان وقدرت عينيه العجيبة على انتاج وذرف الدموع ، العين رغم صغرها قادرة على إنتاج انهار من الدموع شرط أن تكون عين عراقية لأنها تنهل من الجرح والوجع العراقي البليغ و العميق و اللامحود.

وتذكرت مقطع من قصيدة لشيركو بيكس يقول فيها :

سأسحب السماء إلى الأسفل
أنادي الرب على الأرض
كي اخبره
ها هو الجحيم هنا
وهنا سيصبح الفردوس واقعا ً.


غادرت وطني الجريح .. كانت أشجاره بلا أغصان.. لم يبقى لي من خيارٍ إلا أن اواصل ذرف الدموع كي تورق الأشجار من جديد..







صباح كنجي
تشرين الثاني/2006
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- حادثة بيرموس. بيرموس قرية مهجورة منذ الستينات اتخذها الأنصار الشيوعيين مقرا ً لهم وتواجدت فيها لسنوات طويلة قيادة محلية نينوى للحزب الشيوعي العراقي لغاية منتصف السبعينات وقد حدثت فيها العديد من المعارك البطولية المشهودة .... لكني اقصد في هذا الموضوع حادثة القصف المباغت بالطيران في كلي كورتك الذي استهدف مفرزة الأنصار الشيوعيين وقد استشهد فيها تسعة أنصار هم كل من: طلال،سلمان، سعد، ملازم نبيل، أبو ماريا، ابوهلال.
2- حادثة كفري وزير. كفري وزير وادي في مواجهة قرية بيرموس كان يتردد عليه الأنصار للراحة والاختفاء وشهد معركة بطولية غير متكافئة بين مفرزة من الأنصار الشيوعيين تابعة للفوج الأول مراني ، استشهد فيها النصير نشتمان من باعذرة وجرح فيها عدد من الأنصار بجروح بليغة كان من بينهم البطل مكسيم من قرية شيخكة الذي اصيب ب(65 )شظية في جسمه وبقي يقاوم بالعفاروف الطائرات وأدت مقاوته البطولية إلى تقليل الخسائر وإفشال محاولات الإنزال لتطويق المجموعة المقاومة
3- حادثة مفرزة حدك. اقصد بها الحادثة البليغة التي تعرضت لها مفرزة من الحزب الديمقراطي الكوردستاني التي كان يقودها مرزا كورو وخالد بالطة بعد رجوعهم من عملية في مناطق الشيخان حيث تابعهم طيران الجيش في اليوم التالي وقد ظفر بهم في عصرذلك اليوم ونشبت معركة غير متكافئة أدت ، رغم البطولة والمقاومة للعديد من البيشمركة من ضمنهم عيسى طاشيكي الذي استمر يقاوم الأنزال مع محمد خالد ومرزا كورو وعدد قليل من غير المصابين ، الى استشهاد اكثر من عشرة البيشمركة وجرح أكثر من 25 كانت جراح غالبيتهم بليغة وتمت في حينها نجدتهم من قبل مفرزة صغيرة من انصار الحزب الشيوعي العراقي بأمرة كاتب هذه السطور حيث تم نقلهم بالجرارات إلى مقر مراني للحزب الشيوعي العراقي وساهم في إنقاذهم ولعب دور في نقلهم الانصار جياي وجاسم سواري الذي استشهد في ذات اليوم بعدايصال الجرحى إلى قرية جمانكي ،بعد ان غادرنا كي يغسل ملابسه من آثار الدماء فوقع في كمين للجحوش من قرية سواري الذين أطلقوا عليه النار بغزارة وفارق الحياة في الحال وكنا نحن نواصل نقل جرحى الحزب الديمقراطي الكوردستاني إلى مقرنا في مراني .
4- زهيرسالم عمر( مفيد) . بطل من أبطال العمل في الداخل انتسب لصفوف الحزب الشيوعي منذ أن كان طالبا ً في دار المعلمين في الموصل عام 1983 ونفذ العديد من المهام بشجاعة اعتقل وعذب أكثر من مرة واعتقلت عائلته ايظا ً وصمد بوجه الجلادين وواصل عمله بعزيمة اكبر وبتاريخ6/4/1990 طوقت الدار التي كان يتواجد فيها من قبل جلاوزة البعث من أفراد الشرطة والأمن وقاوم ببطولة مشهودة رغم اصابته بجرح لكنه رفض الأستسلام واطلق على نفسه الرصاصة الأخيرة وتم تشييعه من قبل جماهير المنطقة رغم محاولات السلطة لمنع مراسيم الدفن والعزاء .
5- وليد خدر علي.. شاب في مقتبل العمر تعرض للملاحقة والمطاردة من قبل جلاوزة البعث انتسب لصفوف الحزب الشيوعي العراقي إثناء فترة الحرب العراقية الايرانية وعمل في صفوف رافضي الحرب تمت ملاحقته من قبل جهاز الامن واطلق عليه النار في وضح النهار بتاريخ14/تموز1992 واصيب بجرح وإثناء نقله إلى المستشفى في الموصل لعلاجه تبعه مدير امن بعشيقة محمد حسن عمير من أهالي الحويجة ، والمقدم محسن القيسي مسؤول شعبة مكافحة المنطقة الشمالية وهو شقيق داؤد القيسي مهرج النظام وصاحب اناشيد الحرب والموت ، والمدعو عجيل العجيل من مديرية امن الموصل وتم اثناؤها زرقة بإبرة قاتلة قائلين له خلي صباح كنجي يفيدك وينقذك ولهذه الحكاية الموثقة شاهد مازال حيا ً يرزق .
6- قطو .. رجل مصاب بخفة العقل لم يسلم من إجراءات السلطة وممارساتها القمعية ،حيث تعرض للضرب المبرح أثناء زيارة عزة الدوري إلى بعشيقة في عيد الطوافات الذي يقام في نهاية فصل الربيع ويبدو إن شخصية عزت لم تعجب قطو الذي استطاع من التقرب إليه وخاطبه أمام الجمهور ( يقولون عنك انك لا تحل ولا تربط ،فلماذا تنفخ نفسك وما الداعي لكل هذه الحماية؟!!).... فإنهال عليه أفراد الحماية بالضرب المتواصل وكاد أن يموت لولا تدخل البعض وتأكيدهم انه مجنون.




التعليقات
- 16067166 visitors
Designed by NOURAS
Managed by Wesima