لمراسلتنا أرسل الى صديق أضف الى المفضلة اجعلنا صفحتك الرئيسية
الرئيسية
English Articles
اللغة
التاريخ
الآثار والتنقيبات
مدن كوردية
ثقافة
التراث
شخصيات كوردية
بيستون
الجمعية النسوية للكورد
جمعية الكورد الفيلية
من نحن
مقالات
الملف الشهري
مقالات كردية
اخبار كوردستانية
نشاطات الفيلية
المرأة والأسرة
ملتقى الغائبين
شؤون كوردستانية
دراسات
مكتبة كلكامش
 
 
08072014  -  01:48:25 PM
ثقافة
مأساة الأنفال في الرواية الكوردية المعاصرة -جميع الحلقات
مأساة الأنفال في الرواية الكوردية المعاصرة 3
مأساة الأنفال في الرواية الكوردية المعاصرة 2
مأساة الأنفال في الرواية الكوردية المعاصرة 1
د. عادل كرميانى
الأثنين 19/11/2012
تمهيد :

عانى الشعب الكورد في جنوب كوردستان خلال الربع الأخير من القرن الماضي العديد من المآسي الأجتماعية والأقتصادية والسياسية بسبب السياسة العدوانية الرعناء للنظام السابق المقبور تجاه حقوق هذا الشعب المسالم الذي كان - وسيكون - من الحريصين على تعزيز آصرة الأخوة الكوردية العربية، وكان الشعب الكوردي مخلصاً للدين الإسلامي الحنيف الذي يعتنقه غالبية الكورد منذ اربعة عشر قرناً، وقدمَ في سبيل نشره وديمومة انتصاراته العديد من التضحيات الجسام، وكان من الكورد قادة إسلاميون عظام في ميادين الفتوحات الإسلامية من امثال صلاح الدين الأيوبي ورواد فكر وثقافة من امثال ابن خلكان وابن الأثير وابن سيرين وابن المستوفي وآخرين خدموا باقلامهم الفكر والدعوة الإسلامية الشريفة في عصرهم، وتلتهم قافلة كبيرة من الشخصيات الكوردية التي خدمت الدعوة الإسلامية من خلال منابر الجوامع ومن خلال نتاجاتها الفكرية.


ومن يطّلع على كتاب (يادى مردان - ذكرى الغيارى) للعلامة الكوردي والمرجع الإسلامي الكبير الراحل في العراق الشيخ الملا عبد الكريم المدرس - طيب الله مثواه وجعله من الساكنين في جناته - سيجد ذكراً للعديد من أعلام الكوردي ذوى الأقلام النيّرة ممن خدموا الدين الإسلامي الحنيف كل من مكانه وبأسلوبه الدينى أو الأدبي. ومن يزر قرى وقصبات ومدن كوردستان - في بقاعها الأربع ضمن العراق وتركيا وإيران وسوريا، وخاصة كوردستان العراق - سيجد مدى تمسك الكورد بالإسلام، ومدى حرصهم على اداء مناسكه، ومدى التزامهم الشديد والكبير بأركان الإسلام الحنيف. ولكن ما يؤسف له بشدة هو قيام النظام المقبور بأطلاق تسمية (عمليات الأنفال) على جرائمه التي ارتكبها خلال الربيع الأسود الدامي عام 1988، وكأن الكورد ليسوا بمسلمين حتى تحق عليهم الغزوات الصدامية، ويحق عليهم نهب الممتلكات، وهتك الأعراض، وأخذ نسائم سبايا، ودفن اكثر من مئة وثمانين الف مواطن كوردي في قبور جماعية كشف النقاب عن بعضها خلال اشهر بعد سقوط النظام الصدامي الدموي في 9- 4-2003 هذه المأساة الإنسانية جاءت بعد أن عاش كورد العراق قبلها فاجعة حلبجة في 16-3- 1988 وقتل فيها اكثر من خمسة الاف مواطن كوردي بالأسلحة الكيماوية المحرمة دولياً، وما شهده الكورد ايضاَ قبل سنوات قليلة من مأساة قتل وتجهيل مصير الألوف من المواطنين الكورد لانهم من ابناء عشيرة بارزان ومن ذوي واقرباء الزعيم الكوردي الراحل ملا مصطفى البرزاني - طيب الله ثراه -.

أن الحديث عن قائمة المآسي والنكبات والجرائم والضحايا التي عانى منها الكورد في العراق على أيدى الأنظمة، التي تولت دفة الحكم في العراق خلال الحقبة المنصرمة من تشكيل الحكومة العراقية عام 1921 وحتى يومنا هذا، لهو حديث ذو شجون لا يسع هذه المقالة أن تسرد تفاصيلها وتتحدث عن جميعها بأسهاب وتفصيل.

دلالة الأنفال

هناك في التاريخ الأسلامي القديم عدة معارك خاضها المسلمون،بقيادة الرسول الكريم محمد (ص)، خلال سنوات هجرته الى مدينة يثرب التي سميت فيما بعد بالمدينة المنورة، وبعد وفاة النبي الكريم كانت هناك فتوحات اسلامية عديدة بقيادة ابطال وقادة مسلمين استطاعوا أن ينشروا راية الأسلام الحنيف بين العديد من بلدان وربوع الأرض، وكانت لتلك المعارك والفتوحات اسرى وغنائم مادية وعسكرية. ويبدو أن كلمة (أنفال) هي المصطلح العربي القديم الذي كان يطلق على الغنائم في العصور الجاهلية، ولذا ورد اسمها في تسمية سورة (الأنفال) وضمن الآية الأولى منها. ومن طبيعة استخدام هذه المفردة في القرآن الكريم يبدو أن المقصود بالأنفال هوالغنائم التي يحصل عليها المحاربون المسلمون في فتوحاتهم الأسلامية آنذاك. ولكن يبدو أنَ لمفهوم الأنفال ومعناه أشكالية قديمة من حيث دلالاته، وخاصةً دلالته الدينية، فقد ورد مثل هذا التساؤل في القرآن الكريم ضمن بداية سورة الأنفال(1) : (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْأَنْفَالِ قُلْ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ). وقد جاء تفسير كلمة الأنفال بمعنى الغنائم التي يحصل عليها الغانمون، ولذا كان معنى هذه الآية الكريمة الأولى من هذه السورة بصيغة التوضيح بأن الغنائم لله، وأن توزيعها يجب أن يتم من قبل الرسول الكريم محمد (ص) حفاظاً على عدالة التوزيع بين المقاتلين من مجاهدي الإسلام في فتوحاتهم لديار الكفار المشركين، الذين لم يرفعوا راية الأنضواء تحت راية الإسلام، الذي أحلَّ مقاتلتهم والقضاء عليهم وتوزيع ممتلكاتهم على مجاهدي تلك الغزوات والفتوحات الإسلامية.

الكورد بين الإسلام والأنفال الصدامي

يتضح لنا، من خلال هذه المقدمة التوضيحية، جسامة الخطأ الديني الذي وقع فيه كل من شارك في تلك الجريمة البشرية النكراء بحق الشعب الكوردي خلال عمليات الأنفال(2) المشؤومة، التي قام بها النظام الصدامي المقبور في ربيع عام 1988، ضد كورد العراق، لا لشيء إلا لأنهم لم يكونوا أداة طيّعة بيده في حربه الشعواء ضد الشعوب الإيرانية في معركة القادسية المشؤومة التي جلبت الويلات على الشعبين خلال أعوامها الثمانية، والتي خرج منها الطرفان العراقي والإيراني خاسرين بشرياً ومعنوياً وهما يلعقان دماء ذلك الجرح المؤلم في حياة الشعوب العراقية والإيرانية من ملايين القتلى والجرحى والمفقودين والمعوقين واليتامى. وكانت تلك الحرب وصمة عار في جبين من أدعوا الأسلام زوراً وبهتاناً حين أزهقوا ارواح ودماء المسلمين وغير المسلمين الأبرياء.

ياترى ماذا كانت جريرة الكورد في العراق حتى يعتبروا من الكفار، وتحق عليهم الأنفال، وهم اكثر من الف وثلثمائة عام متمسكون بالدين الأسلامي الحنيف، الذي يدعو الى الأخوة والمحبة والتسامح بين المسلمين على اختلاف قومياتهم والوانهم واجناسهم؟ فهل ياترى كان الكورد كفاراً حتى ينتهك النظام الصدامي المقبور باسم الأنفال حرماتهم وأعراضهم، وتستباح ديارهم وتُهدَّم خمسة الاف من قراهم، ويُقتّل اكثر من مائة وثمانين الفاً من رجالهم ونسائهم وأطفالهم بأبشع وجهٍ من وجوه الأبادة البشرية حين يدفنون وهم أحياء في مقابر جماعية لم يكشف النقاب عنها إلا مؤخراً، وبشكل لا يكون للميت حرمته من حيث الدفن في مقبرة تليق به كإنسان يحقُ لهُ ما يحق لبني البشرية في عالمنا المعاصر من حقوق في الحياة، كما تنصُ عليه بنود حقوق الإنسان في ميثاق الأمم المتحدة. بل والأنكى من ذلك تضييع آثاره الجسدية بعد قتله عن طريق دفنه في الرمال التي لا تستقر على حال، وجعله فريسة للكلاب المفترسة الجائعة في الصحراء الرملية المحيطة بمعتقل (نكرة السلمان) السيء الصيت في محافظة السماوة الجنوبية. وهذا هو السبب الذي حدا بالروائي الكوردي حسن الجاف لكي يسمي روايته القصيرة (كورستاني لم - المقبرة الرملية) الصادرة عام 2000 في السليمانية، كتعبير عن فقدان الكورد المؤنفلين حتى لمقابر تحوي جثثهم أو لشواخص تدل على اسماء المدفونين فيها.

لمحة عن الطابع الأنتقادي للرواية الكوردية

يقال أن الرواية أفضل الأجناس الأدبية قدرة على تصوير وتجسيد جوانب عديدة من واقع المجتمع ضمن المدة التي يعيشها الروائي أو ما قبلها، وتعود أفضلية الرواية الى ما تمتاز به من فضاء روائي واسع من حيث الزمان والمكان لا يتوفر مثيله في باقي الأجناس الأدبية الأخرى كالشعر والمسرح والقصة القصيرة. وكذلك تمتاز الرواية بقابليتها على احتواء أكثر من بطل وشخصية رئيسة، عدا وجود العديد من الشخصيات الثانوية، ومثل هذا الجانب ليس بأمكانية القصة القصيرة احتواؤه. إذا كانت الروايات القديمة في القرن التاسع عشر تتكون من العديد من المجلدات، فأن كتاب الرواية المعاصرة في اوربا منذ عدة عقود - بعد ظهور الرواية الجديدة في فرنسا واوربا - قد تحولوا نحو اسلوب الروايات القصيرة تماشياً مع أجواء الحداثة وما بعد الحداثة التي شهدتها الأجناس الأدبية. وهذا الجانب قد خلق أشكالية التفريق بين البناء الفني لكل من الرواية القصيرة (نوفليت) والقصة الطويلة (بوفيست). ومثل هذه الأشكالية نجدها حالياً في واقع الرواية الكوردية المعاصرة، التي شهدت منذ اعوام التسعينيات تحول اسلوب كتابها نحو الرواية القصيرة.

لقد تميزت الرواية الكوردية منذ ميلادها بعد الحرب العالمية الأولى بأسلوبها الواقعي الأنتقادي(3)، لأنه الأسلوب الذي استطاع أن يشخص عيوب المجتمع الكوردي وتوجيه النقد البناء واللاذع لها، ولذا فقد ولدت الرواية الكوردية هي الأخرى أيضاً مثل القصة الكوردية(4) وهي تنتقد الواقع الأجتماعي والسياسي المرير للمجتمع الكورد، وظل هذا الأسلوب الأنتقادي بارزاً في كل النتاجات الروائية والقصصية الكوردية. ولما كان لمأساة الأنفال، كحدث سياسي مؤثر، وقعها المرير في وجدان أبناء الأمة الكوردية وكتابها الروائيين، نجد انعكاسها الفني والأدبي في عدة نصوص روائية كوردية لم يجرأ كتابها على طبعها ونشرها أيام النظام الصدامي المقبور، رغم أن البعض منها كتبت مباشرة بعد مأساة الأنفال في الربيع الدامي لعام 1988، بل ظهرت هذه النصوص الروائية عد انتفاضة اذار / 1991 واعتبار أقليم كوردستان كملاذ آمن بعيد عن بطش النظام الصدامي.

لقد تناول تراجيدية الحدث الانفالي ومأساة الأنفال كل من الروائيين محمد رشيد فتاح في روايته (ئةنفال - الأنفال)(1)، والروائي حسين عارف في روايته (هيلانه - العش)(2)، والروائي الكوردي حسن الجاف في روايته القصيرة (كورستاني لم - المقبرة الرملية)(3)، والروائي أحمد محمد أسماعيل في روايته (بةهارى رِةش - الربيع الأسود) (4). وسنحاول في المحاور التالية تناول طبيعة تجسيد تراجيدية الحدث الأنفالي في تلك الروايات، وكيفية توظيف البناء الفني لهذه النصوص الروائية بما يسهم في ابراز هذه المأساة الإنسانية.

انعكا س الحدث الأنفالي في الرواية الكوردية

يظل للنزف الأنفالي ألمه المبرح في وجدان الإنسان الكوردي المعاصر، لذا نجد لهذه الفاجعة حضورها البارز في العديد من النتاجات الأدبية الكوردية المعاصرة، وخصوصاً في ميدان الرواية الكوردية لانها من اكثر الأنواع الأدبية قدرةً على طرح وتجسيد الجوانب السوداء والكالحة من فاجعات ومأسي الأنفال، لما تمتاز به من فضاء أدبي وزمكان أدبي يستطيع استيعاب سرد وتصوير تلك الحالات الواقعية التي تناولتها اقلام الروائيين الكورد في نصوصهم الروائية، وهي اربع عشرة رواية للروائيين حسين عارف ومحمد فتاح رشيد وحسن الجاف واحمد محمد اسماعيل وسالار سمين وآخرين. وما يلاحظ في هذا المجال عدم مبادرة الروائيين الكورد في تركيا وإيران وسوريا لتجسيد هذه الفاجعة في نتاجاتهم الأدبية، رغم مرور عدة سنوات عليها وظهور العديد من الوقائع والدلائل عن هذه الجريمة السياسية النكراء بحق الكورد من بني جلدتهم في كوردستان العراق.

تناول الروائيون الكورد تصوير الحدث الأنفالي المفجع من زوايا سردية متشابهة لحد ما، حيث جعلوا من ابطال رواياتهم رواة مشاركين في سرد الحدث الرئيس، والحديث عن معاناتهم كضحايا ذاقوا مرارة الأيام الصعبة لمأساة الأنفال، والذين ينطبق عليهم قول ديموسيه : (اثنان لا يموتان : الله في السماء والأمل على الأرض) يصور لنا الروائي حسين عارف واقع مدينة السليمانية في بدايات أيام الأنفال المشؤومة بالشكل الآتي: " كان يدرك أن اليوم الذي مضى كان عيد نوروز، وأن المدينة في هذا اليوم تشتهر بإقامة الاحتفالات وأن الناس سيقومون بتزيينها مثل عروس بمناسبة حلول العيد. ولكن أين كل هذا؟!. على العكس.. ليس هناك أي أثر لإقامة الزينة. فالناس مهمومون، شاحبـو الوجوه... صامتون... وكأن مصيبة كبيرة مفجعة جرفتهم إلى أتون عزاء عام... عرج عند منطقة الكمارك المحروقة إلى شارع كاوة... ليذهب إلى قيصرية النقيب... خرج من الباب المقابل للقيصرية، ودلف إلى السوق... شاهد مجموعة من المسلحين ببزات قوات المغاوير... فتوجس خيفة... فتوجه إلى أمام السراي ليشاهد المنطقة وكأنها ميدان حربٍ خاسرة... خاف وبسرعة... انسحب نحو صابونكران، ومن هناك اتجه إلى برايم باشا ثم توجه إلى تووى مَليك"(5).

أبطال هذه الروايات لا يفارقهم الأمل في الفوز بفرصة الحياة مرةً أُخرى رغم اقترابهم من حافات الموت في نهر الأنفال الدامي بأمواجه العاتية التي استطاعت أن توقف لحظة الأزدهار والتطور في ريف كوردستان العراق لفترة من الزمن، ولكن عاصفة الأنتفاضة الآذارية المباركة لعام 1991 استطاعت أن تعيد الحياة والتطور والأزدهار مرةً أُخرى لتلك القرى وسكانها المسالمين الطيبين. وكان لأجواء الحرية التي حلت في ربوع كوردستان العراق المحررة حتى لحظة سقوط النظام الصدامي الدموي دورها في ميلاد تلك الروايات التي تناولت الحدث الأنفالي التراجيدي بأسلوب واقعي حاولت تصوير جوانب من حقيقة معاناة الإنسان الكوردي خلال أيام الأنفال العصيبة. فقد تناول محمد رشيد فتاح في روايته (ئةنفال - الأنفال)، التي هي باكورة الروايات الكوردية من حيث الطبع عن هذه المأساة، حياة إنسان كوردي يرى بأم عينه كيف أن جنود وجلاوزة النظام الصدامي المقبور يرمون بزوجته على قارعة الطريق الصحراوي من داخل الحافلة العسكرية التي تقلهم الى معتقل السلمان في السماوة بعد أن زهقت روحها وروح أشخاص آخرين عطشاً خلال ساعات الرحيل القاسية نحو المجهول الأقسى، ويبقى لقدسية عشقها في أعماق روحه صداه المؤثر في وجدانه المعذب وهو يعيش اللحظات القاسية داخل ذلك المعتقل، الذي جسدت بعض الروايات عن فاجعة الأنفال جوانب عديدة من طبيعة هذا المعتقل الصحراوي القاسي كمكان مغلق في بناء المكان الروائي لهذه الروايات الكوردية، والذي يكون بداية أو نهاية المطاف في ذروة بناء الحدث الروائي، بينما تكون قرى ريف كوردستان هي المكان المفتوح.

وتناول الروائي حسين عارف في روايته (هيلانة - العش) مأساة عائلة بطل الرواية (سوبحان) بعد أن تشملهم حملة الأنفال، وكذلك تتحدث هذه الرواية عن مأساة قرية (حاجي سوبحان) التي يسمى بطل الرواية وراويها المشارك بأسمها، وتجسد مصير سكانها البالغ مئة واثني عشر شخصاً الذين لا ينجو منهم إلا اربعة رجال يكونون اثناء الحملة الأنفالية خارجها، والذين يلتحقون فيما بعد بصفوف الفدائيين (البيسشمركة) الكورد لكي ينتقموا لذويهم ولكل المؤنفلين من ابناء امتهم. فالراوي المشارك وبطل رواية (هيلانة) هكذا يصف قريته في اللحظة التي هجم عليها المؤنفِلون :"... غوربةت... تخضُّ قِربتها... وفجأة تتركها وتهرع قافزة لتصل إلى طفلتيها. وتحتضنها وتسرع بهما إلى بيت والدي. ويسرع والدي لاستقبالها ويتسلم منها بنار. صارخاً بأن تتبعه والدتي وغوربةت... والناس يتبعونهم. ولم تكد خطواتهم تصل إلى خارج القرية، حتى يعيدهم وابل الرصاص إلى داخل القرية. يهجم عليهم الجنود والجحوش. وينقضون عليهم مثل قطعان الذئاب، ويقتادونهم إلى خارج القرية ويجمعونهم هناك. ومن ثم يقومون بتفتيش منازل القرية بيتاً بيتاً. وينهبون كل ما خف وزنه وغلا ثمنه. ومن ثم يشعلون النار فيها: الواحد تلو الآخر..."(6).

وكذلك يتناول الروائي حسن الجاف في رواية (كورستاني لم - المقبرة الرملية)، والتي هي ثاني رواية كوردية من بين الروايات الكوردية الأربع - التي صدرت في أعوام ما بعد انتفاضة آذار المباركة عام 1991 - مأساة الطفل (تيمور) من اهالي ناحية (كوله جو) القريبة من قضاء كلار في السليمانية، والبالغ من العمر عشرة أعوام حين يُدفَن المواطنون الكورد أمام عينه، ومن بينهم والدته وشقيقاته الثلاث في تلك الحُفر المُعَدة مسبقا لدفنهم وهم أحياء بعد أن يقوم جلاوزة النظام المقبور بأطلاق وابل من الرصاص الغزير عليهم قبل أن ينثال التراب عليهم من قبل الشفلات، وتشاء الأقدار أن يصاب الطفل (تيمور) ببعض الرصاصات من دون أن يلقى حتفه، وحين يريد الخروج من الحفرة بعد أن يتعلق ببسطال أحد الجنود يجد نوعاً من التعاطف الوجداني من ذلك الجندي، ولكن الخوف من عواقب أي تصرف إنساني في تلك اللحظة الحرجة تردعه من القيام بأي تصرف لأنقاذ ذلك الطفل المصاب بعدة اطلاقات في ظهره وكتفه، فلا يجد مفراً من دفعه مرةً أخرى نحو داخل الحفرة لينال بعدها طلقة أخرى في ساقه. وبعدها يستطيع ذلك الطفل الهروب في جنح الظلام من حفرة الى أُخرى حتى يتجاوز الثلاثين حفرة المُعَدة لدفنهم، ويحث خطاه وهو جريح في السير داخل العمق الصحراوي الرملي مبتعداً عن المصير المفجع الذي لقاه ذووه ومعارفه وبنو جلدته قبل لحظات. وهكذا لا يشعر بعد ساعات من السفر المنهك إلا وهو قرب خيمة (حمد) البدوي الطيب القلب الذي يبادر الى احتضانه ومداواته وايصاله فيما بعد الى بعض المواطنين الكورد المُرحّلين الى السماوة، والذين يتكفلون بايصاله فيما بعد الى بيت عمه في مجمع الصمود القريب من قضاء كلار في السليمانية.

وكذلك يتناول القاص احمد محمد اسماعيل في باكورة نتاجه الروائي الموسوم بـ (بةهارى رِةش - الربيع الأسود) مأساة المواطن الكوردي البطل (صابر الحاج جمعة) من اهالي قرى قضاء طوزخورماتو، حين يقع في كمين الجحافل الكوردية المرتزقة وهم يتقدمون الأفواج العسكرية للنظام السابق المقبور في عمليات الأنفال المشؤومة، من دون أن يردعهم الهاجس القومي، حين يساهمون في تهديم القرى التي بلغت ما يقارب خمسة الاف قرية كانت تشكل جوانب مشرقة من الواقع الديموغرافي والجمالي لريف منطقة (كرميان) في كوردستان العراق التي يطلق عليها في الجغرافية الكوردية جنوب (كوردستان ). وهكذا يصبح هذا البطل والراوي المشارك، الذي يحمل الرقم 18988 كدلالة على عدده ضمن المعتقلين من المؤنفلين في هذا القضاء، شاهد حال لتلك المأساة التي عاناها أهالي القرى المؤنفلة من منطقة (كرميان) حين يؤخذون عنوة نحو معتقلات النظام في المنطقة ليساقوا فيما بعد الى معتقل السلمان الصحراوي المشهور في عهود الأنظمة السابقة التي حكمت العراق خلال العقود الماضية ، والتي جعلت منه سجناً لأحرار العراق ومناضليه الشرفاء، والذي تحول في العهد الصدامي الى المنفى والمعتقل المميت لغالبية الكورد المؤنفلين الذين فاقت أعدادهم مئة و ثمانين الف مواطن بين طفل رضيع وشاب يافع وكهل طاعن في السن.

لقد اجاد الروائي في صنع نوع من الإيحاء الأسطوري لمنطقة (كرميان) التي يُعد من كتابها، حيث قدُمَ عدة صور أدبية عن جوانبها الزاهية من حيث اخلاقيات أهلها وكرم ضيافتهم وطيبة قلوبهم، ومثل هذه الجوانب تجلت في صفات شخصية البطل (صابر الحاج جمعة)، الذي يساهم في لحظات ما قبل نهاية الرواية في انقاذ الطفل اليافع (كرميان) وتدوين اسمه ضمن قائمة الأشخاص الطاعنين في السن والأشخاص الذين تقل اعمارهم عن الخامسة عشر، وبهذا تقصّدَ الروائي في مثل هذا الجانب حتى يعطي صفة ديمومة الحياة في تلك المنطقة (كرميان) التي دفعت ضريبة اكثر واكبر من باقي مناطق كوردستان العراق اثناء حملات الأنفال المشؤومة.

Taakhi
الأحد 04-11-2012
التعليقات
- 16416196 visitors
Designed by NOURAS
Managed by Wesima