الرئيسية » بيستون » ضياء كريم والجحوش الجدد

ضياء كريم والجحوش الجدد


ها قد جاء يوم الانتخابات ، وها انذا قد خرجت منذ الصباح الباكر كعادتي في كل انتخابات ، ادور على المقاهي فأجلس ساعة في هذه وساعة في تلك حتى اذا انتهى يوم الانتخابات الطويل اكون قد اكملت كل المقاهي ، هي عادة تفيدني كثيراً ، فتلك الاماكن البسيطة هي مجالسنا الشعبية التي خرجت اجيالاً من كل لون ونوع ، والمجالس مدارس كما قال الاقدمون ، اجلس مستمعاً لاحاديث الناس  من بني جلدتي الاكراد عموماً والفيليين خصوصاً ، غالباً لا اشارك في الحوارات متعمداً في هذا اليوم بالذات ، لا اريد ان اكون مؤثراً على أي رأي ، اريد ان اعرف الحقيقة الخالصة كما هي ومن فم اصحابها ، استمع الى حاضر اهلنا لأفكر في مستقبل اولادنا .

انا اعرف ان فينا نوعين من الجحوش ، الاول علني ظاهر معروف يقولها امام الناس وهذا ان حضر لا يعد وان غاب لا يفتقد ، والثاني هو الحرباء المتلونة الذي لا يتوانى عن الوقوف ذليلاً حقيراً على ابواب الاخرين ليلقوا له بعظمة لا يشعر بغصتها في بلعومه ابداً ، لأن الغيرة قطرة وقد زالت عن جبينه منذ زمن ، هذه النماذج نعرفها جيداً ولكن الذي دعاني للكتابة بعد تركها منذ نهاية السنة الماضية هو انني اكتشفت اليوم ان الجحوش في ازدياد !! للأسف ايها الاخوة لقد اصبحوا اكثر من القراد ! والقراد هو افضل وصف لهؤلاء لأنه حشرة طفيلية تعتاش على دماء الكلاب التي تلتصق كالعفن فوق جلودها ، بكل بلاغة اللغة العربية هل تجدون وصفاً ادق من وصف جحوش العار هؤلاء بالقراد !؟



الساعة الان السادسة مساء يوم الانتخابات ، ولم تبقَ الا لحظات وتغلق صناديق الاقتراع ، انتهى هذا اليوم الذي ابكاني مرتين ، الاولى هي تلك التي تحدثت عنها قبل سطور ، بسبب تلك المخلوقات الفيلية ( للأسف ) التي عادت من مراكز الاقتراع وهي تتفاخر بعلو صوتها القبيح انها انتخبت المعدان !! فهل هناك اكبر من هذا سبباً يستحق ان تخنقنا عبرات الالم والاسى  من اجله !؟ نعم اننا نعيش في عراق يحاول ان يكون ديمقراطياً ، ونعم ان شعبنا سائر على طريق حرية لا يعرف معناها وديمقراطية قد يتعلم ممارستها في يوم ما ، ولكن مسيرنا المتعثر هذا لا يعني اطلاقاً ان نكون عبيداً للآخرين ، ولا يوجد مبرر في الكون يجعلنا نتخلى عن انفسنا واصالتنا، عن وجودنا وانتمائنا ، عن ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا ، عن قوميتنا وشريحتنا ، وعن دماء الشهداء .

 لنا في هذه الانتخابات قائمتين كرديتين هما الائتلاف الكردي الموحد وقائمة فيليون ، ناهيك عن مرشحين كثر من الاكراد والفيليين في كل القوائم تقريباً والعدد الاجمالي يزيد عن المائة وعشرة مرشح ومرشحة ، فيهم من كل الاطياف والافكار والاحزاب ، فيهم البروفيسور وفيهم العامل البسيط ، فيهم البارتي واليكيتي والاسلامي والشيوعي ، فيهم الكادح والسياسي والطبيب والمهندس والاستاذ الجامعي ، طيف واسع رائع متعدد تتناغم في عزف سمفونيته كل المشارب ، رغم هذا العدد الكبير نسبياً والشخصيات المتعددة فأن هذا النفر الضال من بني جلدتنا كأنما لم يجد فيهم جميعاً من يستحق صوته فذهب ليعطيه الى الغرباء ، لا لشيء الا لأنهم اناس تعودوا على صناعة رمز وعبادة دكتاتور ! 

ليس هذا فحسب بل ان احد الفيليين يهتف و ( يهوس ) في الشارع طاعناً في الاخرين قائلاً بعلو صوته ( ما عنده غيرة وشرف الماينتخب فلان ) في اشارة الى غريب آخر !! لم يكفيهم ان يبيعوا شرفهم على ابواب الاخرين ممن قتلوا الكوتا الفيلية في قانون الانتخابات الحالي ، بل جاءوا لينعتوا الفيليين بانعدام الغيرة والشرف اذا لم يصوتوا الى رمزهم الذي لا ينتمون اليه بأي حال من الاحوال وبأي صورة من الصور ولن تكون قيمتهم لديه ابداً اكثر من حمايات وسواق ، اليس هذا تماماً كفعل بائعات الهوى ؟ بل ان منهن من تبيع جسدها ولا تبيع ضميرها وهؤلاء الجحوش قد باعوا كل شيء ! فهل بعد هذا يحق لأحدهم ان يأتي باكياً منتحباً مثل العواهر يشكو مظلوميته مخرجاً لسانه كالذي ان تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ليقول ماذا فعل الاكراد لي !؟ ماذا فعلت انت لهم ايها المنسلخ عن نفسه والمنتخي بغير اهله وأي سلاح وصوت اعطيتهم ليدافعوا عنك !؟ 

كدت ان اسحق رأس احدهم قبل قليل ، سحبني الاصحاب الى داري ، دخلت خجلاً مطأطأ الرأس من فعل قومي ، لم اجد الا جهاز الكومبيوتر ملاذاً كي لا انفجر ، امتدت يد ما خارجة من شاشة الجهاز لتمسح دموعي ، امتدت يد لا اعرفها لترفع رأسي من جديد ، احد الفيليين بيني وبينه الاف الكيلومترات ، لا اعرفه ولا يعرفني ، ولكنني رأيته في الوقت المناسب ليمثل الوجه الآخر ، وجوه امهاتنا المتعبات ، وجوه المعذبين الشهداء الاحياء اهل ازنة وجهرم ، وجوه الاحرار الذين لم نعرف مستقرهم ورفاتهم الى الان ، فيلي اسمه ضياء كريم يسكن ستوكهولم ، ليس ما ابكاني انه صوت للفيليين فهذا واجبه ، ولكن ان يصوت مرتدياً ملابس ابيه تلك هي الحالة التي اخرجت الموضوع الى افق آخر واسع رحب ، افق ليس في نهايته ظلام الجحوش بل اشراقة المستقبل ، تلك الصاية والجراوية ليست في هذا التوقيت وهذه الحالة مجرد ملابس ، لقد استحالت الى وقفة اخلاقية ضمائرية وجدانية يصعب وصفها ، المتأمل فيها سوف يسمع الحكاية ويصغي للتاريخ ، تاريخنا الحقيقي المشرف وليس تاريخ الجحوش ، يقول السيد ضياء وهو يدلي بصوته للفيليين “ادليت بصوتي مرتدياً ملابس ابي وفاءً له لأنه لم تتمكن من الادلاء بصوته في ظل النظام الدكتاتوري” ، أي وفاءٍ هذا ايها الاصيل ، ما مثلت نفسك يا ضياء بل مثلت الاحرار ووفيت للشهداء ، انت لم ترفع رأسك وحدك بل رفعت رؤوسنا ، رحم الله صاحب تلك الصاية والجراوية ، وقدس الله بطناً انجبتك ايها الفيلي ، ولعنة الله والتاريخ على الجحوش .

30 / نيسان / 2014 
صورة السيد ضياء اثناء التصويت مرفقة