الرئيسية » شخصيات كوردية » محمود عثمان

محمود عثمان

من سماعات الفحص الطبيّة، إلى مايكروفونات القنوات التلفزيونية، ومن مهنة الطب، حيث يصفُ الدواء لمرضاه، إلى تصريحاتٍ سياسية تضعُ زملاءه في مواقف حرجة، ومن ثلج كردستان إلى ضباب لندن إلى سخونة بغداد، بين تناقضات عديدة في المكان والزمان: هناك محمود عثمان، الطبيب ذو لقب “النائب”، والسياسي صاحب لقب “الطبيب”.
ولد عثمان لعائلة فلاّحية في قضاء بنجوين، من أبٍ شرطيّ يتنقلُ بين المدن، لكنّ هذا الأب استقر نسبياً في فترة نشوء عثمان الذي أكمل دراسته الأولية في السليمانية، حيث دخل الولد “الشاطر والذكي”، فيما بعد، كلية الطب ببغداد نهاية الخمسينيات.
مارس عثمان النشاط السياسي مثل جميع مُجايليه، وكان وجود جلال الطالباني، الرئيس العراقيّ حالياً، ببغداد قد صار حافزاً له وداعماً بممارسة العمل السياسيّ، حيث كان طالباني في تلك الفترة حقوقياً ببغداد، وصحفياً من ألمع صحفييها في تلك الفترة، فضلاً عن اشتراكهما في “الاتحاد الطلابي الكردستاني”، الذي كان طالباني مسؤوله، وعثمان سكرتير الاتحاد.
ساهم طالباني بحرف مسار حياة عثمان، فحين تخرّج الأخير بكلية الطب، وبوصفه واحداً من العشرة الأوائل، كانت هناك فرصة لبعثة طبية للولايات المتحدة الأمريكية، حيث كان من المقرر سفره مع زملائه لإكمال الدراسة في الولايات المتحدة، لكنّ المام أقنع صاحبه بالبقاء، لأن العمل السياسي في العراق أجدى من أسرّة المرضى.
لكنّه لم يترك الطب، وافتتح عيادةً صغيرة في السليمانيّة، كان لها يومان في الأسبوع لعلاج الناس مجّاناً، وهذه الجنبة من شخصية عثمان ظلت تظهر بين الحين والأخر: الجزء الاشتراكي الذي يظهر في بعض التصريحات، والذي جعله بعد عدد من السنوات يؤسس “الحركة الاشتراكية الكردستانية” ومن ثم: الحزب الاشتراكي الكردستاني.
نضج عثمان تدريجياً، وتحوّل من ذلك الشاب الطبيب إلى سياسيّ كرديّ بدأت عضلاته الفكرية بالنموّ أثناء النقاشات، وليس هذا فحسب: بل كان عثمان طبيب الملاّ مصطفى البارزاني، ومستشاره الشخصيّ، مترجمه الذي يتقن العربية والتركية والكردية والفارسية والانكليزية والفرنسية.
ويبدو أن وضوح شخصيته جعله يقع بإشكالاتٍ كبيرة، حين صرّح في وقتٍ حرج بأنه زار اسرائيل عدة مرات مع الملاّ، حيث رافقه في رحلته الى اسرائيل ومقابلته رئيس الحكومة الاسرائيلية ليفي إشكول عام 1968 بعد احتلال القدس في السادس من حزيران عام 1967، فضلاً عن زيارته الى موشي دايان وزير الدفاع الصهيوني في القدس بعد احتلالها عام 1967، وليس انتهاءً باستقبالهم مائير عميت رئيس الموساد في شمال العراق عام 1969 عندما كان برزاني الأب يفاوض حكومة أحمد حسن البكر التي أعطته الحكم الذاتي، كما استقبل كل الوفود الاسرائيلية الأمنية والطبية القادمة الى شمال العراق.
كان حضور عثمان داخل قضية “الحكم الذاتي” فعالاً، حيث كان يرأس الوفد الكردي المفاوض مع حكومة البكر، وكان حضوره سبباً رئيسياً بعقد اتفاقية آذار عام 1970، والتي أعطت الكرد الحكم الذاتي وإن كان بشكلٍ جزئيّ، وإلى الآن تحتفظُ الذاكرة العراقية بصورة فوتوغرافية شهيرة: يظهر فيها البكر وصدام ومسعود البارزاني وعزة الدوري، بينما يقفُ على طرفها الأيسر: محمود عثمان، دون أن يبتسم.
أعلنت نتائج الاتفاق في التلفزيون، وقرأ عثمان كلمة الوفد الكرديّ، دون أن يبتسم أيضاً.
بعد ذلك، تعقدت الأمور بين كردستان والنظام، كان عثمان بوجه المدفع، بوصفه رئيساً لأغلب الوفود السياسية الممثلة للأكراد، وحين حاول السياسيون الكرد أن يستعينوا بشاه إيران، كان عثمان أوّل مَن عرف صدمة تخلّي إيران عن أكراد العراق، حيث التقى عثمان ووفدٌ كرديّ الشاه بعد اتفاقية الجزائر عام 1975، يتحدث عثمان عن هذا اللقاء بمقابلة تلفزيونية، ويقول إن “الشاه استقبلنا بأسلوب مختلف، وحدثنا بلغة مختلفة تماما عن لغته الناعمة التي كان يخطابنا بها!، حيث قال: وقعنا اتفاقية مع صدام حققت لإيران حلما كانت تنتظره زمنا طويلا”.
ببساطة تامة، جوبه الوفد الكرديّ برئاسة عثمان بجملة الشاه الجارحة: “بعد الآن لا دعم لكم.. انتهت اللعبة!”، ووضع الشاه القيادة الكردية أمام ثلاثة خيارات :إمّا إلقاء السلاح وتسليم الرقاب الى الحكومة البعثية، أو الاستمرار في القتال بما في ايديكم من غير دعم ايراني، أو اللجوء الى ايران وأسقط بأيدي القادة الكرد، وأصبحوا أسرى الحيرة والدهشة والمحنة معا.
بعد هذا، توجه عثمان إلى الجبل، وبقي هناك مع الأحزاب الكردية، لتمرّ فترة سبات كبيرة غطت النشاط الكرديّ كله، ولم يكن من حدث مميز مر به عثمان في سنوات الثمانينيات غير محاولة اغتيال بالثاليوم، نجا بأعجوبة منها.
عام 1991، كان عثمان أحد المرشحين الأربعة لرئاسة إقليم كردستان، لكنّه لم يحز أصواتاً تؤهله لهذا المنصب في الانتخابات التي كُشف عن تزويرها بعد أكثر من عشر سنوات، اعتزل عثمان الحياة السياسية لفترة من الزمن، وعاد بعدها، ليكون ضمن “الجبهة الكردستانية العراقية” التي تضم سبعة أحزاب، حيث كان مسؤول العلاقات الخارجية للجبهة، نظراً لاتقانه عدداً من اللغات، واحتفاظه بالعلاقات الدبلوماسية التي كوّنها منذ أيام الملاّ البارزاني.
شارك عثمان بعدد من المؤتمرات المنعقدة والتي تخصّ المعارضة العراقية بشكل عام، والقضية الكردية بشكلٍ خاص، فاشترك بمؤتمر لندن الشهير، ومؤتمر بيروت، وبعد أن ضرب النظام البعثيّ القرى الكردية في حملة الأنفال، زار عثمان الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من مرتين لتبيان ما حدث من جرائم ضد الإنسانية في كردستان، لكنّه لم يحظ بمقابلة أي مسؤول، بسبب عدم رغبة الولايات المتحدة بتخريب علاقاتها مع صدام في تلك الفترة.
وهكذا بقي عثمان واحداً من وجوه القضية الكردية، هو الثابت الذي لا يتغير، فحين يكون بارزاني الطرف القويّ، لا ينسى مسعود أصدقاء أبيه والقريبين منه، وحين يكون طالباني الطرف المؤثر، لا ينسى صديق جامعته ونموّه السياسيّ، وعثمان أيضاً حافظ على هذه العلاقة بين الاثنين، الوقوف بمسافة واحدة، والسعي لإزالة الخلافات المستمرة بين ديكة كردستان، ومحاولة تحقيق الحلم الكردستاني الكبير.
جاء عام 2003، وذهب صدام، وسقط تمثاله وتمثاله في ساحة الفردوس، فكان عثمان موجوداً في بغداد، تكريماً من قبل القيادات الكردية لجهوده المستمرة طوال أكثر من نصف قرن، فكان عضواً في مجلس الحكم رغم عدم وجود أي قاعدة جماهيرية له، واستمر عثمان بتواجد نيابيّ مميز، صراحة تكون جارحة أحياناً، ومنطقية في أحايين أخرى، لكنه بذات الوقت: يحتفظ بمنسوب حكمةٍ عالٍ أثناء التعامل مع الأزمات، وكان مع زميله فؤاد معصوم مراكز لحل الإشكالات في مجلس النواب، ما دامت هذه الإشكالات بعيدة عن القضية الكردية!
السياسي الكردي ذو النزعة الاشتراكية الواضحة، يبدو – ومن قلة السياسيين الأكراد – بعيداً عن الولايات المتحدة ومستمراً بالوقوف ضدها، نظراً لأن تخلّي الولايات المتحدة عن الأكراد كان موجعاً ولأكثر من مرة، فالأولى كانت ممثلة بصدمة شاه ايران المدعوم من الولايات المتحدة للوفد الكردي، وسكوت الولايات المتحدة أثناء عمليات الأنفال.
ويختلف عثمان عن باقي الشخصيات الكردية التي تتخذ من العاصمة بغداد ساحة لعملها، فهو من فرط صراحته العفوية، ينتقد أيضا حتى زميل دربه الرئيس العراقي جلال طالباني، حيث قال في احدى المرات ان الأخير موقفه غير حاسم ويجامل أطراف الازمة رغم انه حامي الدستور في العراق.
وليس هذا فحسب، فحتى عندما يتحدث عثمان عن أداء مجلس النواب يصفه بعين “المراقب” من الداخل، وليس بعين عضو البرلمان، فهو دائم الانتقاد لهذا المجلس حتى انه وصفه في احدى تصريحاته بأنه “شيء زائد واكذوبة في العراق”.
وقال أيضا، ضمن تصريحاته الكثيرة والمستمرة ان “وجود البرلمان وعدم وجوده هو شيء واحد لأن النواب خاضعون لقرارات اجتماعات رؤساء الكتل”.
ومن فرط صراحته أيضا انه لا يدعي، كما بعض النواب الاخرين، علمه بما يجري بين قادة الكتل ، فعندما يسأل عن نتيجة مباحثات المالكي وبارزاني مثلا يجيب بصراحة “والله احنا ما نعرف ما طبيعة المحادثات التي كانت قد جرت بين نوري المالكي ومسعود بارزاني”، ويضيف “احنا دائما هكذا سواء كنا سياسيين أو مواطنين اعتياديين لا نعرف أي شيء عن الاتفاقيات أو المحادثات أو النتائج”.
ورغم ان دورة البرلمان والحكومة توشكان على الانتهاء لكن محمود عثمان ما انفك يطالب بكشف تفاصيل اتفاق أربيل الذي تشكلت على ضوئه الحكومة.
محمود عثمان حضر 223 جلسة في دورة البرلمان الحالية ولم يتغيب سوى اربع مرات، رغم انه من بين اربع نواب تجاوزت أعمارهم السبعين عاما.
الصحفيون في العراق “يحبون” النائب والسياسي محمود عثمان لانه لا يتردد ابدا في قبول أي لقاء او الإجابة عن أي سؤال مهما كان السؤال “حساسا” والكثير من الأسئلة “حساسة ” لاعضاء التحالف الكردستاني.
وهكذا، نرى عثمان طبيباً صار سياسياً، يتحدث عن نفسه بالقول “لم أقع بالغرام طوال حياتي لانشغالي بالسياسة”، لكنه متزوج، وله أولاد وبنات، و11 حفيداً وحفيدة، ويعلق ضاحكا “باستطاعتي تأسيس حزب من أسرتي فحسب!”.
ينتمي عثمان إلى جيل من السياسيين المُعتّقين، الممتزجين مع تاريخ القضية الكردية، كبروا معها، وكبرت معهم، لكنّ عثمان بذات الوقت، يحضر باستمرار إلى مجلس النوّاب مع سياسيين ونواب أكراد شباب، بينما أصدقاؤه الشيوخ قد رحل بعضهم، ومرض البعض الآخر، وابتعد نزر منهم عن السياسة، لكنّ عثمان يستيقظ صباح كلّ يوم، ويرتدي بذلته، ويتحضر للإدلاء بكثير من التصريحات وبنشاط ملحوظ، ودون أن يبتسم أيضا!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *