الرئيسية » مقالات » المراجعة من الشباك !

المراجعة من الشباك !

حالما تدخل أي من دوائرنا الحكومية التي تقدم خدماتها للمواطنين ؛ ترى تلك العبارة مكتوبة على أبواب أقسامها “المراجعة من الشباك” بخط رديء وكأن من كتبها قد كتبها لينتقم منك كي لا تأتي لتلك الدائرة لتستجدي منها وثيقة أو طلب أو ورقة رسمية ، وحينما تذهب الى الشباك ترى أنه يقع في أقذر مكان من تلك الدوائر بجانبه العديد من أجهزة التكييف التي تنفث بلهيبها الى تلك الفسحة التي تفصل بين الشباك اللعين والسياج الخارجي للدائرة ومع إرتفاع حرارة الصيف ترى أنك أمام ” جحيم الشباك” أما إذا كان هناك العشرات من المراجعين أمامك فأنت ستكون ضحية الشباك.

ومن بين رائحة الأجساد التي تهالكت على هذا الشباك والأيدي التي تعاقدت ممسكة بمشبكاته الحديدية ينفث إليك خويط من الهواء البارد قادم من تلك القاعة التي يجلس بها موظفوا تلك المديرية متنعمين بجو لطيف بلا رائحة ولا أوساخ يعلمون بهدوء غير آبيهين بما في الخارج من أزمة خانقة.

مر علينا في أيام سابقة اليوم العالمي للخدمة العامة ، والخدمة العامة تتمثل في حجم الإنجاز اليومي لما تقدمه الحكومات لمواطنيها من خدمات عامة تُحسٍّن من مستوى معيشتهم وتزيد في ذات الوقت سعادتهم ، مع البحث المستمر عن متطلبات تلك السعادة والرفاهية من خلال إبتكار أنماطاً جديدة من تلك الخدمات وتحسين طرق تقديمها .. ونحن بقينا على حالنا نكابد المعانات تلو المعانات من هذا الشباك الذي يواجهنا بتخلفة مرات عديدة كل عام ونحن نراجع للحصول على خدمة ما تتطلبها حياتنا .

في العالم كله لا يوجد شيء أسمه “المراجعة من الشباك” ، أما لماذا ؟ فذلك كون العالم المتطور الذي يحترم إنسانه يحاول دائماً أن يساعده في التخلص من عقده وتخلفه وتدفع به دائماً لإحترام ذاته وتحقيق رغباته مهما كانت بسيطة أو صعبة وتقدم له الخدمات بأحسن صورها لتفرض بذلك إحترامها عليه وكل ذلك يتأتى من إحساس موظف الخدمة العامة بأهمية عمله في تذليل الصعوبات أمام المراجعين وكي يرضي ضميره المتوقد دائماً بالحرص الشديد في إتمام الأعمال على أكمل وجه وبأبهى طريقة .

في أي مؤسسة من مؤسسات العالم المتحضر ترى أن إرضاء الزبون هو أهم نظرية من نظريات الرؤية الحقيقية لكل مؤسسة ، حكومية كانت أو من القطاع الخاص ، بل هو في صلب الإستراتيجيات التي تضعها تلك المؤسسات لضمان إستمراريتها وديمومة ربحها وإستمرار تقاضي موظفيها أرباحهم ورواتبهم وكلما زاد الإهتمام بالزبائن زادت الربحية والعوائد المتحققة من تلك الخدمة ، حينما يدفع للمتميزون من الموظفين ممن يبدعوا في تنفيذ واجباتهم ؛ حوافز تتناسب ومقدار إهتمامهم بالزبون مع عزل أولئك المتهاونون في العمل ، وما أكثرهم لدينا ، لمجرد خطأ واحد يتسبب في خسارة سمعة تلك الخدمة ومؤديها .

من المسؤول في العراق عن وضع ستراتيجية كل مؤسسة تقدم خدمة عامة ؟ ومن المسؤول عن وضع ستراتيجية وظيفية لكل قسم من أقسام تلك المؤسسات ؟ ومن يضع الخطط العملية لمواجهة الزخم الكبير الذي يحصل في بعض الفترات ؟ وما تتضمنه من إسلوب مرن سهل في المناقلة بين موظفي الدائرة الواحدة تلافياً لحالات الزخم الكبير الوقتية .. ففي اكثر من مناسبة ، كانت إحداها رغبتي في فتح حساب في مصرف ، وجدت أننا مراجعين فقط في المصرف وعدد الموظفين أكثر من عشرين موظف خلف المناضد وموظف واحد يركض هنا وهناك لإكمال فتح الحساب !

وغيرها من الحالات التي لا تنم إلا عن قصور في تحديد المهام والواجبات والإندفاع بشتى الطرق لتوفير كافة وسائل الراحة للمراجعين … فالخبراء يعتبرون أن “مسؤولية الخدمة العامة وتحسينها من مسؤولية الدولة بالدرجة الأساس وهي عملية دائمة مستمرة ليحصل عليها المواطن في أحسن صورة .. وعليه فهي تتلخص بإشباع الحاجات الأساسية والضرورية لجميع المواطنين بغض النظر قدراتهم المالية على أن تدار تلك الخدمات بكفاءة عالية وحرفية بحسن إستخدام الموارد المخصصة لها” .

تعريف دقيق لتلك الخدمات عسى أن نفهم معها أن كل عبارة “المراجعة من الشباك” هي إستخفاف بعقول مواطنينا وعلينا مغادرة تلك العبارة الى غير رجعة وأن يكون لكل مواطن مكان مريح في تلك الدوائر متوفرة فيه كل وسائل الراحة ومهما كانت فترة مراجعة هذا المواطن لتلك الدائرة .. عسى أن نسهم بمراعاتنا لأذواق مواطنينا في دفعهم لإحترام داوئرنا وإحترام ذاتهم والرقي بهم … وهم بحاجة الى ذلك ولكن بلا شبابيك لطفاً .. حفظ الله العراق!

زاهر الزبيدي