عبء جديد على ” الرجل الأبيض “

                   جودت هوشيار

دعا وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم الطارىء الأخير ” المجتمع الدولي “ الى التدخل لوضع حد لإراقة الدماء في سوريا ، في الوقت الذي تقف فيه الجامعة مكتوفة اليدين ولا تحرك ساكنا ٠ وقد سخر المؤرخ والكاتب والصحفي الفرنسي ٌ بينوا رايسكي – Benoit Rayski من هذه الدعوة في مقاله المنشور في صحيفة (Atlantico) تحت عنوان ” لماذا لا تتدخل الدول العربية نفسها في سوريا؟ ” ويرى ” رايسكي “ إن مصطلح ” المجتمع الدولي “ يتردد كثيرا في خطب رؤساء الدول ومانشيتات الصحف ، ولكنه  بلا معنى ٠ ويتساءل  ماذا يعني ” المجتمع الدولي ” هل المقصود به ُ – ملاوي ، ليختنشتاين ، مولدوفا ، زيمبابوي ، النيجر ، جزر المالديف ،  البوسنة ، أو لاووس ؟ أم منغوليا ، والجبل الأسود ؟ هل كل هذه الدول أعضاء ، على قدم المساواة،  في الأمم المتحدة ؟ كلا بالطبع ! .  واذا نزعنا عن هذا المصطلح الجميل قشرته اللفظية ، لأصبح من الواضح  تماما  إن المقصود به ، الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأميركية تحديدا.
  كل النداءات والمناشدات الداعية إلى التدخل العسكري في سوريا توجه ال هذه الدول حصرا ٠ربما هذا عبء جديد علي ً  الرجل الأبيض  ٌ الذي تحدث عنه – كيبلينغ – ذات يوم  . آوليس لسوريا جارات شقيقات على مرمى حجر من المواقع التي ترتكب فيها جرائم تقشعر لها الأبدان ؟ ألم تكن سوريا عضوا  في جامعة الدول العربية الى وقت قريب؟ حتى هذه الجامعة ، التي اعتادت التفرج على المشاهد الدموية ،قالت إن النظام السوري تجاوز الخط الأحمر٠
ويمضي ” رايسكي “ الى القول إن السعودية تمتلك أقوى سلاح جوي في المنطقة يليها مصر ، والأردن لديها قوات برية ممتازة   ،ولا تحتاج الا لعبور الحدود الفاصلة بين البلدين ،حيث يسيطر الجيش السوري الحر  الحليف على الجانب الآخر من الحدود٠ أما قطر، التي لا تعاني من نقص الموارد العسكرية فإنها تفضل إنفاق المليارات على تدريب مقاتلي المعارضة .
أوليس من الأفضل ارسال قوات عربية من قطر والأردن ومصر والسعودية ؟ الى سوريا  ما هذا الهراء ؟  ليس هذا هو المطلوب ، إنما على الغرب أن يبادر الى التدخل بمباركة الجامعة العربية الكسولة والمنافقة . الجيوش العربية لا تحارب بعضها البعض بل تحارب رعاياها فقط . الجيش السوري يسجل كل يوم إنتصارات جديدة على المدنيين العزل .
الجيش العراقي في زمن صدام  إستعرض قدراته القتالية ً في إبادة الكرد والشيعة .
جيش القذافي تفنن في أساليب  إراقة الدماء.
الجيش الأردني قمع –  قبل عقود – إنتفاضة الفلسطينيين .
ولا يبدو ألأمر مختلفا كثيرا في مصر ، حيث لم ترتعش أيدي الجنود المصريين حين وجهوا فوهات بنادقهم نحو أبناء جلدتهم .
ينبغي إقامة نصب تذكاري للمنافق ” ترتوف ” في كل عاصمة عربية.

لقد حرصت على تلخيص أهم ما جاء في مقال ً رايسكي ً ليس لأن كل ما كتبه صحيح ، فهويقدم صورة مشوهة  للوضع المتأزم في المنطقة ويقلب بعض الحقائق رأسا على عقب ، بل لأنه يعبر بصراحة متناهية عن رأي قطاع عريض من الرأي الغربي ، حيث يشير آخر استطلاع للرأي ، إن الأغلبية الساحقة من الأميركيين و الأوروبيين يعارضون التدخل العسكري الغربي في سوريا ، ولا يريدون ً عراقا آخر ً  أو ما هو أسوأ  وأخطر .وهم لا يعارضون التدخل حرصا على الأرواح البشرية التي ستزهق أو لأن دافعي الضرائب لا يريدون تبديد الأموال في حروب عبثية ، بل لأنهم على قناعة تامة ان شعوب هذه المنطقة متخلفة حضاريا ولا أمل في إصلاحها عن طريق التدخل العسكري أو تقديم المساعدات لها ، وان الإستعمار الغربي حاول عبثا إنتشال هذه الشعوب من التخلف والجهالة ،وأنه لا ينبغي تحميل ً عبء جديد على الرجل الأبيض ُ .
هذا هوالأعتقاد السائد لدى معظم الغربيين عموما و الأوروبيين منهم على وجه الخصوص ، وهو اعتقاد لم يطرأ عليه تغير جوهري منذ عصر ً كيبلينغ ً وحتى اليوم .
—————————— —————
هوامش :

(1) جوزيف روديارد كيبلينغ(Joseph Rudyard Kipling) ، ولد يوم 30 كانون الأول/ديسمبر من عام 1865 في بومباي وتوفي في لندن يوم 18 كانون الثاني/يناير من عام 1936 وهو شاعر وكاتب وقاص بريطاني.
وتعتبر أفضل أعماله “كتاب الأدغال” و”كيم” و”اناشيد متنوعة” والعديد من القصائد. وكان كيبلينغ أول بريطاني يحصل على جائزة نوبل للآداب في عام 1907.
 روديارد كبلينغ هو مؤلف القصيدة الشهيرة «الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا»
وكان حتى آخر يوم من حياته يتفاخر بإنتمائه الى المحفل الماسوني.

(2) «المنافق أو الدجال» مسرحية شهيرة  لموليير (  1622 – 1673) كتبها في عام 1664 وفيها أدان ازدواجية بعض رجال الدين الذين يظهرون الورع ويخفون عكسه.وقال إنهم يستخدمون الورع الظاهري لاستجلاب عطف الناس عليهم واحترامهم لهم، وكذلك لنيل الزكوات والأموال. فرجال الدين أكثر مكراً ودهاءً مما نظن. وهم يخفون مآربهم تحت ستار من التقى الظاهري.