الرئيسية » مقالات » غطـرسـة

غطـرسـة

جمعتني صدف العمل الصحافي، في مؤسسة واحدة، مع الكاتب والمثقف الإيراني أمير طاهري. كان يسحرني تمكنه بالإنكليزية والعربية إضافة للفارسية، لغته الأم. ذات صباح من العام 2003، وقبل سقوط صدام بأسابيع، جاءني مبتسما ليسألني عن مصطلح عربي ما عاد يتذكره بالضبط. صار يشرحه من هنا وهناك ليقرب لي معناه. سألته: هل تقصد “المتكبّر”؟ قال تقريبا، لكن هناك كلمة أدق وأوقع موسيقيا! قلت له امنحني لحظات أترك فيها ذاكرتي حرة علّها تسعفني بما تبحث عنه لأنّ إرغامها على التذكر لا يجدي نفعا. بعد ساعة تقريبا ذهبت إلى غرفته. هل تقصد “المتغطرس” يا أمير؟ صاح بصوت عال مثل ذلك الذي ينتظر رقما واحدا كي يفوز بالأولى بلعبة “الدمبلة”: نعم، نعم إنها “الغطرسة”!

صار يرددها بلكنة فارسية وبطريقة كأنه “كوكوش” تتغزل بحبيبها. ما أجمل ثقل الطاء لتصبح تاء على لسانه حين يقولها “غترسة”. ظل يرددها بإعجاب متحدثا عن وقعها القوي الذي يجسد معناها وهو يقلد حركات المتغطرسين. ولأني نجحت في مساعدته منحت نفسي حق ان أسأله: ولماذا كل هذا الاهتمام؟ أجابني انها ستكون عنوان مقالته الجديدة حول صدام وفكرتها ان “غطرسته” هي التي ستسقطه. وفي يوم سقوط الصنم جاءني مهنئا مبتسما وهو يقول: ألم اقل “غترسة”.
تذكرت ما دار بيني وبين طاهري وانا أتابع، يوم السبت الفائت، لقاء تلفزيونيا مع صديقي الكاتب والسياسي المصري مصطفى الفقي. كان واضحا وجريئا في مخاطبة الرئيس مرسي الذي ستشهد بلاده تظاهرات تدعو “للتمرد” في الثلاثين من هذا الشهر. قال له: “هات حكومة قوية تستعين بها فى ظل تدهور الأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية وبلاش الغطرسة في الحكم. التاريخ لن يرحم أحدا … احتضن الشعب المصري وكن أبا لكل المصريين”.
كم وددت ان اجد طريقا، في لحظتها، للاتصال بطاهري كي اخبره ان “الغطرسة” التي أسقطت صدام، لم تسقط بل خلّفها للذين أتوا من بعده فتوارثوها وزادوا عليها من عندياتهم أملاحا وبهارات وتوابل من قبيل: سعادة، ودولة، ومعالي، وهم لا يعرفون، أصلا، معنى السعادة ولا الدولة ولا العلوّ. فخفخة على الفاضي مثلما تجدهم مشغولين بالإفادات على الفاضي أيضا.
التقيت وزيرا عراقيا يتغزل بالمالكي بما فاق قيس ابن الملوح بليلاه. رن هاتفه فرفعه بطريقة طاووسية ليجيب: نعم معالي الوزير معاكم تفضلوا! ياكل ويكل النفسه عوافي. ذكرني بصديق في أيام المتوسطة ارتحل أهله عن مدينتنا فكتب لي رسالة ذيلها بعبارة “صديقك فلان الفلاني المحترم”! تلك جعلتني ابتسم لأنها كانت براءة وليست غطرسة. أما جناب الوزير فرده، رغم انه اضحكني، لكنه كاد أن يبكيني على حظ العراق وأهله.
سأل احدهم على الإنترنت عن معنى كلمة “غطرسة” فأجابه مصري “هي شخص ماخذ في نفسه مقلب”. فأي منقلب سينقلبون؟

13 at 8:03
14 Jun

المدى