الرئيسية » مدن كوردية » مندلي ما زالت تنتظر …2

مندلي ما زالت تنتظر …2

مندلي ما زالت تنتظر….2

رسالة موجه إلى

السيد مسعود برزاني رئيس إقليم كوردستان
السيد نيجرفان برزاني رئيس وزراء إقليم كوردستان
السادة المحترمين في قيادة الأحزاب الكردستانية جميعها و خاصة الاتحاد الوطني الكوردستاني و الحزب الديمقراطي الكوردستاني

في هذا الجزء سأحاول ان أبدا ببعض التعليقات التي جاءتني و قد و عدتهم بطرح تساؤلاتهم خلال الاجزاء التالية… أهمية هذه التعليقات هي أنها تدخل في صلب الموضوع و تطرح مسائل واقعية إلخصها في محورين… اولهما… لماذا مندلي و كل العراق مازل ينتظر… ؟؟…و ثانيهما… لماذا لم تقم حكومة كوردستان بتحقيق اي شيء ملموس من المشروع رغم مرور هذه السنوات..؟؟…
لكني اود ان أبداً قبل كل شيء بنوع من النقد الذاتي…. هل كنت مصيبا في اختيار اللحظة التاريخية لتوجيه هذه الرسالة و هل يتوافق ذلك مع الواقعية التي تتسم بها كتاباتي…؟؟..

يعلمنا التاريخ ان من اهم مبادئ العقلانية هو اختيار اللحظة الملائمة للبدء في اي عمل لان اختيار اللحظة الملائمة قد يلعب دورا أساسيا في مدى إمكانية نجاح هذا العمل… لكن في المقابل ان عوامل التراكم الزمني للإهمال قد يؤدي إلى نتائج قد يستعصي تغييرها لاحقا و إذا أخذنا القضية الكوردية مثالا فإننا بلا شك نكتشف بسرعة ان احد أسباب تقسيم مناطق كوردستان
بين الدول الناشئة بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى كان التراخي في إصرار الكورد على توحيد مناطقهم و الاستسلام بشكل أو بآخر للتقسيم و محاولة الاندماج مع نتائجها تحت تأثيرات مختلفة تاريخية و سياسية و دينية و مصالح اقتصادية و غيرها و لولا قيام مجموعات بالثورة هنا و هناك لكانت المسالة الكوردية قد لفها الزمن نهائيا…

و اعتقد ان هذا الدرس يجب ان يكون حاضرا في أذهان الساسة الكورد في تعاملهم مع أجزاء كوردستان خارج الإقليم و منها مندلي لأننا نمر في لحظة تاريخية قد نفقد قوة دفعها الإيجابي إذا لم يتم استثمارها بعقلانية تتجاوز الخلافات السياسية بين الأحزاب و القوى السياسية و خاصة الشريكين الرئيسين في العملية السياسة في كوردستان …

هذه الإشكالية تربطنا بشكل مباشر بتعليقات أصدقائنا و المتمثلة بالسؤال الذي أراه شرعيا جدا و هو … لماذا مندلي و العراق كله يعاني… لو ابتعدنا عن الأفق الضيقة للمسألة القومية و الإثنية و الطافية فان الواقعية تستدعي ان نضع المسؤولية في إهمال اغلب مناطق العراق و خاصة مناطق المحيط peripheries على عاتق مراكز السلطة و التي تستأثر بخطط و مشاريع التنمية و الاهتمام بينما تترك مناطق المحيط متناسين ان مناطق المحيط المهملة شكلت عبر التاريخ بؤرة أساسية في نخر أسس الاستقرار و الديمومة في أعظم المراكز قوة و صلابة بسبب النزيف الاجتماعي و الأخلاقي و نتيجة التوازن القلق بين المركز و المحيط و التي تؤدي إلى هجرات جماعية غير منظمة و أحيانا إلى ثورات لا يمكن استيعابها…

مناطق المحيط في العراق كانت و ما زالت متروكة و مهملة و قد أدى هذا الإهمال دورا سلبيا واضحا في تتطور المدن الكبرى …. هذا الدور لا يتمثل فقط في النزوح الجماعي نحو هذه المدن مما أدى من جهة إلى القضاء على القدرات الزراعية التاريخية و انما ايضا في التغيير الديموغرافي في البنية الاجتماعية و الاقتصادية في المدن المستقبلة لهذا النزوح و خاصة بغداد التي اختفت فيها اسس الحياة المدنية و قيمها و تحولت بدلا من ذلك إلى قرية كبيرة تتحكم بها التقاليد الاجتماعية الريفية و طغت عليها أساليب الحياة البدائية….

لكن هناك حاسم آخر و هو تسلط مجموعات بدوية …. مع كل الاحترام للبدو….على زمام السلطة و إدارة البلد بطرق لا تتوافق مع مناهج الادارة في الدولة الحديثة مما إلى دمار العراق و دخوله في حروب لا يستطيع اي عاقل ان يجد أدنى مبرر عقلاني و منطقي لها سوى عدم قدرة المجموعات الحاكمة على تقييم الأمور و العلاقات و الداخلية و الخارجية بشكل مختلف مما كان يمكن ان يساهم في خلق تطور و تنمية تضع العراق و أهله في مكان آخر غير الهوة التي انحدر إليها…

الان اعود الى السؤال …. لماذا اختيار مندلي …..قد يجد الانسان اجوبة كثيرة لكن في حقيقة الامر ان انطلاقي من مندلي لا يعود مطلقا إلى تفضيلي المدينة التي ولدت فيها على غيرها من مناطق العراق فنا احب العراق كله و قد زرت اغلب مناطقه قبل الخروج و لدي ذكريات و صداقات كثيرة اعتز بها….لكن اختياري كان يرتبط بشكل مباشر باللحظة التاريخية التي تحدثت عنها و هي أواسط سنة 2005 حيث كانت الدولة العراقية غائبة تماماً عن التطور المأساوي للحرب الأهلية بينما كانت كوردستان قريبة و متمكنة حيث تقع مندلي على الجانب الشرقي من العراق و هي تلي خانقين مباشرة جنوبا و كان يتواجد فيها بعض قوات البيشمركة و قد تم ربطها بخانقين عسكريا ….
و حيث ان اغلب السكان الأصليين في مندلي هم من الكورد و كثيرون جدا منهم مرتبطون تنظيميا بأحد الأحزاب الكوردية الرئيسية فكان من الطبيعي ان نحاول ربطها … اي مندلي … بعجلة التطور في كوردستان … شخصيا التقيت بالكثير من العشائر العربية التي تسكن المناطق المحيطة اي المناطق التابعة للحدود الادارية لقضاء مندلي و كذلك التقيت بالتركمان الذين يسكن مجموعة منهم في داخل مدينة مندلي و قد أبدى الجميع رغبتهم بربط مندلي بكوردستان و كدليل فعلي على رغبتهم هذه منح هؤلاء اصواتهم للقائمة الكوردستانية في الانتخابات العامة تلك السنة اي 2005…

لكني ايضا كان لدي طموح كبير ان يتم استخدام نموذج مندلي ….في حالة نجاحها… في تطوير مناطق المحيط في العراق بصورة عامة….. كون هذا النموذج كما أسلفت في الجزء الأول كان يعتمد أسس التنمية المستدامة و التي من اهم مرتكزاتها هو الاعتماد على الإمكانيات المتوفرة محليا مع دعم محدود من الدولة…

كان هدفي التالي هو نقل هذا النموذج إلى بدرة و زرباطية باعتبارهما تقعان على نفس المسار اي جنوب مندلي و هما ايضا من المناطق الكوردية تاريخيا مما كان يمكن لكوردستان ان تدعمها و قد تحدثت بهذا الامر مع الكثير من الأخوة الفيليين في لقاءات و ندوات في كوبنهاغن و ستوكهولم…

و أخيرا أعود فاختتم هذا الجزء من خلال عرض جانب آخر من اشكالية اللحظة التاريخية… و أبداً في نهاية سنة 2005 حيث انبثقت فكرة إعادة أحياء مندلي … في تلك اللحظات التاريخية كانت أوضاع العراق سيئة جدا كما أسلفنا و أبناء مندلي كانوا يعانون بشدة مثل غيرهم… لكن الأوضاع في كوردستان كانت تتجه نحو بدايات حقيقة للسلم و الأمان و الاستقرار مما كان يوحي بإمكانية بناء أساس جيد للتنمية… كانت حرب الأخوة الكورد قد انتهت و تقارب الفرقاء و كان هناك أتفاق مبدئي على توحد إدارتي السليمانية و أربيل و العودة الى برلمان موحد و حكومة موحدة لاحقا و الأهم من كل هذا العمل على إقامة مؤسسات الإقليم بشكل مستقل عن الإدارة الحزبية… كل هذا كان يوحي بان لحظة بدء مشروع أحياء مندلي ستكون ناجحة…

أما اللحظةالتاريخية في هذا الوقت حيث أرسلت رسالتي فإنها مختلفة فالشريكيين الرئيسيين في إدارة إقليم كوردستان يواجهان تحديات جدية داخليا و خارجيا …. الاتحاد الوطني يواجه مشكلة غياب الرئيس مام جلال و صراع الأجنحة التاريخي و إدارة الانشقاق الذي أدى الى بروز شريك ثالث و ان كان غير متكافئ و هو تيار التغيير بينما يواجه الحزب الديمقراطي مشكلة الدستور و رئاسة الرئيس برزاني و علاقة التوازن بين الاتفاق الاستراتيجي مع الاتحاد الوطني و بروز الشريك الثالث و اختلافات الرؤئ حول العلاقة مع بغداد و التطورات في كوردستان الغربية اي كوردستان سوريا و كذلك التطورات المهمة في كوردستان تركيا… كل هذا ربما يجعل من اللحظة التاريخية غير مواتية لتدخل مباشر و فعال في مندلي و غيرها من مناطق خارج إقليم كوردستان…

و لكن بين هاتين اللحظتين التاريخيتين اي سنة 2005 و الان 2013 حدثت تغييرات كبيرة فالمدن الرئيسية في الإقليم قد تطورت كثيرا و الأحوال المعيشية للغالبية العظمى من سكانها شهدت طفرات حقيقة… أربيل العاصمة أختيرت أخيرا عاصمة للسياحة العربية… مبروك… متجاوزة مدنا تاريخية مثل بيروت و القاهرة و كذلك مدنا حديثة مثل دبي …. أما في الجانب الشرقي من حدود كوردستان و العراق عموما مع ايران فان مدينة صغيرة مثل كلار التي كانت قرية حتى وقت قريب … زرتها شخصيا أواسط سنة 2001… فقد أصبحت تنافس نيويورك و ريو دي جانيرو…. مقاربة تبسيطية …. في إقامة الكرنفالات الموسيقية الدولية و بمشاركة فرق عالمية من مختلف أقطار العالم… أما خانقين التي شاًنها شاًن مندلي تقع خارج إقليم كوردستان … فقد تحولت إلى مدينة ضخمة تعج بالمشاريع و البناء و التطور…

في هذا الوقت ما تزال المدينة التاريخية مندلي تلفظ أنفاسها الأخيرة في موت بطيء بينما ينشد الكثير من أبنائها … بزي بزي كوردستان….اي تعيش كوردستان.. هؤلاء و هم ينتمون إلى الحزبين الرئيسين في كوردستان لا يستطيعون إخفاء حسراتهم و هم يزورون خانقين… ترى لماذا هذا التمييز …. هذا هو بالضبط التساؤل الذي نرفعه إلى المسؤولين الكورد…. و هو تساؤل لا يشك احد في شرعيته و على هذا الاساس فهو ايضا يؤشر لحظة تاريخية ينبغي عدم إغفالها…

في الجزء اللاحق سأناقش هذه الإشكالية و التي ترتبط بشكل مباشر بالسؤال الذي طرحناه في بداية هذا الجزء الثاني من الرسالة و المتعلق بالسؤال… لماذا لم تقم حكومة كوردستان بتحقيق اي شيء من مشروع إحياء مندلي …..

مع حبي و احترامي للجميع…
دكتور اكرم هواس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *