الرئيسية » الآداب » كيف هرب ناظم حكمت من تركيا؟ *

كيف هرب ناظم حكمت من تركيا؟ *

ترجمة وتحشية : جلال زنكَابادي

حدث ذلك في أواخر الخمسينات، إذْ إلتقيت الشاعر ناظم حكمت (1) في شقته الكائنة في شارع نوفوبيشجانايا بموسكو.
كانت زوجة أحد أصدقائي تركية، وعلى معرفة جيدة بالشاعر، وكان ناظم حديث الوصول إلى هناك (2) ليعيش في الإتحاد السوفياتي؛ ولذلك كان شديد التوق لمعرفة شتى جوانب حياة المواطنين السوفييت، لاسيما الإقتصادية. وكنت آنذاك أعمل في المعهد الفني التابع لأكاديمية العلوم السوفياتية؛ وعليه فقد إقترحت زوجة صديقي على ناظم أن يتعرّف إليّ…

وهكذا حدث أن إلتقينا، حيث رحّب ناظم وزوجته بنا بحرارة ومودة صميميتين، ثم رحنا نتحدّث طويلاً في شؤون الإقتصاد السوفياتي. وقد حضر الجلسة أيضاً ضيفان آخران، أظنهما كانا من العاملين في المجال المسرحي بمدينة مينسك. وعلى ماأعتقد، كان عمر ناظم يتجاوز الستين عاماً آنذاك، إلاّ أن وسامته المتألقة وأناقته وخفة دمه كانت تعطي المرء إنطباعاً بأنه أصغر من عمره الطبيعي وأكثر شباباً وعنفواناً.
بعد تناول العشاء وشرب بضعة فناجين من القهوة التركية، راح ناظم يلقي بضع قصائد من شعره بالتركية، ورغم إننا لم نكن نفقه ولو كلمة واحدة من لغته؛ فقد أثرت فينا موسيقى شعره، ولذّت لأسماعنا (3) وفي خاتمة الأمسية، تحدث الشاعر لنا عن كيفية هروبه من تركيا. فبعد أن أفلحت الحملة العالمية، الداعية إلى إطلاق سراح ناظم من السجن، سكن في شقة بإحدى عمارات إستنبول، حيث كان رهن الإقامة الجبرية، وتحت المراقبة اليومية للبوليس (4). ولقد حاول رفاقه آنذاك بكل ما في وسعهم؛ لتدبير هربه من تركيا، كما سعى هو أيضاً بهذا القصد (5) وقد سبق وأن سمعت من أصدقائي قصة هروبه، قبلما أسمعها منه شخصياً؛ فقد سردوا لي أن ناظم حكمت كان يرتدي ذات الزيّ يومياً، ويغادر شقته في وقت محدد يومياً، ويشتري جريدة من بائع الصحف نفسه يومياً…أمّا في يوم هروبه؛ فقد إرتدى زيّاً آخر مختلفاً، وغادر شقته مبكّراً جدّاً، وسلك طريقاً آخر؛ فلم ينتبه إليه البوليس الخفير(6) ثم وصل إلى الميناء، حيث كان ينتظره زورق بخاري. وحسبما روى لنا ناظم، وجب عليه أن يقود الزورق بنفسه حتى سواحل بلغاريا ! وحالما وصل الزورق إلى منطقة المياه الحرة في البحر، هبّت عاصفة فجائية ؛ فإجتاحه القلق، لكنه سرعان ما لمح باخرة قريبة، وكان يبدو عليها إسمها المخطوط بالأحرف اللاتينية (وهو بليخانوف، على ماأتذكر) وعندها يتنفسّ ناظم الصعداء، ويحوّل وجهة سير زورقه نحوها، وهو لايني يصيح وينادي مستنجداً ومستغيثاً، وإذا بزورقه يتعطّل فجأة، ثم يشتغل بصعوبة بالغة، ثم يظل ناظم يدور حول الباخرة ثلاث ساعات صائحاً: “أنا ناظم حكمت” من دون أن ينتشلوه ! وبعد تلك الساعات العصيبة، إذا بالركاب يلوّحون له بأيديهم مرحّبين به، ومن ثم ينتشلونه إلى سطح الباخرة، ويأخذونه إلى (الركن الأحمر=غرفة خاصة للإجتماعات الرسمية وماشابهها) وقد لمح في طريقه عدداً من البوسترات المعلّقة، وأحدها “أنقذوا ناظم حكمت” وكان مغطى ببراز الذباب ! ولما إلتقى ناظم قبطان الباخرة (وكانت رومانية) وإستفسر منه: لماذا تماطلوا هكذا في إنتشاله ؛ ماداموا يستطيعون أن يعيدوه إلى البحر؛ إذا لم يظهر ناظم حكمت فعلاً ؟! فأجابه القبطان بأنه وجب عليه أن يهاتف بوخارست ، ووجب على بوخارست أن تتصل بموسكو؛ للبتّ في قرار إنتشاله، ممّا إقتضى الأمر ثلاث ساعات ؛ أي حتى أعطتهم موسكو الضوء الأخضر لإنقاذه !!
وبينما كان ناظم يسرد لنا قصة هروبه، كان لايهزأ ويسخر من المجموعة الحزبية (الشيوعية) المكلفة بتهريبه فحسب، بل ومن البيروقراطية في إدارة النظام الإشتراكي السوفياتي؛ ولذلك لم يجيء تمسكه بجنسيته البولندية إعتباطاً ! (7)، (8)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش المترجم (ج.ز):
(1) ناظم حكمت (7 شباط 1902 – 3حزيران 1963)
(2) الصواب هو ان ناظم حكمت قد لجأ إلى هناك في 1951
(3) كان ناظم حكمت معروفاً بإلقائه الشعري الرائع
(4) كانت السلطات التركيّة قد خطّطت بخباثة للقضاء على ناظم، و قد استلم فعلاً أمر استدعائه إلى الخدمة العسكريّة وهو (في الخمسين من عمره!) لإرساله إلى كردستان وتصفيته هناك.
(5) بعد مضيّ عقود، تبيّن الدور الأوّل والأخير لأخته الصغيرة ميلدا كاليونكو(م:1927) وزوجها تدبير هروبه، في 17 حزيران 1951 بينما اتهمت السلطات التركيّة السفير البلغاري بعمليّة تهريبه.
(6) لقد طبّق ناظم نظرية بافلوف (الإرتكاس الشرطي، والتي جرّبها على الكلاب أولاً) وذلك على البوليس الرقيب عليه، كما روى الحكاية لزوجته الأخيرة(فيرا)
(7) بعد هروب ناظم مباشرة، أسقطت الحكومة التركيّة جنسيّته التركيّة بصفته (خائن البلاد) و(ملطّخ العلم التركي)! ولم تجرؤ أيّة حكومة تركيّة لحدّ الآن على الإعتراف بالذنب إزاء هذا الأديب العملاق وردّ الإعتبار إليه، حتى في الذكرى المئويّة لميلاده
(8) لم يهادن ولم يساوم ناظم حكمت البيروقراطية والطفيلية الحزبية وكافة حالات الفساد المستشرية في النظام الشيوعي السوفياتي، بل وإنتقدها بجرأة نادرة في عدد من مؤلفاته؛ ممّا حدا ذلك بستالين وبيريا إلى محاولة تصفيته جسدياً،بواسطة سائقه الخاص،الذي لم ينفذ الأمر!
المصدر:
Mamostay Kurd
J:23
Sweden
* عنوان المقالة (كيف التقيت ناظم حكمت؟) وقد غيّرته لينسجم مع محتواها،
وهي من ترجمة فرهاد شاكلي عن السويديّة إلى الكرديّة (ج.ز)

المصدر: موقع الكاتب على الفيسبوك

https://www.facebook.com/jzangabady1