الرئيسية » مقالات » المبادرات الوطنية العراقية والأوراق الأخيرة للإرهاب!

المبادرات الوطنية العراقية والأوراق الأخيرة للإرهاب!


تلوح في الافق ملامح ارتدادات عكسية لما كان يسمى بـ”الربيع العربي”، وبما يرجّح إحداث تغييرات في المعادلة السياسية، الأمر الذي قد يدفع بعض الأطراف التي لم تدخر فيما سبق، جهدا لتغذية الحرائق وإدارة آلة الخراب، الى تبني إطلاق دعوات التهدئة وإستجداء الحلول من الخارج.

فقد بات من غير الممكن للمجاميع الإرهابية السيطرة على سورية واتخاذ الشام (قاعدة) للانطلاق نحو إبتلاع بقية دول المنطقة، بالإضافة الى التذمر والغليان الشعبي المناهض للتيار الأردوغاني في تركيا اليوم، وذلك يشير بشكل أو بآخر الى تغيير محتمل جداً في بوصلة الأحداث.

في المقابل وبصرف النظر عن الهيستريا التي رافقت الضربات الأخيرة للأبرياء العراقيين من قبل الإرهابيين الذين ألقوا بأوراقهم اليائسة والأخيرة على رؤوس المدنيين العزّل، بصرف النظر عن ذلك، فإن مبادرتي الصلاة الموحدة في ظلال نُصب الشهيد التي دعا لها السيد المالكي والإجتماع الرمزي الأخير للقادة السياسيين برعاية السيد الحكيم، شكّلاّ معاً اشارة بالغة الدلالة على أن مفاتيح الحلول يمكن لها أن تكون عراقية خالصة بعيدة عن التدخل الإقليمي والدولي، وبما يمكننا القول أيضاً، بأن العراقيين هم الأكثر مهارة في صناعة الحلول مقارنة مع حجم الأزمات السياسية والأمنية المصدّرة اليهم من الخارج.

لقد تزامنت العديد من المبادرات الوطنية التي عبّرت عن إدراك واع لحقيقة مايجري في العراق والمنطقة فقد جاءت مبادرة السيد رئيس الوزراء نوري المالكي في إقامة (صلاة موحدة) تجمع السنة والشيعة والأكراد كخطوة إستباقية لإحباط المخططات الرامية لتمزيق النسيج الوطني العراقي وتأجيج الفتنة الطائفية في عموم البلاد. كما وتكلل هذا الملتقى الإيماني الوطني بمبادرة وطنية ثانية للسيد عمّار الحكيم، جاءت هي الأخرى لرأب الصدع وتجسير الفجوة بين الفرقاء السياسيين العراقيين. حيث يعد (الإجتماع الرمزي) بمثابة ورشة عمل وطنية لترتيب البيت العراقي وتوحيد الكلمة بوجه التحديات المحتملة وإبعاد العراق عن أخطار الحروب الأهلية والتقسيم، والتي يمكن لأي منّا، لمس بواكيرها في الخطاب الاعلامي والسياسي المتشنج لدعاة الفتنة ووسائل الإعلام الداعمة لهم.

ومع الحضور الفاعل لمعظم القيادات السياسية في البلاد وعلى اختلاف انتماءاتها الفكرية والدينية والمذهبية او العرقية ألا أننا شهدنا عزوف بعض الساسة عن المشاركة في هذا الجهد الوطني الهادف لإيجاد حلول للأزمات ومخرج من المخاطر المحدقة بالعراق من خلال ترجيح المصلحة الوطنية على ما سواها في هذا الظرف الخطير. ولربما يذهب البعض الى القول بحضور ممثلين عن كلّ من مقتدى والبارزاني و علاّوي وهو سلوك سياسي قد يبدو طبيعيا في الظروف العادية، لكنه لايرقى اليوم الى مستوى التحديات الجدية والصعبة لاسيما شبح الحرب الأهلية وخطر التقسيم، اللذان يتصدران قائمة التحديات المقترن حدوثها على أرض الواقع بـ (عجز قادة العراق عن حل مشاكلهم وتوحيد جهودهم الوطنية).

أن سياسة (أنا الأعلى) التي لازمت وتلازم بعض القيادات السياسية تمنع أصحابها من الإنخراط في العمل الجماعي والتفكير بروح الفريق السياسي الواحد، لذلك نرى بأن أحد القادة الجدد، لم يكتف بمقاطعة الإجتماع، بل دفعته تلك السياسة الى إرسال مجموعة (“توصيات ملزمة”) للقادة الحضور.. فـ (الأنا السياسية) تقف من وراء الغرور الذي يؤدي بالسياسيين بشكل عام الى عبادة ذواتهم والتنكر لشمولية النظر نحوالأهداف والتحديات الوطنية والإنسانية.

أن دعوة السيد المالكي لإقامة الصلاة الوطنية الموحدة التي نتمنى إستمرارها في كل جمعة في ساحة نصب الشهيد، والإجتماع الرمزي الذي رعاه السيد الحكيم وتكلل بإحداث المصالحة بين رئيسي السلطتين التنفيذية والتشريعية، والذي نتمنى له أن يلتئم بشكل موسّع ودوري وإن كان في أماكن أخرى، فهذه الدعوات والمبادرات الوطنية تمنحنا الأمل في الرهان على وعي قادة العراق الجديد بتجاوز الفصل الأخير والأخطر من فصول المعركة مع الإرهاب.