الرئيسية » الآداب » ثملٌ مضعضعٌ : شمس الدين الأخلاطي

ثملٌ مضعضعٌ : شمس الدين الأخلاطي

ترجمها نثماً:
جلال زنكَابادي *

هذه القصيدة للشاعر الصوفي الكردي شيخ الطريقة الخلوتية شمس الدين الأخلاطي(1588-1674م) والذي لم يتبق من ديوانه الموسوم بالكرمانجية الشماليّة (ديدارى يار/ لقاء المحبوب) سوى (14 قصيدة و جزءاً من قصيدة ومطلعاً لقصيدة) وقد قام الباحث الكبير محمد أمين دوسكي بشرح واف لهذه القصائد، مؤكّداً مرامه في مقدّمته : “… وتوخيت- ما أمكنني- الدقة في الشرح ، إذ قمت بمعالجة هذه القصائد بيتاً بيتاً، فبدأت بشرح الكلمات والمفردات أولاً مع بيان أصلها، ثم شرحت البيت شرحاً مجملاً، فشرحاً مفصلاً، مع الأخذ بنظر الإعتبار الجو الصوفي العام للقصيدة؛ باعتبار الشاعر واحداً من أقطاب التصوف في حينه، وقد رأيت قصائده كلها محشوة بالفكر الصوفي، ومليئة بالرموز والأسرار والإشارات والعبارات حول أحوال ومقامات السائرين إلى الله تعالى من أهل القرب” وبذلك حقق باحثنا القدير بكتابه (لوامع الشهب في شرح ديوان شمس الدين الأخلاطي القطب) تعريفاً مجزياً لأحد أبرز الشعراء الكرد القدامى ، ولولا صنيعه الرائع ؛ لما أفلح العبد الفقير إليه من ترجمة هذه القصيدة وغيرها ترجمةً منثومة(نثر مسجوع + نظم مخلوط من البحور: المتقارب والخبب والرجز) وهنا أقدّم ترجمة هذه القصيدة ، ومن ثمّ تفسيرها وتأويلها اللذين أعددتهما إستناداً إلى شرح أستاذنا دوسكي.

ثملٌ مضعضعٌ

ثملٌ ضعضعني الطّلا
الجسمُ فخٌ فلا للاّتِ لا
ها أنذا ألهجُ: لبّيكَ يا..
الجسمُ فخٌ فلا للاّتِ لا
*
عاودتُ شرب راحٍ أصفى
فاستحلت كما الجبل قافا
لا أدّعي هذا الحالَ جزافا
الجسمُ فخٌ فلا للاّتِ لا
*
عاشقٌ مجنونٌ أنا
في الحانِ مقيمٌ أنا
كالفراشةِ محترقٌ أنا
الجسمُ فخٌ فلا للاّتِ لا
*
هائمٌ بوجه حبيبٍ لاأحلى
ثملٌ متداعٍ شاحبُ المحيّا
محترقٌ مشويّ الكبدِ
الجسمُ فخٌ فلا للاّتِ لا
*
عيلَ صبري،لاأستكين،
أستغيثُ منتحباً معوّلا
لا أرومُ منه إلاّ الوصلا
الجسمُ فخٌ فلا للاّتِ لا
*
ياترى أين المفرّ وما حلّي
غبّما احترق فيه كلُّ كلّي
تااللهِ وهبتك عشقي كُلاّ
الجسمُ فخٌ فلا للاّتِ لا
*
ألقاني في حضن العهدِ والوفا
فألقيتُ كلّ ماعداك في القفا
حتى يليقَ بي الذوقُ والصفا
الجسمُ فخٌ فلا للاّتِ لا
*
ولقد استأمنت القالَ والقيلا
مادام العشق في الدرب دليلا
مرحى ،حبّذا سلكتم ذا سبيلا
الجسمُ فخٌ فلا للاّتِ لا
*
قد أبيحَ لي الشراب
ففني قلبي الخراب
عشقك صيّرني كبابْ
الجسمُ فخٌ فلا للاّتِ لا
*
والهٌ مجنونٌ وسكران
بشمول(ألستُ)نشوان
في يدي القدح الفتّان
الجسمُ فخٌ فلا للاّتِ لا
*
منذ أن ناولنا القدحْ
قال لنا:” فقدْ أفلح”
قطبٌ أنا منتشٍ فرِحْ
الجسمُ فخٌ فلا للاّتِ لا
*
الجسمُ فخّ قلتُ يا حنون
فأنا والهٌ ثملٌ ومجنون
بمن لانظير له مفتون
الجسمُ فخٌ فلا للاّتِ لا
*
ليس جسمي، بل كلّ الأبدانِ
إنّما عشقك قد أغناني
فانتشلني من وجودي الفاني
الجسمُ فخٌ فلا للاّتِ لا
*
عاشقك من فرط الصحبةِ
مغشيّ عليهِ بفيض الطّلا
مرّةً أخرى فَنِيَ(الخلوتي)
الجسمُ فخٌ فلا للاّتِ لا
***
لقد سكرت بخمرة العشق الإلهي في حال الكشف، إذ تجلّى لي جمال المحبوب(الحق)، فانتشيت وتضعضع واهترأ جسدي الكثيف ، الذي هو فخ للروح اللطيفة ، والذي لافرق بينه وبين(اللات/ الصّنم المشهور، الذي كان العرب يضاهون به الكعبة ويعظمونه) فلبّيك أيها الحق، ولا امتثال ولاإنصياع لضلال(اللات) من بعدما تحررت الروح من سجن الجسد الهيكل الترابي المأسور بأهواء جيفة الدنيا وشهواتها، وبذلك بلغ غاية العاشق الصوفي بمجاهداته ورياضته الروحية في توق روحه إلى التجرّد من علائق الدنيا والتحليق بانعتاق في ملكوت الروح القدسية.
ويعاود شاعرنا تنويع عزفه وتوسيعه وتعميقه على وتر المقطع الأول في مقاطعه التالية، مكرّراً لازمة القصيدة المنسجمة مع ماقبلها من أبيات” الجسم فخ، فلا للات لا” أي لا تقهقر إلى الوقوع في فخ الجسم الترابيّ الكثيف، فهو يقول: عاودت ارتشاف خمرة العشق الصافية، فانتشت روحي بمشاهدة جمال الحق؛ بحيث صرت مثل جبل قاف(القفقاس: كناية عن الإلمام بأسرار الغيب وعجائبه) ولست أدّعي هذا جزافاً؛ فقد بلغت مرتبة هذا الكشف بعين القلب ووولجت عالم التنزيه والتجريد الرحيب ، حيث انزاحت الحجب عن مرآة القلب، ووصلت في الحضرة الإلهية إلى أقصى درجات القرب، ورأيت الحقيقة وخفايا أسرار الوجود، فامتلأت ذاتي بالمعرفة الإلهية؛ باجتنابي لشهوات الفخ (الجسد) محطّماً (لات) ـه.
وبعد أن اجتاز سائر المقامات، بلغ أقصى منازل الحب، باتحاد ذاته مع ذات المحبوب(الحق) في مقام الذهول والغيبة بعد الفناء عن ذاته، وانكشفت له أسرار الغيوب؛ وجد نفسه عاشقاً مجنوناً مقيماً في الحانة(محل ذكر الحق) محترقاً كالفراشة عاشقة النور، (رمز التفاني من أجل المحبوب) بعدما اعتقت نفسي من أهواء فخ الجسم وعبادة صنميّته الدنيوية.
ثمّ يتابع الأخلاطي هواجس العاشق الولهان في أحواله ومقاماته مضمّناً ابياته المصطلحات والتعابير الصوفية العهد: الوقوف عند ماحدّ الله تعالى لعباده، وهو إشارة إلى عهد الربوبيّة، الذي ألزم بنوآدم أنفسهم به، يوم خلقوا..) كما جاء في سورة الأعراف “…وأشهدهم على أنفسهم ألست بربّكم قالوا بلى…” و(الذوق: النور العرفاني الذي ينور به الحق حين يتجلّى في قلوب أوليائه؛ فيميّزون بين الحق والباطل…) و(الذوق: وهو أول التجلّيات، ويليه الشرب، وهو وسيلة عامة للفهم نابعة عن قوى الحدس والتخمين) و(الصفاء: وهو ماخلص من ممازجة الطبع ورؤية الفعل من الحقائق في الحين. وصفاء الصفاء : إبانة الأسرار عن المحدثات لمشاهدة الحق بالحق على الإتصال) وحيث ألقى العشق الربّاني شاعرنا في في جو العهد بالربوبية والعبوديّة، الذي ألزم بنوآدم أنفسهم به منذ الأزل، إستجمع في شعوره حلاوة الوفاء به، ثمّ ” لأني قد تركت كل حبيب سواك(…) لذلك يليق بي الذوق والصفاء، لأني قد استوفيت كلّ شروط تكامل العشق، فلم يعد جسدي مصيدة للروح، ولابقيت أهواء نفسي وشهواتها صنماً يعبد..” أمّا عبارة ” فقد أفلح” فهي إشارة إلى قوله تعالى: ” قد أفح من زكّاها” من سورة الشمس. أي من طهّر نفسه، حيث يرى الصوفية أن العشق يطهّر النفس؛ لكونه الطريق المؤدي إلى الله.
وفي المقطع الختامي يذكر الشاعر تخلّصه( الخلوتي: نسبة إلى الطريقة الخلوتية الصوفية) وقيل: ” الخلوة ترك اختلاط الناس، وإن كان بينهم. وقيل: الخلوة الأنس بالذكر، والإشتغال بالفكر، وقيل: هي الخلوة عن جميع الأذكار إلاّ عن ذكر الله” وها ” هي المحاضرة ورؤية الحق بعين القلب بعد طيّ المقامات وبلوغ مراتب القرب، أو هي الدخول في الحضرة الإلهية ومشاهدة جمال المحبوب الحق..فقد حدثت الدهشة وانبهر بذلك الجمال، فانتشى لطول الصحبة والمسامرة، والإستماع إلى الخطاب الذي يملأ القلب والروح بالأنس، وغدا مسلوب الفؤاد كامغشيّ عليه. إنها البلوغ المكين والوصول إلى أنوار الغيب، وروحانيات العلا، والظفر بمقام التمكين، فهو المجذوب من عالم الحس والسائر بالله في عالم الملكوت الأعلى؛ لذلك بيّن طريقته، وهي الخلوتية التي تتميّز بالخلوة عن جميع الأذكار إلاّ ذكره تعالى وعدم الإستئناس إلاّ به”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر:
1- ديوانا شيخ شه مسه دينى قوتبى ئه خلاتى/ ده زكَاى ئاراس2001 هه ولير
2- ديدارى يار، ديوانا شيخ شه مسه دينى قوتبى ئه خلاتى يى بريفكانى…/ زاهد بريفكانى به رهه ف و ئاماده كرييه../ئاراس 2002 هه ولير
3- لوامع الشهب في شرح ديوان شمس الدين الأخلاطي القطب/ تأليف:محمد أمين دوسكي، دار سبيريز للطباعة والنشر في دهوك/ 2007
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* لو تحالفني الصحة ومسيرة أجندتي الأخطبوطيّة ؛ في نيّتي ترجمة ديوان الشيخ الأخلاطي وبإهداء إلى أستاذنا الألمعي محمد أمين دوسكي دام ظلّه وعطاؤه المبين

كلكامش: المصدرمن موقع الكاتب على الفيسبوك