الرئيسية » الآداب » حَمْداً للحقِّ دائماً وأبداً- شمس الدين الأخلاطي

حَمْداً للحقِّ دائماً وأبداً- شمس الدين الأخلاطي

ترجمها نثماً:
جلال زنكَابادي

قصيدة طريفة جداً، تطغى عليها روح الدعابة، بل تعد من نوادر القصائد الخفيفة الدم في الشعر الصوفي، رغم مضمونها العرفاني العميق.
يتناول فيها الشاعر الصوفي الكردي شيخ الطريقة الخلوتية شمس الدين الأخلاطي(1588-1674م) يتناول(النفس الحيوانية الأمّارة بالسوء) مجسّداً ومستحضراً إيّاها في صورة (الحمار)؛ فها هو الأخلاطي يتنفس الصعداء ويحمد الحق(الله) تعالى على موت حماره(نفسه) في العام الماضي، وخلاصه من شروره، أي بعد سنة من المجاهدة والمكابدة والرياضة الشاقة…ولولا الحق الذي تداركه بكرمه ولطفه؛ لكان يخفق في مسعاه. ثمّ يمضي في تجسيد واستحضار صورة الحمار(النفس) الماضية، وملابسات صراعاته المحتدمة للخلاص من مرعى الشره وحضيضه؛ من أجل التنعم برياض الزهد والنفحات الربّانية… ورغم السعادة الطافحة التي يتنعم بها شاعرنا الصوفي في مقامه الجديد، يظل الأسى يتجاذب قلبه لفقده حماره(نفسه الحيوانية) فيستحضر بعض ذكرياته…
وللأسف الشديد؛ لم يتبق من ديوان(الأخلاطي)الموسوم بالكرمانجية الشماليّة (ديدارى يار/ لقاء المحبوب) سوى (14 قصيدة وجزءاً من قصيدة ومطلعاً لقصيدة) قام الباحث الكبير الأستاذ محمد أمين دوسكي بشرح واف لها في كتابه(لوامع الشهب في شرح ديوان شمس الدين الأخلاطي القطب) مع التعريف المجزي بالأخلاطي الذي يعدّ أحد أبرز الشعراء الكرد القدامى. ولولا صنيعه الرائع ؛ لما أفلح العبد الفقير إليه بترجمة هذه القصيدة وغيرها نثماً(نثر مسجوع + نظم مخلوط من البحور: المتقارب والخبب والرجز)
هذا وقد تقصّدت توظيف المفردات: زمال ، جِلال و فطس ؛ لنقل روح الفكاهة اللطيفة التي تنطوي عليها القصيدة.

إنّي لأحـمد الحقّ في كلّ أذكاري
إذ مات في العام الماضي حماري
لـك أسـجـدُ سـجدة َالشكران
إذ نفق في العام الماضي حماري
*
قـد كان حمـاراً سـريعاً نفورا
بطِـراً سـائباً في تيـه البراري
لـمْ أعـدْ أرتجيهِ أملاً وخيرا
فمات في العام الماضي حمـاري
*
قـد كان حـماراً جمـوحاً سريعا
دونـمـا حـافـرٍ، نعلٍ ومسمارٍ
فارتـحـت في هذا العـام قطـعا
إذ فطس في العام الماضي حماري
*
نفـق الحمـار والجِلالُ غـدا كفنا
فتـبـدّد عـنّي أثـقـلُ الأحمـالِ
وتعافـيـتُ منـشـرح الأحـوالِ
إذ فطـس في العام الماضي زمالي
*
إنّـي لمسـرورٌ بفطـس حمـاري
إذْ غـاب ولـمْ يـعـدْ حـاضـرا
فانجـلى سـرّ الغيـبِ لي ظاهـرا
إذ نفـقَ في العام الماضي حماري
*
لقـد نفـقَ الحمارُ وارتحـت منه
فـلـي مكشوفٌ دوماً رمزُ الغيبِ
مسـرورٌ مبتـهـجٌ معافى القلبِ
إذ ماتَ في العام الماضي حماري
*
لاأحـد يـدركُ فحـوى أحـوالي
أيّ معـنى ومـغـزى لأقـوالي
كالأبكـمِ أفصحُ عـمّا جـرى لي
قـد مات في العام الماضي زمالي
*
ذاك الحـمـارُ الذي كنـتُ أركبه
كـمْ أضنـتـني وآلمتني سطوته
حـتى مـاتَ فبـان نجمي وعلا
إذ مات في العام الماضي حماري
*
قـد كـان عِبْـئـاً عـلـيّ حينا
وحـيـناً كـنـتُ عِـبْئاً عليـهِ
أتـذكّـره أحـيـانـاً وأبْـكيـهِ
إذ مات في العام الماضي حماري
*
لقـدْ كـان حـيـنـاً يغيبُ عنّي
ويـثـرثـرُ حـيـنـاً في ذهني
والآن أنــامُ قـريـرَ العـيـنِ
إذ مات في العام الماضي حماري
*
واعجباه مات حماري من جوعِهِ
فلأقـمْ وليـمةَ عرْسٍ لفـطْسهِ
بـعـدما أمنـت من خوفِ شرّهِ
إذ مات في العام الماضي حماري
*
يـاه! أيَّ رمـزٍ كانَ، وأيَّ زمـال
بـلْ أيَّ رأيٍّ كانَ، وأيّ حـــال
فهـا أنـذا اليوم في أحسـن حال
إذ مـات في العام الماضي زمالي
*
لقدْ مات حمـاري فأقمتُ له مأتما
وغـدا القلـبُ الحزيـنُ به مُغرَما
لـكي لا ألـعـب وألهـو بعـدما
مـات في العام الماضي حمـاري
*
واعجبـاه من حمـاري أيّ حمار
هزيـلٌ ، شاردٌ ،جمـوحٌ بلاقرار
لـمْ يـزلْ داءُ رأسـي يبـرّحني
إذ مات في العام الماضي حماري
*
وا أسـفاه حيـثما تـتصبّبُ آلامي
ليس ثمّة مَنْ يعي مغـزى كلامي
أذرف الدّمــعَ الهـتـون جوىً
إذ مات في العام الماضي حماري
*
لا أقـولُ جزافـاً، لاأتبجّحُ بدعوى
مهْمـا أنكـرني الجاهل والأعمى
إنّما يُنـصِفُ حالي أهـلُ المعنى
إذ مات في العام الماضي حماري
*
يا لهــا من رموزٍ ثرّةٍ خالــدةْ
لايدركُ إلاّ أهـلُ المعـنى كُنْـهها
فأنـا أبـوحُ بطريـقةٍ زاهــدةْ
إذ مات في العام الماضي حماري
ــــــــــــــ

المصادر:
1- ديوانا شيخ شه مسه دينى قوتبى ئه خلاتى/ ده زكَاى ئاراس2001 هه ولير
2- ديدارى يار، ديوانا شيخ شه مسه دينى قوتبى ئه خلاتى يى بريفكانى…/ زاهد بريفكانى به رهه ف و ئاماده كرييه../ئاراس 2002 هه ولير
3- لوامع الشهب في شرح ديوان شمس الدين الأخلاطي القطب/ تأليف:محمد أمين دوسكي، دار سبيريز للطباعة والنشر في دهوك/
2007

المصدر: موقع الكاتب على الفيسبوك