الرئيسية » الآداب » عبدالرزاق الياسر في سباعيّته الملحميّة

عبدالرزاق الياسر في سباعيّته الملحميّة

الفنون التشكيليّة الإبداعيّة ، والرسم منها خصوصاً، جزء كبير ومهم من أجزاء الثقافة البصريّة (المرئيّة) المتاحة واليسيرة التلقّي والفهم للجمهور المشاهد (سواد الناس) إلى حدّ كبير؛ وهنا تكمن خطورتها التي أدركها الحكّام والمحكومون منذ العهود القديمة .
في سباعيّته الملحميّة، إستمراراً للعشرات من لوحاته السّابقة ، يواصل الفنّان الكبير عبدالرزاق الياسر توسيع وتعميق اللغة المرئيّة لفن الرسم المعاصر في العراق ؛ يحدوه همّ التعبير بمصداقيّة تاريخيّة عن متغيّرات الواقع الراهن المعاش ومعطياته الهائلة ، ويتجلّى ما لفنّه من مهمّة اجتماعيّة متواشجة مع مهمّته الإبداعيّة ؛ فهو يؤرّخ بسباعيّته الرحيبة وبجرأة نادرة المثيل هذه الحقبة (الإنعطافيّة) التراجيكوميديّة من تاريخ العراق الراهن ، الذي ينطوي- في الوقت نفسه- على نطفة المستقبل المأمول وغير الموثوق به في آن واحد!
وهنا نقدّم قراءة لسباعيّته إستناداً إلى معاينة وصفيّة شبه دقيقة ؛ بغية تقييمها فنيّاً بموضوعيّة..
(1) رأس يبحث عن كتف
مستطيلة الشكل . تبتديء من اليسار. يبدو في أعلاها صف من الرؤوس(26 رأساً) بروفيلياً(جانبيّاً)متوجّهاً إلى اليمين، وأوّلها من اليمين هو قائدها الذي يتراءى كاملاً، وقد رفع يده اليسرى آمراً بالمسير…يلي الصف هذا من اليسار صف آخر، وهو من المحاربين (حملة الدروع) يمثلون التوحّد والقوّة وهم يمضون قدماَ إلى الأمام، بالعكس من الوهن والتخاذل اللذين يمثلهما الرأس المقطوع الذي يلقي بظلّه على العراق. وتحتهم تبدو ثلاث عشرة امرأة ينتحبن ، يعولنّ ، يشقّنّ صدورهنّ ويخرمشن وجوههنّ في أوضاع هستيريّة تراجيديّة رهيبة، وتتراءى أصابعهنّ المحروقة، وكذلك المزيد من تواريخ البلايا والرزايا المنقوشة على ملابسهنّ. وفي مركز اللوحة(وهو وسطها من الأعلى إلى الأسفل) ثمة 12 رجلاً، يمثلون الأئمّة الإثني عشر. ستة ظاهرون للعيان والستة الآخرون لامرئيّون في الطرف الآخر المتخيّل، وجوههم بروفيليّة ذات ملامح آشوريّة و أقدامهم سومريّة الشكل، وأيديهم محروقة الأصابع. يطغى اللون الأخضر على أزيائهم المنقوشة بالكتابات. متسلّحون بالسيوف والخناجر، يمشون حفاة على الأسلاك الشائكة، وهم يشيّعون رأسيّ العراق وسرجون الأكدي الملفوفين بالعلم العراقي، والمسجيين على (الإيزار) الرامز للتقشف في منام فقراء جنوبيّ العراق بالأخص، وتحت الإيزار سعف النخيل المترابط رمزيّاً مع الضحيّتين.
رأس العراق منقوش عليه أبرز تواريخ الأحداث الزلزاليّة، بما فيها الإحتلالات، وبالأخص منذ سنة1914 حتى 2003 وهو يحمل آثار الدمار، في حين يمثل رأس سرجون التاريخ الشاهد.والرأس في شكله مستلهم من (مسلّة الصقور) التي تعود إلى عهدالملك(أناتم) في حدود سنة (3آلاف ق.م)
أمّا أبرز ما في الجهة اليمنى من اللوحة فإمرأة متينة البنية، ترتدي العلم العراقي، بكامل زينتها: القلادة، المعاضد، الخواتم والحجل، تمضي قدماً عبر الأسلاك الشائكة بقدمين حافيتين مدميّتين، متطايرة الشعر(تختلط فيه الألوان: البنفسجي،الأسود والأخضر) وهي تحمل على رأسها صينيّة، عليها عذق تمر محزوم بالأشلاك الشائكة( يرمز لثروات العراق المدمّرة والمنهوبة، وهي تكابد لتخليصها) وفانوس منير رغم الأسلاك الشائكة(يرمز إلى العقول النيّرة) أمّ الأسلاك الشائكة فهي من أبرز معالم البيئة العراقيّة منذ عقود، وتفاقم وجودها منذ 2003
ويتجلى نظر المرأة الشاخص صوب المستقبل مقروناً بابتسامتها الخفيّة، وبذلك تجسّد بصيص أمل وتفاؤل بما سيأتي، والملفت للنظر أن شكل عينيها وأغلب العيون الأخرى (والأهداب بالأخص) مستلهم من الشاعر السيّاب: “عيناك غابتا نخيل ساعة السحر”
والملحوظ أن الفنان الياسر يركّز في الكتابات(الداخلة في تكوين هذه اللوحة وغيرها) على الحروف والمقاطع، وليس على الكلمات والجمل؛ لئلاّ تستحوذ على ذهن المشاهد وتنسيه جوهر محتوى اللوحة. هو ذا إذاً الرأس الباحث عن كتف، والكتف هي العراق.
(2) عظام الفارس والحصان
لوحة مستطيلة الشكل. تحتلّ أعلاها الصفحات الأولى لأكثر من عشرين جريدة ، تبدو مانشيتاتها وصورها هلاميّة الملامح.
في الجهة اليسرى تطالعنا إمرأة تحمل على رأسها مشحوفاً(عنصر فولكلوري ورمز للنجاة) يحمل بدوره جامعاً وحسينيّة ونخلات تبرز منها واحدة عالية سارية لعلم العراق. وفي الوقت نفسه تحمل المرأة فانوساً وطفلاً يمدّ يده إليه ناوياً حمله ومواصلة المسيرة على هديه، فهو يرمز إلى المستقبل والفانوس إلى المعرفة المنيرة، أمّا المرأة فهي الأم العراقيّة الباسلة المكافحة لإنقاذ أهم ما يجب انقاذه، وتبدو قربها نوارس عديدة في شتى الأوضاع.
يحتلّ برج هائل الحجم مركز اللوحة، وهو مقصوف مدمّر، ويلتقي رأسه المائل بالجرائد المشوّهة والمطمّسة للحقائق، وتتحلّقه طيور كثيرة، يحطّ بعضها على حدائده المكسّرة، وبعضها يطير، وبعضها الآخر يحيط بجثث ضحايا بارزة بلونيها الأصفر والأخضر عند قاعدة البرج، الذي يرمز للتقدم الذي أصابه الدمار.
ويستحضر الياسر كارثتيّ جسريّ (الأئمّة) و(العطيفيّة) مدمجاً الواقعتين المأساويتين، حيث هلك الكثيرون، وقد هبّ الكثيرون من شتى شرائح الشعب لإنقاذ الضحايا..ولاعجب إذا ما غطّت مياه دجلة أرضيّة اللوحة وخلفيتها.
وفي الجهة اليمنى من اللوحة، شلّة من النسوة(14 إمرأة) يعولن وينتحبن، ماعدا واحدة تفكّر في نفسها، وهي ساهمة خجلى تردد الدعاء في قلبها، وثمّة امرأة أخرى تحمل على رأسها كوخاً جمّاليّ الشكل، وهي ترمز إلى الهجرة والنزوح.
وتشغل فتاة صغيرة الزاوية اليمنى السفلى من اللوحة ينطلق من حجرها سرب من النوارس صوب اليسار، وترمز الفتاة إلى التفاؤل بالمستقبل في معمعة الدمار والموت. أمّا النوارس فهي صديقة البشر.
وثمّة بضعة فوانيس تتراءى مابين النسوة المنتحبات وقاعدة البرج، وهي ترمز إلى العقول النيّرة الهادية لمسيرة الشعب،وقد استلهم الفنان الياسر هذا الرمز من ممارسة شعبيّة ذات علاقة بـ (خضر الياس) حيث يضع الناس شمعة وقطعة من نبات على كربة سعفة، ويطوفونها على ماء نهر بمثابة دعاء. وقد استعاض الياسر بالفانوس عن الشمعة، وبالسعفة عن النبات.
(3) عيشة الخوف
مستطيلة الشكل ، تشتمل على عشر مجموعات، وكلّ مجموعة تُعَدّ لوحة بحدّ ذاتها؛ إذا ما أستلّت…وتنتظم جمعاء في جوّ الخوف والقلق…
تبدو في طبقتها العليا مجموعة من البيوت تطغى عليها علامات النزوح والهجرة الإضطراريين.
ثمّة في الجهة اليسرى، مجموعة من الأطفال العراقيين البؤساء، بعضهم عراة، يجابههم جندي من قوّات الإحتلال مهدّداً إيّاهم بالويل والثبور! ويبدو وراء الأطفال تمثال عبدالمحسن السعدون، الرامز للإباء الوطني في مجابهة المستعمرين، وقد لاذ به بعض الأطفال، بل صعد إثنان منهم على ذراعه وكتفه!
يطالعنا في الزاوية اليسرى السفلى مشهد من(سوق الغزل) فثمّة إمرأة منشطرة الوجه(وجه مرتعب ووجه متخيّل) مفزوعة قلقة جداً على أطفالها؛ حدّ وضعهم في قفص وحمله على رأسها، وأمامها رجل جالس يصطحب قرداً(يقف على رأسه خضيري مفتوح الجناحين) وكلباَ أجنبيّاً وينهمد قرب قدمه اليمنى قبج نافق. ونرى جنبه رجلاً آخر خائفاً يحتضن ديكا مرتعباً. ويكتمل مشهد الرعب هذا بلجوء طفلين خائفين مع كلب و جرو إلى داخل برميل قُمامة تعلوه ساعة تشير دقاتها إلى الإنفجار المحتمل في أيّ لحظة. بينما يعلو هؤلاء مشهد زبونين يلعبان الدومينو بدم بارد في مقهى، ويتفرج عليهما زبونان آخران هدّهما النعاس، وهما يتفرّجان عبر مخيالهما على رأسيهما اللذين سيتطايران في أيّة لحظة! ويعلو هؤلاء عسكري محتل مدجج بالسلاح يتميّز بوجه عجائبيّ رهيب مستلهم من وجه (شمر بن جوشن)
يتراءى في وسط (مركز) اللوحة من جهتها العليا إثنا عشر فارساً يرمزون إلى ملحمة (الطّف) وشهدائها مع الإمام الحسين(ع) وكلّ واحد منهم يحمل رأسه المقطوع ويلوّح به، وطبعاً يمثلون أيضاً حاضر العراق. وكذلك تتوسّط اللوحة العشرات من المسلّحين بالسيوف والرماح الحاملة للرؤوس البشريّة، وتدلّ أزياؤهم الحديثة على انّهم مهرّجو سياسة معاصرون..وتعلوهم فوانيس(12فانوساً) يتحلّق نورها رأس الإمام الحسين(ع) المغطى بسعفات نخلة منحنية و حادبة عليه.
وفي وسط اللوحة أيضاً وتحت المشهد السابق وحتى قاعدة اللوحة نرى إمرأة شابة تنبيء حركة رأسها بالفزع والقلق على طفلها الذي أخرجته من المهد الفولكلوري، وهي ترقّصه، ويبدو معصمه مشدوداً بخرقة خضراء كتعويذة حامية له من التفجيرات. ويوجد بالقرب من المهد والمرأة مايدلّ على العيش البسيط : فانوس ، ساعة منضدية ،مذياع قديم و صينيّة عليها قوري وشكردان واستكان شاي حتى النصف، وثمّة في الصينيّة أيضاً رأس امرأة مقطوع، وهو رأسها الذي تتخيّله مقطوعاً في أيّة لحظة؛ إثر عمليّة إرهابيّة عشوائيّة.
وعلى يمين هذه المرأة مشهد من مدرسة، حيث يتخيّل التلاميذ رؤوسهم الطائرة…! وثمّة أيضاً طفلة تلعب بحماسة وبراءة غير فاطنة إلى مصيرها الفاجع المحتمل، وتمدّ يدها إلى نخلة، لكنّ سلكاً شائكاً يقطع هذا التواصل.
وفوق مشهد المدرسة نرى حصاناً يمثل العراق وفارسه الشعب، وقد تهاوى على الأرض وانغرزت الرماح في صدره. وهناك أيضاً رمز من رموز الإحتلال مدجج بالسلاح وترتبط حركته بقوّة حركة القطار الذي يحمله، ويعزز هذا الإيحاء رأس ذوقرنين يرمز إلى همجيّة المحتلين. ولصق هذا المشهد نشهد ماحدث في ساحة الطيران، حيث فتك تفجير إرهابي بعمال(المسطر) وأغلبهم من أهل الجنوب، وقد نزحوا حاملين أكواخهم على رؤوسهم، ويطاردهم الخوف من البطالة والجوع والموت، وكلّ منهم يحمل أيضاً رأسه المقطوع(المتخيّل) بيده!
وفي الزاوية اليمنى العليا باص قديم يحمل في داخله وعلى سطحه عدداً هائلاً من الهاربين، ويبدو تحته ثلاثة شبان يعزف أحدهم على العود، بينما يتخيّلون رؤوسهم المقطوعة أمامهم على المنضدة! ويوجد جنبهم سجن يضمّ عدداً من الطيور.
أمّا آخر مشهد من حياة الخوف فيقع في الزاوية اليمنى السفلى من اللوحة، حيث نشهد أحد القرّاء حاملاً بيده فانوساً، وهو يحدب على الكتب، عقب التفجير الإرهابي الرهيب الذي دمّر شارع المتنبي(شارع الثقافة العريق الشهير في العراق)
(4) بيوت من صفيح اليورانيوم
مستطيلة الشكل . تتكوّن من ثلاث طبقات. تضمّ طبقتها العليا صفاً من الناس المتفائلين والمختلطين بـ (طيور الجنة) يليهم صف من النخيل. و يطالعنا من جهة اليسار مشهد غرائبي، حيث حوّل الأطفال طائرة سمتيّة معطوبة إلى أرجوحة مشدودة بجذعيّ نخلتين! وتحته شفل اتخذ سائقه شفرته مشرباً وراح آخر يرقص على قمارته، وهكذا نرى الناس يعيشون رغم الدمار والبؤس بلاأبليّة وعبثيّة! وثمّة مشهد لبيادق شطرنجيّة ترتدي العلم العراقي، وتليها في الأسفل لعبة الكراسي على الطريقة الأمريكيّة، وقربها يُلقى القبض على عراقيين في المقاهي بصورة عشوائية، ثمّ يعتقلون أو يعدمون. ونرى ظاهرة بيع الأسلحة على قارعة الطريق، وسكن الناس في الباصات المهجورة، وتحت هذا المشهد نرى مهرجين بأزياء مزركشة يطبّلون ويزمّرون، بينما يلوّح (كاوبوي) متدرع بسيف روماني، ويلتف سلك شائك حول عنقه ويمتدّ مثل حبل غسيل، يجرّ به طائرة حربيّة تحمل عروساً بزيّ الزفاف، يبدو عليها رفض الزواج من الكاوبوي، وهي ترمز إلى بطلان المعاهدة مع أمريكا، يؤازرها أطفال ونسوة متظاهرون…وتحتها زمر من جيوش الإحتلال آخذة بالتضاؤل..
وفي وسط اللوحة تتجلّى آثار الحرب، لاسيّما تأثير اليورانيوم المشع، على الأطفال والنساء، حيث نرى أطفالاً صلعاء يرفعون العلم العراقي على نخلة بدلاً عن سارية. ويعلو هذا المشهد ديكان هائلا الحجم يصيحان صيحات احتجاج ، وهما يرمزان إلى اليقظة والرجولة..
وفي الوسط قرب القاعدة جمهرة من الرجال والنسوة تشيّع نخلة ملفوفة بالعلم العراقي ويعلوها فانوسان، وترافق حمائم منطلقة من قفص مسيرة التشييع، وثمة أيضاً نخلة مشطورة قرب هذا المشهد. وفي وسط اللوحة تقوم احتفاليّة الراحلين إلى العلياء، حيث أصبح الموت ضريبة يوميّة باهظة يدفعها العراقيّون.
وفي الأسفل قرب الزاوية اليمنى نسوة يعولن وينتحبن على رؤوس: شبعاد، زوجة آيو، سرجون و كَوديا. ويشير هذا المشهد إلى واقعة سرقة وتحطيم آثار العراق العريقة. وفوق هذا المشهد نرى أطفالاً حوّلوا دبّابة معطوبة إلى ملعب جاهلين الثمن الباهظ الذي سينتزعه اليورانيوم من حيواتهم! وقربهم رافعة عملاقة تحمل قفصاً فيه ناس ، وهي ترمز إلى تكريس التكنولوجيا للتعذيب، كما حدث في سجن(إبي غريب) وتحتها مشهد لمناحة كبيرة على رؤوس مقطوعة تمثل المقابر الجماعيّة في العهد العفلقي الدكتاتوري ، والمكتشفة تترى لاحقاً.
ونرى في الزاوية اليمنى السفلى مشهدين متشابهين، حيث ترقص نسوة في حفلة زفاف، وتطالعنا حتى الكلاب بأوضاع طبيعيّة؛ ممّا يدل ذلك على ديمومة الحياة رغم كلّ ما حدث وما يحدث وما سيحدث..
تؤكّد هذه اللوحة على شيوع اللامبالاة إزاء الدمار والموت، كما لو انّهما حالة عادية !
(5) الرحيل إلى الإسفلت
لوحة مستطيلة الشكل. تتكوّن من ثلاث طبقات،تحتل سفلاها قرابة ثلثي مساحتها. تبتديء رحلة النزوح من جهة اليمين إلى اليسار في اللوحة ، حيث نرى في طبقتها العليا حشداً من النازحين والنازحات حاملين/ حاملات صرراً، وتحمل بضع نسوة حزماً من البردي على رؤوسهن؛ لبناء أكواخ منها في المدينة! ونشاهد صفاً من النخيل أكثرها مجرّد من السعف.
على اليمين نشاهد إمرأة نازحة تحمل على رأسها صندوق عرسها القديم المزدان برسم مشهد دفن الملكة(شبعاد) مع حاشيتها في مقبرة (أور) وثمّة بضعة طيور تحطّ عليه. وهنا يتبيّن لنا الدليل على الإعتزاز بالتاريخ. وتحت هذا المشهد نشهد عائلتين نازحتين، تربطهما علاقة قربى. تتكوّن كلّ واحدة منها من رجل وإمرأة. يطغى اللون الأحمر على زيّ المرأة الأولى ذات الوجه البروفايل(المرسوم جانبيّاً)،والتي تحمل على رأسها زويرقاً يحتوي على طفل وكلب وأربعة طيور، وتبدو على جانبه رسمة توثق معركة غابرة بين السومريين وبلاد فارس، ورسمة لغوّاص وقربته التي يتنفس بواسطتها أثناء الغوص. وتمضي المرأة قدماً يساراً وهي حافية القدمين، يتقدّمها زوجها الملتفت إليها نصف التفاتة، وهو(كَوديا) يحمل العلم العراقي(مع فانوس معلق بأعلى ساريته) بيد و(قصب نفاش) باليد الأخرى، وقدماه الحافيتان مدميّتان من طول المسيرة، واليسرى منهما ملفوفة بخرقة. أمّا المرأة الثانية فهي الملكة شبعاد وتبدو حبلى ، ويغلب اللون الأزرق على زيّها، وتلبس نعالاً وحجلاً، وتحمل على رأسها مذياعاً من طراز قديم، وتحمل بيدها اليسرى سمكاً. ويتقدّمها سرجون الأكدي المعتمر عقالاً والمنتعل خفاً، وهو يحمل على كتفه عجل جاموس، وعلى رأسه ديك شامخ ، وكذلك يقتاد جاموساً يحمل مهداً أرجوحيّاً فولكلوريّاً فيه بضعة أطفال وكلب، وتحط خمسة طيور على المهد .. وفي مشهد هاتين العائلتين النازحتين تبدو الكتابة السومريّة على القسم السفلي من ملابس الرجلين، وتستلفت زينة شبعاد النظر بحجلها ومعاضدها وحليّ رأسها. وكذا الحال مع الكليم المتعدد الألوان كبرذعة للجاموس.
ولأن وصف تفاصيل النزوح يطول؛ فقد اقتصرنا على ما أسلفناه، وركّزنا على تراجيديا النازحين الذين يستقبلهم الإسفلت في المدينة، حيث نرى مجموعة منهم قد جلبت مشاحيفها بالباصات القديمة؛ ظانة بسذاجتها وجود مسطّحات مائيّة في المدينة! وناقلة حتى المدرسة المبنية بالقصب والبردي معها! وتليها في الأسفل مجموعة من النسوة المنكوبات التعيسات يعولن وينتحبن، وعلى يمينهنّ مجموعة من الطيور ينتحر بعضها بالتحليق عالياً، والهبوط السريع للإرتطام بالأرض بمناقيرها لتموت! وتستلفت أنظارنا رؤوس الجواميس المذبوحة المعلّقة بأعمدة الكهرباء، ومازال الدم يتقطّر منها، في حين كان كل جاموس يعد أحد أفراد العائلة في الأهوار!
ونختتم معاينة هذه اللوحة بالمشهد المأساوي البادي في الزاوية اليسرى السفلى، حيث تبدو جاموسة على جبينها خرزة زرقاء(حامية من الحسد والشر!) وفي منخرها(خزّامة) وعلى جسمها كتابة مسمارية ورسومات للأطفال، وتنبطح على ظهرها صبيّة راضعة من ثدي، ويحط طائر على ساقيها. وتعلو هذا المشهد جواميس أخرى يركبها أطفال…وثمّة أيضاً إمرأة صارخة وابنها الحافي بثوب ممزق؛ بحيث تنكشف أعضاؤه التناسلية، وجنبه كلب صغير كأنه يشارك الأم والإبن المعاناة.
يؤكّد الفنان الياسر في هذه اللوحة الهائلة على اعتزاز أهل الأهوار(المقتلعين النازحين) بكلّ ما في بيئتهم من حيوان وطير وأشياء وقيم وتراث وتاريخ، بنقل الجواميس والكلاب والدجاج و( شيات المضيف) والمشاحيف وقصب النفاش(الذي ينمو ويغدو لاحقاً بردياً) معهم إلى المدينة !
(6) ليلة الذئاب
مستطيلة الشكل. مركزها هو واقعة إغتصاب الفتاة العراقيّة (عبير قاسم حمزة) من قبل ثلاثة جنود أمريكان بهمجيّة وضراوة، وتبدو الفتاة صارخة بأقصى ما فيها من قوّة، وتشبه هيكلاً عظميّاً، وهي تستغيث بالسماء ملوّحة بيديها..وتصعيداً لجريمتهم البشعة الفظيعة ؛ فقد قتلوها مع أفراد عائلتها النائمين( الأب، الأم وأختها الصغيرة) وتبدو صينيّة عليها العشاء الأخير للعائلة المغدورة، التي أصبحت واقعتها الأليمة رمزاً لإقتحام وإنتهاك البيوت الآمنة العزلاء..وامتداداً لمشهد الإغتصاب نرى حمائم مذبوحة محوّطة بأسلاك شائكة، وعلى يمين عبير نرى ديكاً متحدّياً يصيح مبشراً بفجر التحرير الكامن في ضمير المستقبل. وعلى يسار هذا المشهد يبدو تمثال الحرية مقلوباً؛ إشارة إلى الحقائق المقلوبة وبالأخص إحتلال أمريكا لبلدان واستعباد شعوب شرقاً وغرباً؛ بحجة التحرير وإرساء الديموقراطيّة، وطبعاً تجد ذريعتها المشروعة في الأنظمة الإستبدادية والحكام الدكتاتوريين اللذين أوصلتهم إلى العروش وساندت أنظمتهم الطغيانيّة مثل نظام العفالقة وصدّام، فمن المعلوم للقاصي والداني مجيء البعث الشوفيني الفاشي للحكم بقطار أمريكي في انقلاب شباط الأسود(عروس الثورات!) والمؤازرة الأمريكية العظيمة للبعث في الحرب ضد إيران، ومحاولات إعادة البعثيين إلى الحكم الآن من جديد، بعد الإطاحة بهم في نيسان2003!
وامتداداً للتمثال المقلوب نرى مهرجاً بزيّه المزركش ماسكاً بشعاع من إكليل رأس التمثال، معبراً عن موقف الإستخفاف الذي أعطى به بوش الإبن الضوء الأخضر لإحتلال العراق، ويقف المهرج على ظهر قاطرة تحمل ثوراً مهاجماً رامزاً إلى الضراوة والهمجية، حيث تمضي القاطرة داهسة الضحايا.
و لنعد إلى الجهة اليمنى من اللوحة، حيث نشاهد فوق مشهد عائلة عبير سجناء وسجينات أبي غريب، وأحدهم عار يقتادونه للإعتداء عليه، وإحداهن معلقة من قدميها. وعلى يمين هذا المشهد المؤلم مشهد لعب قمار ومعاقرة خمر وتبدو نادلة وهي غربية تحمل رأس سرجون الأكدي، ويشير المشهد إلى محاولات تمزيق العراق من بعض الساسة المتاجرين. وعلى يسار هذا المشهد وفوق مشهد سجن أبي غريب نرى مشهد (شبّاك المراد) الذي يرمز إلى يأس العراقيين من الحكومات المتعاقبة العاجزة عن الدفاع عن حياض الوطن وإرساء دولة القانون والمواطنة، والملفت للنظر في هذا المشهد هو تمثال الحرية في زيّ إمرأة عراقيّة وفي وضع معاكس لتمثال الحرية المقلوب ؛ فهنا في موقف الخجل والإحتجاج ضد المحتلين.
أمّا المشهد الأخير والواقع على اليمين وحتى الزاوية اليمنى السفلى فهو سرجون الأكدي المتحزم بالعلم العراقي وزيّه المنقوش بالكتابة المسماريّة، وهو يحمل بيده اليمنى نخلة وفانوساً ومسجداً وحسينية والتي تمثل ثروة وتراث وحضارة العراق، وبيده اليسرى طفلاً رامزاً إلى المستقبل ، وهو يمضي قدماً عبر الأسلاك الشائكة.
(7) النهر الثالث
مستطيلة الشكل. تبتديء من اليسار، حيث نشهد في الزاوية اليسرى العليا طائرة حربيّة تخترق منحوتة استلام حمورابي لشريعته من إله….والمسلّة ملفوفة بالعلم العراقي، وعلى يمينها خمس أيدٍ مختلفة الألوان (تمثل القارات الخمس) وهي تلوّح بالإحتجاج ضدّ إحتلال العراق وتدميره. وعلى يمينها مجنّدة أمريكيّة تجرّ معتقلاً عراقيّاً لتذيقه أفانين التعذيب والهوان. ولصق هذا المشهد تتراءى جمهرة من النسوة العراقيات في مناحة صاخبة على جنازة شهيد عراقي، وهنّ يلطمن ويعولن وينتحبن. ويماثلهنّ رأس ضخم لثور آشوري مجنّح صارخ صرخة احتجاج هائلة. ويليه في الأسفل مشهد نرى فيه(كَوديا) يحمل وصايا العراق إلى العالم؛ مذكّراً البشريّة بما حلّ من دمار وموت…وجنبه(آبو) اللابس يشماغاً أخضر، وهو يتلو(الفاتحة) على روح سرجون الأكدي المحتضر المسجّى والملفوف بالعلم العراقي وهو يسلّم خارطة العراق إلى الطفل علي ( رمز المستقبل) المقطوع الذراعين جرّاء القصف الأمريكي، والذي يحمل سيفاً بفمه؛ فيذكّرنا بسلفيه التاريخيين الشهيدين العبّاس و جعفر الطيّار عليهما السّلام. ونرى شبعاد مطلقة صرخة هائلة وهي تقطع ضفيرتيها ناعيةً الفقيد سرجون الرامز لتاريخ العراق. وإلى جنبها شخصيّة عراقيّة ريفيّة تمثل أحد أبطال ثورة العشرين حاملاً سلاحيه البدائيين(الفالة ، المكَوار…) وهو قابض على الأسد الإنكَليزي. وفي أسفل هذا المشهد نرى رؤوساً تمثل الحضارات: الفرعونيّ، الإغريقية، الإيرانية والرومانيّة وهي تنعي سرجون الأكدي رمز الحضارة العراقيّة.
وعلى يمين مشهد نعي سرجون الأكدي تتراءى فتاة متطايرة الشعر، مقطّعة القلادة، محروقة الأصابع، وهي تحمل على رأسها مسلّة حمورابي ورموزاً للتآخي الديني، وعلى ساعديها رموز دجلة والفرات والشمس والقمر والنخلة وبعض الكتابات، وهي تمثل(بغداد) التي أقسمت ألاّ تحيد عن طريق السؤدد والسلام رغم قدميها المدميّتين؛مادامت تستمدّ القوة من اللبوة الجريحة الناهضة بعد كبوة مؤقتة، ونلحظ سهاماً منغرزة في جسمها وجسم الفتاة يطلقها عليهما راميان من جهة اليسار. وعلى يمين هذه الفتاة صبيّة بضفيرتين مشدودتيّ النهايتين بشريطين من العلم العراقي، وتحمل على رأسها فانوساً، بينما تطلق حمائم من قفص ترمز لسجناء العراق في سجون الإحتلال، وبذلك فهي تمثل المستقبل المأمول.
ولننتقل إلى المشهد الذي يعلو مشهد هاتين الفتاتين، والذي يشتمل على بضعة مشاهير من أعلام العراق المعاصرين والقدامى في مجالات: الأدب والفن والفكروالسياسة وهم يستقلّون سفينة يقودها كَوديا الحاكم العادل للكَش، وهم: الملك فيصل الأول، شعلان أبو الجون، الجواهري، فائق حسن، عبدالكريم قاسم، مظفر النوّاب، منير بشير وداخل حسن، وآبو الذي يحمل بوّابة المتحف العراقي المصدعة بقذيفة ، بينما تحمل زوجته رأس سرجون، وطبعاً لاتخلو السفينة من اللصوص الناهبين لثروات العراق!
الإستنتاج والتقييم:
كل لوحة من لوحات هذه السباعيّة ( وهي مستطيلة جمعاء بضرورة بانوراميّتها) عبارة عن بضع لوحات، و إذ تأتلف تكوّن ملحمة متماسكة إلى حدّ ملحوظ ، و هي أشبه ماتكون بمرجل كبير يغتلي بقنوط الفنّان وغضبه الجارف وأمله الجريح ، حيث يتجسّد وعيه الثائر على شتى صنوف القهر والإستلاب والفساد والعنف والدمار، التي تطال الإنسان العراقي وبيئته. وإذا ما تمعّنّا بدقة في كلّ لوحة ؛ سنجدها مولّفة من بضع لوحات (كما أسلفنا) توليفاً سينمائيّاً بدراية فنّيّة في فضائها المتاح ؛ بحيث تنسجم اللوحات فيما بينها ومع اللوحة المركزيّة (المحور) في السياق السردي للأحداث التي تستحضرها وتجسّدها تصويريّاً في أكثر الأحيان ، وتصويريّاً وتدوينيّاً (كتابيّاً) أحياناً.
تنماز لوحات الياسر بتكويناتها الإنشائيّة (البنائيّة) القائمة على التصميم الهندسي الدقيق المدروس في توزيع العناصر(الكثيرة دائماً)على مساحاتها ، وتلعب الألوان(الكثيفة بالأخص) المشفوعة (عموماً) بالخطوط البارزة دوراً مهمّاً في إشباع أفضية اللوحات ؛ بحيث تنحسر الفراغات أمام اكتظاظ العناصر، حيث لانجد لوحة تقتصر على عنصر أو عنصرين أو ثلاثة ، بل يتعدّى (البضعة) في اللوحة الواحدة ، وقد يبلغ العشرات أحياناً، بتنوّع كبير : بشر، حيوان، طير، و عناصر أخرى من الطبيعة…
ويتسم الفنان الياسر بحسّ مرهف في استعمال الألوان الحارّة والباردة بكلّ تدرّجاتها وتراكيبها؛ بحيث تجسّد أبعاد اللوحة بما فيها من عمق، فضلاً عن جدليّة التناغم والتنافر بين عناصرها المتعددة؛ ممّا يفضي إلى تفجّر حركة صاخبة على فضائها ، بالإضافة إلى تجسيم تضاريسها البارزة.
وهنا تستوجب االإشارة إلى أنّ العلاقة بين فنّيّ التصوير والكتابة عريقة جدّاً في الثقافة الرافدينيّة؛ وهي ملموسة لاتستوجب إيراد الأمثلة هنا، وإنّما تتطلّب معاينة نظيراتها في هذه السباعيّة الياسريّة ، حيث تتضافر الصور والكتابة في هذه اللوحة أو تلك ؛ فيقوم تحالف قوي بين الأشكال المرئيّة والماهيّات والإشارات الثريّة للحروف والكلمات والعبارات والجمل الموزّعة بدراية دقيقة؛ بحيث يولّد التحالف المذكور لغة مرئيّة جديدة أقوى لأنّها تشتمل على معجم أكبر من المفردات (العناصر الحبلى بالدلالات والعلامات والإشارات المتناسلة) يتيح المجال الكافي ؛ لكي يحاور المشاهد نفسه ومحيطه على أوسع وأعمق نطاق ممكن. وهذا يعني أنّ الحروف والكلمات والجمل(المنطوقة/ المدوّنة)الموزّعة على المساحات المعيّنة من فضاء هذه اللوحة أو تلك تستحيل وسيلة تبليغ مرئيّة ، فهي ليست زخارف ديكوريّة زائدة ، وإنّما هي عناصر أساسيّة تستكمل الوحدة العضويّة للوحة بمبناها وفحواها. وبذلك تكون كلّ لوحة من اللوحات (ذوات الكتابة) أشبه ما تكون بمنمنمة كبيرة جدّاً، لكنّها معكوسة ؛ لأنّ الرسوم في المنمنمات القديمة مهما احتلّت مساحات أكبر من الكتابة، كانت ذات وضيفة توضيحيّة ، أي موضحة للنص المكتوب ، في حين تجمع العلاقة التكامليّة ، وليست التبعيّة، بين الكتابة والتصوير، في هكذا لوحات للفنان الياسر.
يستحضر الياسر المزيد من رموز الماضي الغابر والوسيط والحديث لبلاد الرافدين ، ولايتغيّا منها التزيين الزخرفي ، وإنّما ينشد قراءة الماضي بكلّ أبعاده واستخلاص أبرز وأهم رموزه ، ثمّ إعادة تشكيلها، وتجديد ها بإدخالها كعناصر حيويّة في حيّز الحاضر المُجَسَّد في إطار فضاء اللوحة ؛ وعليه يكتسب الحاضر الراهن بعداً دفعيّاً من الماضي يسارع حركته الدائبة نحو مستقبل مفتوح على الإحتمالات… و هنا لابدّ من التأكيد على أن للفنان والأديب كل الحريّة في توظيف ما في التراث من رموز ؛ لتجسيد رؤيته المعاصرة ، و لكن من الخطأ توظيف كلّ ما في التراث مثل شخصيّة سرجون الأكدي كـ (رمز مطلق) ؛ لأنه مرتبط أصلاً بسياق تاريخي محدد ، لايجوز سحبه على ما هو معاصر بصورة مطلقة .
إنّ هذه السباعيّة الملحميّة والعشرات من لوحات الياسر تؤكّد كونه متعمّقاً في دراسة الواقع الإجتماعي العراقي واستيعاب أبعاده: السياسيّة، الإقتصاديّة والثقافيّة، وبالأخص جنوبيّ العراق؛ وعليه فهو لايرسمه رسماً فوتوغرافيّاً توصيفيّاً ، وإنّما يخترق أديمه ونسيج بنيته ويستغوره ؛ ليعبّر عمّا يمور في باطنه ، مستحضراً العديد من المشاهد التراجيديّة والتراجيكوميديّة لسواد الناس المسحوقين ، المغتربين عن ذواتهم الإنسانيّة والمغلوبين غلى أمرهم ، بل ويفتقرون إلى أدنى غنى روحي ؛ لما يكابدونه من اضطهاد واستلاب ، بالإضافة إلى لهاثهم اليوميّ وراء لقمة الزقنبوت اللاكفاف ، رازحين تحت كوابيس الأنظمة الجائرة والفاسدة المتعاقبة على دست حكم هذا البلد، الذي يُعَدّ من أغنى بلدان العالم بثرواته الطبيعيّة وأعرق بلدان العالم في حضارته! وهنا تتبيّن أيضاً نزعة الياسر التوثيقيّة ؛ حيث تطالعنا لوحاته كمرايا ذكيّة وصادقة عاكسة بجماليّة فنّيّة راقية لظاهر وباطن واقع- مجتمعه – اللاإنساني بمبائسه الكثيرة ومباهجه القليلة بأسلوب تعبيري- سوريالي ملغوم برفضه والتمرّد عليه والدعوة غيرالمباشرة إلى تغييره.
ثمّة نقطة طريفة في مشهد الفن التشكيلي العراقي المعاصر تستلفت نظر الناقد المتمعّن ، ألا وهي أن بعض الفنانين لايفلحون في تشخيص مذهبهم الفني بدقة ومنهم فناننا عبدالرزاق الياسر، الذي نعت نفسه ذات حوار بـ (واقعي حداثوي) في حين ليس في أغلب لوحاته أيّ التزام بأهم مدماكين للواقعيّة بشتى شعبها ، ألا و هما : التشريح (النسب المألوفة لأجسام البشر والحيوانات والأشياء…) والمنظور التقليدي. ولايقلّل نعته غيرالصّائب لنفسه من كونه مبدعاً كبيراً ، أمّا التشخيص الأقرب إلى الصواب فهو فنان (واقعي – تعبيري) في بعض لوحاته ، و (رمزي- تعبيري) في بعض لوحاته ، و (ذو نزعة بدائية) في بعض لوحاته، و(تعبيري- سوريالي حداثي راديكالي) بمعنى الكلمة في بعض لوحاته ، ولعل الأهمّ من كلّ شيء انه ليس برسّام مسلكي من طلاّب التكسّب والأضواء، و إنّما (فنان الشعب) بصفته نموذجاً للفنان الممثّل لضمير الشعب ؛ بالتزامه الذاتي (الوجداني) غير الخاضع للإلتزامات الإلزاميّة المؤدلجة ، التي هيمنت عشرات العقود على الفنون والآداب المكرّسة لخدمة أنظمة الحكم الكليانيّة الطغيانيّة..ولإضاءة النقطة السّالفة أكثر؛ نقول بعد معاينة متأنيّة دقيقة للعشرات من لوحات الياسر، لاسيّما سباعيّته الملحميّة ؛ إستنتجنا أن فنه واقعيّ المضمون ، لكنه ليس بتصوير فوتوكَرافي للواقع العينيّ ، وإنّما هو تصعيد للواقع إلى فلك الخيال والسّمو به أحياناً مجسداً ما فيه من معطيات إنسانية وغيرإنسانيّة ؛ حيث تنجلي المصداقية التاريخيّة لفنه الجامع لمرارات كثيرة وحلاوة قليلة…ولوكان (فنه) يتطابق مع (الواقع) وذلك محال أصلاً ؛ لكان يفقد ماهيّته الفنيّة لأنّ ” الواقع ليس فنّاً ” كما قال كَوستاف كوربيه ، في حين أنّ الفن يعيد صياغة الواقع بهيكلة جديدة ، بأساليب شتى مختلفة من مذهب فني لآخر، ومن فنان لآخر طبعاً ؛ وإلاّ ضاعت أو انمسخت الأصالة والفرادة. وهنا تتأكّد الفرادة المشهودة للياسر بصفته مبدعاً أصيلاً ذا موقف راسخ رصين إزاء الواقع ورؤية نفّاذة جليّة ، وضليعاً في حرفيّته الفنّيّة ، حيث يهيمن باقتدار على فضاءات لوحاته الكبيرة بكلّ مفرداتها المتعدّدة والمتنوّعة ، وكأنّه (قصّه خون) يروي بجرأة مشهودة ملاحم شعبيّة تكشف عن (المسكوت عنه) بلهجة تعبيريّة- سورياليّة تعكس فنيّاً واقعاً ميتاسوررياليّاً!
و هكذا تحققت فرادة الياسر الأصيلة في مشهد الفن العراقي المعاصر، لا بل في مشهديّ الفن العربي والعالمي؛ مبرهناً على كون حقيقة ملموسة على مدى تاريخ الفن البشري، ألا وهي أن(المحلّيّة) المبدعة الأصيلة والمتفرّدة هي السبيل الصائب والضامن إلى(العالميّة) المنشودة.
الفنان عبدالرزاق الياسر
• 1947/ولد في (اور- ذي قار-العراق)
• 1972/تخرج في كلية الفنون الجميلة (فرع الرسم) جامعة بغداد حاصلاً على شهادة البكلوريوس .
• 1971-1972/عمل رساماً في مصلحة السينما والمسرح(لرسم وتصميم مناظر الدمى)
• 1972-1975/عمل رساماً في جريدة الجمهورية.
• 1974/تخرج في دورة مصممي الديكور،التي أقامها التلفزيون العراقي (بغداد)
• 1975/عمل مصمماً للديكور في تلفزيون العراق (بغداد) منجزاً العديد من ديكورات المسلسلات والتمثيلات والأغاني العراقية.
• 1977/حصل على شهادة اختصاص في (تصميم الديكور التلفزيوني) من جمهورية المانيا الديمقراطية.
• 1983/حصل على شهادة الماجستير (الرسم) من جامعةهارتفورد – U.S.A
• 1984-1986/ عمل محاضراً في موضوع (تصميم البوستر الطباعي وتصميم الكارت)في (قسم التصميم) بكليةالفنون الجميلة- جامعة بغداد
• عمل رئيساً لقسم الديكور في تلفزيون بغداد عام 1985
• 1986-1990/ عمل محاضراً في كلية الفنون الجميلة/ جامعة بغداد (قسم الفنون التشكيلة)لمادة البحث في الفضاء
• 1988/عمل مصمم ديكورات واكسسوارات متحف التراث الشعبي(المتحف البغدادي)
• 1989/تدرب على أيدي أشهر نحاتي ايطاليا (جاني جنيزه) و(روميرو فليتشه)الفنان المتخصص في صب التماثيل في عام 1989
• 1990/نقلت خدماته من وزارة الثقافة والإعلام الى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي( كلية الفنون الجميلة ) قسم الفنون التشكيلية- فرع الرسم،وعمل عضواً في الهيئة التدريسية حتى عام1994
• 1995-2001/عمل أستاذاً ورئيساً لقسم التشكيلي في كلية العمارة والفنون(جامعة درنة /ليبيا)
• 2002-2006/عمل أستاذاً في قسم التربية الفنية بكلية التربية- جامعة ذمار(اليمن)
• منذ2006 /يعمل أستاذاً في كلية الفنون الجميلة -جامعة صلاح الدين/أربيل-كردستان العراق.
المعارض الشخصية :
• المعرض الشخصي الأول في دولة(أبو ظبي)- 1976
• المعرض الشخصي الثاني في( نادي العلوية)العراق عام-1978
• المعرض الشخصي الثالث في(جوزلوف كَاليري) هارتفورد -U.S.A1983
• المعرض الشخصي الرابع في الجامعة الأردنية-1994
• المعرض الشخصي الخامس على قاعة الفنانين الأجانب(ستلبا) صوفيا-بلغاريا-2002
• المعرضه الشخصي السادس على قاعة ميديا للفنون بأربيل/ كردستان العراق-2007
االمعارض الجماعية :
شارك في العشرات من المعارض الجماعيّة داخل العراق و خارجه منذ 1972 و منها:
معارض جمعية الفنانين العراقيين خلال السنوات (1972-1994) / معارض الدولة في السنوات(1974-1994) / معارض (الفن العراقي المعاصر) المقامة في(باريس-1977)،(موسكو-1977 حيث إقتنى البرلمان الروسي إحدى لوحاته، وكتبت الصحف الموسكوفية عن لوحته(جامعات الملح)،(لندن-1977) و(تونس والمغرب-1985) / معارض مهرجان بابل الدولي في السنوات(1987-1994) / معظم معارض مهرجان الواسطي في السنوات(1984-1994) / معظم معارض المهرجان العالمي للفنون التشكيلية المقامة في بغداد / (معرض الفنانين العراقيين) المقام في مسقط-1993 / (معرض الفنانين العراقيين) في عمّان –الأردن،عام1993 / كافة معارض التدريسيين بكلية الفنون الجميلة خلال السنوات(1990-1994) بغداد / معرض (التبرع لأطفال العراق) على كَاليري عالية- الأردن عام 1994 .

الأعمال والأنشطة الفنية الأخرى:
• شارك في تأليف كتاب(التصميم الطباعي) لطلبة قسم التصميم للمرحلتين الأولى والثانية في (معهد الفنون التطبيقية)-1991
• شارك في مسابقة تصميم نصب تذكاري (برجي التجارة العالمي) في نيويورك و تصميمه محفوظ في المتحف المقام في المكان نفسه.
• صمم ديكورات بعنوان (بلد الطيبون) للفضائية الليبية سنة 2000 .
• صمم ديكور مسرحية(القاع)للمخرج العراقي د.فيصل عبد عوده على مسرح المركز الثقافي (صنعاء_اليمن) 2006 .
• صمم العديد من أغلفة الكتب الأدبية.
• فاز بنصب نحتي في إيطاليا عام1989 وآخر في بغداد عام 1993

* قسم من كتاب جاهز للنشر عن الفنان عبدالرزاق الياسر

المصدر: موقع الكاتب في الفيسبوك