الرئيسية » التاريخ » ؟ دراسـات في التاريخ الكردي القديم ( الحلقة 10 )من هم الميديون

؟ دراسـات في التاريخ الكردي القديم ( الحلقة 10 )من هم الميديون


من هم الميديون؟

أخبار الميديين قليلة، وهي أحيانًا غامضة، والغريب أننا لا نعرف أخبارهم من مصادرهم وسجلاتهم، مع أنهم أسسوا دولة قوية، ثم بنوا إمبراطورية كبرى، وإنما نعرف أخبارهم من مصادر جيرانهم الآشوريين والفرس والأرمن، ومما دوّنه بعض اليونان أمثال أكسنوفان (زينوفون) قائد المرتزقة العشرة آلاف، والرحّالة المؤرخ هيرودوت، والطبيب المؤرخ كتسياس؛ وهذا في حد ذاته دليل على حملة التعتيم والتغييب التي تعرّض لها التاريخ الميدي، وسليله التاريخ الكردي، منذ ثلاثة آلاف عام، وما زال كهنة النزعات الإمبراطورية في غربي آسيا يحملون لواء تلك الحملة بحرص شديد.
وقد ذكرت المدوَّناتُ الآشورية، في القرن التاسع ق.م، اسم شعب يسمى (ميد) Medes وثيق الصلة بالفرس يقطن المنطقة المجاورة لبلاد آشور من ناحية الشرق، وادّعى كل من الملكين الآشوريين تِغلات پلاسَّر الثالث (747 – 728 ق.م)، وسرجون الثاني (722 – 705 ق.م) أنهما ألزما الميد بدفع الجزية، وجاء وصفهم في الكتابات الآشورية بأنهم (الميديون الخطرون)، وأنهم شعب قَبَلي لم يتحد تحت لواء ملك واحد .
وكلمة (ماديون/ميديون) هي باللغة الآشورية (ماداي) Medai، و(أماداي) Amadai، و(ماتاي) Matai، أما باللغة العيلامية الحديثة فهي (ماتا- په) Mata- pe، وباللغة العبرية القديم (ماداي)، وباللغة الفارسية القديمة (مادا) Mada، أما باللغة اليونانية القديمة فهي (مادي/ميدي) Madoi، Medoi ، وباللغة الأرمنية القديمة (مار-ك) Mar-k، وباللغة البارتية (مات) Mat. ويرى دياكونوف تقاربًا في المعنى بين (أمادي) أو (ماداي) وكلمتي (مارودي) و(أمارودي)، ويقول: “فإن كلمة ماردوي وأماردوي باليونانية القديمة، ومارتا في أويستا الوسطى، جميعها تأتي بمعنى المحارب، أو المقاتل، أو المتمرّد، والمتمرّد الجبلي” .
ويستفاد من الدراسات الدائرة حول الميديين أنهم أتوا إلى المنطقة التي سُمّيت لاحقًا (كردستان) منذ حوالي (1100 ق.م)، وكانوا يتألفون من اتحاد ستة قبائل، سمّاها دياكونوف: Boussi, Paretaknoi, Strouknates, Arizantoi Boudloi, Magoi، وسمّاها هيرودوت (بوسّي، وباريتاسيين، وستروكاتي، وأريزانتي، وبودي ، وماجي)، وكانت اللغة الميدية مشترَكة بين بطون هذا الاتحاد القبلي، ويستفاد مما ذكره أرشاك سافراستيان أن گوتيوم سمّيت بعدئذ ميديا؛ ثم سمّيت المنطقة ذاتها (كردستان)؛ وهذا يعني- حسب رأيه- أن ميديا هي امتداد جغرافي وتاريخي وثقافي لگوتيوم، باعتبار أن الگوتيين والميد سكنوا المنطقة ذاتها .
الملك دياكو.. ومعركة التحرير:
لعل أبرز حـدث في تاريخ الميد هو حربهم ضد إمبراطورية آشور، فقد كانت هـذه الإمبراطـورية هي الأقوى آنذاك في المنطقة التي تُعرَف اليـوم بالشرق الأوسط والشرق الأدنى، وتشمل إيران وأذربيجان وأرمينيا وكردستان والعراق وسوريا وتركيا (ليديا قديمًا)، وكانت فروع الشعب الميدي تتطلع إلى الخلاص من السيطرة الآشورية، فشنّ ملوك آشور الحمـلات المتتـالية على معاقلهم، وأنزلوا بهم أفدح الخسائر، ودمّروا مدنهم وقراهم، وأجبروهم أحيانًا على الهجرة إلى مناطق نائية. (انظر الخريطة رقم 5).
وحدث أول اتصـال بين الميـد والآشوريين سنة (835 ق.م)، أو سنة (837 ق.م) في عهد شلما نصّر الثالث، وكان الآشوريون في خصام دائم مع الميديين، وحقّقوا بعض الانتصارات عليهم، لكنهم عجزوا عن فرض سلطة فعلية عليهم، لقد حاربهم كل من شلما نصّر الثالث (858 – 824 ق.م)، وشَمْشي حـَدَد الخامس (821 – 810 ق.م)، وتِغْلات پلاسَّر الثالث (747 – 728 ق.م)، وسَرْجُون الثالث (722 – 705 ق.م)، كما حاربهم أسرحدّون (680 – 669 ق.م) وآشور بانيپال (668- 626 ق.م) .
وحوالي منتصف القرن الثامن قبل الميلاد برز زعيم ميدي عبقري يدعى دَياكو Daiku بن فراورتيس Phraortes (حكم بين 727 – 675 ق.م)، ويسمى (ديوكو) Dioku و(ديوسيس) Deioces أيضًا، ويسمّى في المصادر الفارسية (كَيْقُباد)، وأورد دياكونوف اسمه بصيغة (داي أُوك)، فوحّد صفوف الميديين تحت لواء تكوين سياسي باسم (اتحاد قبائل ميديا)، وانتقل بالميديين من ذهنية الانتماء إلى (القبيلة) إلى ذهنية الانتماء إلى (الدولة)، وسنّ القوانين وأصدر المراسيم، واتخذ مدينـة أگباتانا (آمـدان = همذان) عاصمة للدولة الناشئة، وهي تقـع في واد خصيب جميل، ويرجّح أنها تعني بالميدية (ملتقى الطرق) أو (مجلس الاجتماع)، وكانت من أهم المراكز التي يمر بها الطريق التجاري العالمي (طريق الحرير).
وبعد أن نظّم دياكو (دَهْياكو) الأمور في المجتمع الميدي، ووحّد القبائل وفق نظام لامركزي، وأنشأ الدولة، وأسس الجيش، ثار على الإمبراطورية الآشورية، وأعلن الاستقلال عنها، وخاض ضدها الحرب، لكن الملك الآشوري سرجون الثالث تمكّن من القضاء على الثورة، وأسر دياكو سنة (715 ق.م)، ونفاه مع حاشيته إلى مدينة حَماه في سوريا، ثم أُعيد إلى ميديا أو إلى تخومها مع آشور بعد فترة غير معروفة .
الملك خَشتريت واستمرارية الصراع:
ظلت ميديا خاضعة لإمبراطورية آشور إلى عهد الزعيم الميدي فراورتيس Phraortes ابن دياكو، ويسمّى خَشْتريت، ويسمّى في بعض المصادر گَشْتَريتي، وسمّي خشاثريتا Khshathrita في كتابات نقش بَيسْتون (بهيستون) التي دُوّنت في عهد الملك الأخميني الثالث دارا الأول (522 – 480 ق.م)، وحكم فراورتيس بين (674 – 653 ق.م)، وامتاز بدرجة عالية من الحنكة، إنه أعاد توحيد القبائل الميدية، وأسّس حكومة مستقلة في ميديا، وأخضع لسلطته بعض القبـائل الآريانية، وأهمها السِّمّيريون (الكِمِّيريون) Cimmerians والسكيث Scythians، كما أنه هاجم بلاد فارس، وأخضع القبائل الفارسية للسلطة الميدية.
وكان الزعيم الميدي فراورتيس قد بلغ مكانة مرموقة في عصره، حتى إن الملك الآشوري أسرحدّون شرع يخطب ودّه، وبلغت الجرأة به أنه هاجم العاصمة الآشورية نِينَوى، لكن السكيث الذين كانوا قد تحالفوا مع الآشوريين هاجموه من الخلف، فباء هجومه بالفشل، وقُتل في المعركة، ولم يكتف السكيث بذلك، بل هاجموا ميديا، وبسطوا سيطرتهم عليها (28) عامًا، في الفترة بين عامي (653 – 625 ق.م) .
عبقرية الملك كَيخَسرو القيادية:
بعد مقتل فراورتيس خلفه على الحكم ابنه كَيْ أخسار Cyaxares أو كَيْخسرو kai-Khosru (633 – 584 ق.م)، ويُسمّى في بعض المصادر (اكسركيس) و(سياشاريس)، وهو أعظم ملوك ميديا، وكان قائدًا محنّكًا حازمًا، ورجل دولة عظيمًا، حرّر ميـديا من السكيث، وفرض سيطرته على بلاد فارس من جديد، وأسكن القبائل الرحّالة، ونظّم شؤونهم، وسنّ القـوانين، ونظّم الجيش على أسس حـديثة، مقتبسًا بعض أساليب السكيث في القتـال؛ مثل سرعة الحركة والمنـاورة، وأحدث خيّـالة سريعة الحركة، وميّز رماة السـهام عن الفرسـان .
وبعد أن وطّد كيخسرو أركان مملكته عقد تحالفًا مع الملك البابلي نابوبولاصّر (627 – 605 ق.م) ضد عدوهما المشترك (الدولة الآشورية)، وكان نابوبولاصّر واليًا على بابل من قبل الملك الآشوري آشور بانيپال، لكنه استقلّ عن الدولة الآشورية، وكان من مصلحته أن يتحالف مع الملك الميدي، ليستطيع الوقوف ضد الآشوريين، ويحرر بلاده.
وبعد هذه الاستعدادات العسكرية والترتيبات الخارجية هاجم كيخسرو الدولة الآشورية سنة (615 ق.م)، واتخذ أرّابخا (كرخيني = كركوك)- وكانت ذات أهمية بالغة- قاعدة لانطلاق أعماله الحربية، وزحف بجيشه على العاصمة نينوى، فقاومته مقاومة عنيفة، فاتجه إلى العاصمة الدينية (آشور) وفتحها، وعندئذ انضم إليه حليفه الملك البـابلي، وهاجم الحليفان نينوى من جديد سنة (612 ق.م)، فسقطت بعد دفاع مستميت، وانتحر الملك الآشوري ساراك بن آشور بانيپال، وتوّلى القيادة عمه آشور أُوباليت، فانسحب بفرقة من الجيش الآشوري إلى حَرّان، منتظرًا وصول المعونة من حليفهم الملك المصري أمازيس.
وأسرع أمازيس بالعون العسكري لحلفائه الآشوريين، وبعد مناوشات ومعارك عديدة دامت بين سنتي (612 – 605 ق.م) خسر الحلف الآشوري المصري الحرب أمام الحلف الميدي البابلي، وزالت من الوجود واحدة من أقوى الإمبراطوريات التي عرفها العالم القديم. واستكمل كيخسرو توحيد المناطق التي استقرت فيها الأقوام الهندوأوربية على تخوم القوقاز، فهاجم دولة أورارتو، وألحقها بالدولة الميدية، وأصبح غربي آسيا مقسّمًا بين أربع دول، هي: الدولة الميدية، والدولة الكلدانية، ودولة ليديا في آسيا الصغرى، والدولة المصري .
الميديون.. وتحرير الأمم:
قال هيرودوت مشيدًا بانتصار الميد على الآشوريين: “شقّ الميديون عليهم عصا الطـاعة، فحملوا السلاح في وجههم، وقاتلوهم ونزعوا عن أعناقهم نِير العبودية، وباتوا أحرارًا، وكانت تلك مأثرة اقتـدت بهم فيـها أمـم أخرى قُيّض لها أن تستعيد استقلالها، وهكـذا استفحـل أمر الثورة، فكان أن نعمت الأمـم في كل أرجـاء تلك الأرض بنعمة الاستقلال في تصريف شؤونها” .
وقال النبي العبراني ناحوم يصف سقوط نينوى أمام الهجوم الميدي -البابلي، ومعبّرًا عن ارتياح الشعوب التي كانت تخضع للآشوريين، وكان حينذاك أسيرًا في نينوى، وشاهدًا على الأحداث: “نَعِست رعاتُك يا ملك آشور. اضطجعتْ عظماؤك. تشتّتَ شعبُك في الجبال ولا مَن يجمع. ليس جبرٌ لانكسارك. جرحُك عديم الشفاء. كلُّ الذين يسمعون خبرك يصفّقون بأيديهم عليك؛ لأنه على من لم يمرّ شرُّك على الدوام” ؟!
وأخضع كيخسرو السكيث لسلطته، لكنهم كانوا ينتهزون الفرصة للانقلاب عليه، فهاجمهم وهزمهم، ففروا غربًا، ولجأوا إلى مملكة ليديا في آسيا الصغرى. وطلب كيخسرو من إلياتِّس ملك ليديا تسليمه السكيث الفارين، لكن إلياتِّس رفض، فأعلنت ميديا الحرب على ليديا سنة (590 ق.م)، ودامت الحرب بين الدولتين ست سنوات، وصادف أن كسفت الشمس سنة (585 ق.م)، ففسّر الفريقان ذلك بأنه غضب من الآلهة، فتصالحا وتحالفا، وتزوّج أستياگ بن كيخسرو من اريينس ابنة إلياتِّس، واستقر الأمر بين الملكين على أن يكون نهر هاليس (قزيل أرماق) حدًا فاصلاً بين الدولتين .
ثراء مملكة ميديا.. وبروز التناقضات:
بعد وفـاة كيخسرو سنة (585 ق.م) خلفه على العرش ابنه أستياگ (أستياجيس) Astuages، وقد حكم بين (584 – 550 ق.م)، واسمه بالآريانية القديمة (أَرِشْتِفاكا) Arishti vaiga أي (رامي الرمـح)، وهو اسم كردي الصيغة، ويعني (الذي يرمي الرمح) Ai recht Avaije ، وكان هذا الملك، على العكس من اسمه، عازفًا عن الحروب، وذكر مهرداد إيزادي أن أستياگ هو آزهي دهاك (آژي دهاك) Azhi Daihk، الذي عرف في المصادر الإسلامية باسم الطاغية (الضحّاك) .
وكان من نتائج التحالف الميدي البابلي، والمصاهرة بين ميديا وليديا، أن ساد الأمن والسلام في غربي آسيا، ونشطت حركة التجارة، وكثر الثراء وكان للمجتمع الميدي نصيب كبير من ذلك، قال وِل ديورانت: “وأصبحت الطبقاتُ العليا أسيرةَ الأنماط الحديثة والحياة المُترَفة، فلبس الرجالُ السراويلَ المطرّزة الموشّاة، وتجمّلت النساءُ بالأصباغ والحليّ، بل إنّ الخيل نفسها كثيرًا ما كانت زُيّنت بالذهب، وبعد أن كان هؤلاء الرعاة البسطاء يجدون السرور كلَّ السرور في أنْ تحملهم مَرْكَبات بدائية ذات دواليب خشبية غليظة قُطعت من سوق الأشجار، أصبحوا الآن يركبون عربات فاخرة عظيمة الكلفة، ينتقلون بها من وليمة إلى وليمة” .
وكان الانصراف إلى الترف والبذخ في العيش من أهم أسباب ظهور التناقضات الداخلية، فانتهز الفرس الفرصة للاستقلال بقيـادة كُورش الثاني بن قَمْبَيز الأول، وأمه ماندانا ابنة الملك الميدي أستياگ. وبدأ كورش العصيان في إقليـم فارس حوالي سـنة (552 ق.م)، وأقام تحالفًا مـع الملك البابلي نابونيد ضد الميديين، وكان أستياگ قد هاجم بابل قبل ذلك، وجعل الحليف البابلي يتحوّل إلى عدو. كما كان كورش الثاني صديق ديگْران الأول ابن يَرْوانْت حاكم أرمينيا التي كانت تحت النفوذ الميدي، وعندما قرر الثورة على الميديين أقام تحالفًا وثيقًا مع يروانت أيضًا .

إمبراطورية ميديا.
استبداد الملك أستياگ .. وخيانة القائد هارپاگ:
إن سياسات أستياگ الاستبدادية جرّت عليه نقمة بعض أعضاء الطبقة العليا في المجتمع الميدي، ومنهم هارپاگ (هارپاجوس) كبير قادة الجيش، إنه كان قد خان أستياگ في بعض الأمور، فقتل أستياگ ابنه، وقدّم له لحمه طعامًا في وجبة عشاء حسبما زُعم؛ الأمر الذي جعل الأخير يقف ضد الملك، ويقنع بعض الكهّان الموغ والنبلاء والقادة الميد بالانضمام إلى كورش، ودارت الحرب بين أستياگ وكورش، وأخيرًا خسر أستياگ الحرب نتيجة خيانة هارپاگ وأتباعه، وابتهج الميديون أنفسهم بالخلاص من طغيانه، وخسرت ميديا استقلالها، وأصبحت تابعة للإمبراطورية الأخمينية بدءًا من عام حوالي (550 ق.م) .
ولما وقع أستياگ في الأسر جاءه هارپاگ يقرّعه ويهينه، فرماه الملك الميدي بنظرة ازدراء، وسأله إن كان شريكًا لكورش فيما فعل، فصرّح هارپاگ أنه هو الذي حرّض كورش على الثورة، فقال له أستياگ:
“إذًا فأنت لستَ الأشدَّ لؤمًا بين البشر فقط، بل أكثرَ الرجـال غبـاءً، وإذا كان هـذا من تدبيرك حقًا كان الأجـدرُ بك أن تكون أنت الملك، ولكنك أعطيتَ السلطانَ غيرَك، واللؤمُ فيك جليّ، لأنك بسبب ذلك العَشاء حملتَ الميديين إلى العبودية، وإذا كان لا بدّ لك من أن تُسلّم العرشَ لآخر غيرك، لكان الأجدرُ بك أن تقدّم هذه الجائزة لميدي، بدلاً من فارسي، لكنّ الحال القائمة الآن هي أن الميديين الأبرياء من كل جُنحة أصبحوا عبيدًا بعدما كانوا أسيادًا، وأصبح الفرسُ سادةً عليهم، بعد ما كانوا عبيدًا عندهم” .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *