الرئيسية » اللغة » أبجدية اللغة الكوردية الموحدة (1)

أبجدية اللغة الكوردية الموحدة (1)

أبجدية اللغة الكوردية الموحدة

د.  مهدي كاكه يي

ظهرت الكتابة الكوردية بثلاث أنواع من الحروف نتيجة إحتلال كوردستان و إستعمارها إستيطانياً من قِبل عدة قوميات تم إنشاء دول مصطنعة لها من قِبل الإستعمار البريطاني و الفرنسي بعد إنتهاء الحرب العالمية الأولى تبعاً لإتفاقية سايكس – بيكو، حيث أجبرت الأنظمة المحتلة لكوردستان الشعب الكوردي على إستعمال أبجدياتها الكتابية.

 

اللغة العربية هي اللغة الرسمية في كل من العراق و سوريا، حيث تُستعمل الحروف الآرامية في الكتابةفيهما، مما تم إجبار الكورد في جنوب كوردستان على تبنّي الأبجدية الآرامية (العربية) في الكتابة الكوردية دون السماح للكورد بإختيار أبجدية كتابية تلائم اللغة الكوردية. أما في غرب كوردستان، فأن تبعية الأبجدية الكوردية للعربية لم تُتبع و شذت عن القاعدة، حيث أن الكورد هناك إختاروا الكتابة بالأبجدية اللاتينية نظراً لتأثرهم بالكتابة اللاتينية المستخدمة في شمال كوردستان، حيث الترابط العائلي و الإجتماعي بين كورد الغرب و الشمال و لإشتراكهم في التكلم باللهجة الكرمانجية الشمالية. تُستخدم الأبجدية اللاتينية في كتابة اللغة التركية في تركيا، لذلك تم إجبار الكورد الشماليين على إستخدام تلك الحروف في الكتابة الكوردية دون أي إعتبار لملاءمة هذه الأبجدية للغة الكوردية أو حاجتها لبعض التغييرات و التحويرات اللازمة لجعلها تتناغم مع الأصوات الموجودة في اللغة الكوردية. في أرمينيا و أذربايجان اللتين كانتا جمهوريتَين تابعتين للإتحاد السوفيتي السابق، تُستعمل الحروف السنسكريتية في كتابة اللغة الكوردية. هكذا فأن إحتلال كوردستان من قِبل شعوب مختلفة، أدى الى ظهور الكتابة الكوردية بثلاث أبجديات مختلفة و الذي أدى بدوره الى خلق مشكلة كبيرة لتوحيد اللغة الكوردية و لتواصل المواطنين الكورد مع بعضهم البعض و التي هي عقبة كبرى في طريق وحدة الشعب الكوردي و توحيد كوردستان و إستقلالها.

أود هنا أن أؤكد بأننا بصدد مناقشة إيجاد لغة جامعة للكورد في كافة أجزاء كوردستان، تجمع شمل الكورد، سواء الذين يعيشون في كوردستان أو خارجها. نحن نسعى و نعمل على تحديد لغة مشتركة للشعب الكوردي، تُراعى فيها كل اللهجات الكوردية. هذا يعني بأننا يجب أن نهتم باللهجة اللورية و الهورامية كإهتمامنا باللهجة الكرمانجية الشمالية و الجنوبية لأنه لا يمكن التفريط بأية مجموعة لهجوية كوردية أو مناطقية و لا يمكن العمل على إهمال أية شريحة كوردية و فرض واقع الإنسلاخ عن الأمة الكوردية على بعض المجاميع اللهجوية. مثل هذا الإنسلاخ يعمل على تشتيت الشعب الكوردي و تجزئته. الى جانب الأهمية القصوى للثروة البشرية التي تُشكّلها كل شريحة لهجوية للشعب الكوردي، فأن كل لهجة كوردية تُمثّل ثروة لغوية قومية و أرثاً تأريخياً للشعب الكوردي، لا يمكن التفريط بها أبداً. كما أن إحتضان اللغة الكوردية لكافة لهجاتها و تفاعلها و تلاقحها فيما بينها و جعلها لغة مشتركة، يعمل على إثراء اللغة الكوردية و يحافظ على الثروة اللغوية التأريخية لهذه اللغة و على خزينها اللغوي الذي هو نتاج التراكمات الحضارية و التطورية خلال التأريخ العريق للشعب الكوردي منذ عصور ما قبل التأريخ الى يومنا هذا.

 

عندما يتم تناول مسألة مهمة مثل إيجاد لغة كوردية موحدة، و التي تُشكّل إحدى أهم القضايا الرئيسة التي تؤثر على مصير و مستقبل الأمة الكوردية و وحدتها و ديمومتها، يجب أن ندرك أهمية الموضوع الذي نتناوله و أن نكون واعين و نتعامل معه بأقصى مستوى المسئولية التأريخية التي يتحملها المرء تجاه شعبه. ينبغي وضع المصلحة الوطنية و القومية فوق الأهواء الشخصية و الرغبات الذاتية و الإبتعاد عن المنطلقات الآيديولوجية و الحزبية و الدينية و نبذ الإنحياز اللهجوي و الإقليمي و المناطقي و تجنب تسييس المسائل العلمية و الثقافية و التجرد من تأثيرات الإنتماءات الحزبية الضيقة و الإحتكام الى البحث العلمي، عند العمل على دراسة مثل هذه القضية الهامة جداً لتوحيد اللغة الكوردية الذي هو إحدى ركائز شروط وحدة الأمة الكوردية و ديمومتها و إستقلال و وحدة كوردستان.

 

إن السير في المسار الذي تسلكه الأنظمة الشمولية و الدكتاتورية بسيادة رأي القيادات السياسية في مختلف مناحي الحياة و عدم فسح المجال أمام المختصين الذين هم المؤهلين الوحيدين لإداء المهام التي تقع ضمن إختصاصهم، كلّ في إختصاصه، سيسبب كارثة كبرى لشعب كوردستان و يقود هذا الشعب نحو الفشل و التمزق و التجزؤ، و خاصة أن الحكم و الإدارة في جنوب كوردستان هما تجربتان جديدتان للكوردستانيين، و اللتان يخوضون غمارهما في الوقت الحاضر. في نفس الوقت فأن السير بخطى الأنظمة المتخلفة في المنطقة بتسييس العلم و المعرفة و تدخّل الحكام في شئونهما، سيقود الى مزيد من التخلف و الفشل و لنأخذ الدروس من الحكومات الشمولية في منطقتنا التي قادت و تقود شعوبها نحو الكوارث و المآسي و الجهل و التخلف و التي من أحد أسبابها الرئيسة هو إتخاذ القرارات في كافة المجالات لإدارة الدولة من قِبل أناس يجهلون تلك المجالات و لا يدعون أصحاب الإختصاص من علماء و باحثين لدراسة تلك القضايا و التوصل الى نتائج علمية في دراساتهم  و إيجاد حلول صائبة لها.

 

يزج البعض و خاصة الإسلامويون الكورد، الدين الإسلامي و السياسة في تحديد لغة كوردية موحدة، في محاولة لفرض اللهجة الكرمانجية الجنوبية و الأبجدية الآرامية كلغة مشتركة. إنه يبدو واضحاً أنّ الإسلامويين الكورد يحاولون إستغلال الرموز الكوردية و الدين الإسلامي لفرض الأبجدية الآرامية على الشعب الكوردي و فرض الثقافة العربية عليه و ربط الكورد بالعرب ليعيشوا مثلهم في عصور القرون الوسطى، في تخلف و جهل و عزلة عن التقدم الإنساني و العجز عن المساهمة في بناء الحضارة الإنسانية، بل العمل على تخريب الحضارة الإنسانية، دون القيام بأية دراسة علمية للمقارنة بين مدى ملاءمة كل من الأبجدية الآرامية و اللاتينية  للنطق الكوردي و دون مراعاة المصلحة الوطنية الكوردستانية. إن المرء حر في إبداء آرائه و ملاحظاته و رؤاه حول أي موضوع مطروح للبحث و المناقشة أو في طرح أفكاره و مبادراته و مناقشتها، إلا أنه لا يحق له أن يقحم أسماء قيادات و رموز كوردية سياسية في محاولة للتأثير على تقرير مصير قضية مصيرية مثل اللغة الكوردية الموحدة، لفرض آرائه و رغباته الذاتية و الآيديولوجية على الشعب الكوردي و خاصة في موضوع هام جداً كإختيار لغة كوردية مشتركة، حيث أن اللغويين المختصين هم وحدهم المؤهلون لتحديدها، بعد دراسة علمية  شاملة و عميقة، و إلا فأن تدخّل الدين و السياسة في إيجاد لغة كوردية موحدة سينتج عنه الفشل و التخلف و يقودنا الى الكوارث و المآسي.

 

هناك أشخاص و جهات كوردية تريد الإبقاء على المفردات العربية في اللغة الكوردية لدوافع دينية بالرغم من وجود مفردات كوردية أصيلة بديلة لها. على سبيل المثال، لا الحصر، كلمات مثل، حيوان الذي تقابله بالكوردية كلمة (ئاژەڵ = Ajeł) و كلمة (حبيبة) تقابلها (دڵدار Diłdar و يارYAR  و خۆشەویست XOŞEWÎST)  و كلمة (غاردان) التي مرادفها بالكوردية هو (ڕاكردن = Ŕakirdin) و هكذا بالنسبة لبقية المفردات العربية الداخلة في اللغة الكوردية و التي يعتبرها هؤلاء كلمات مستكردة.

 

من المفيد الإشارة أيضاً الى أنّ دخول مفردات عربية الى اللغة الكوردية يتم من خلال قناتين إثنتين؛ هما عن طريق الإحتلال العربي المباشر لأجزاء من كوردستان و عن طريق الدين الإسلامي، لكون غالبية الكورد مسلمين. في جنوب و غرب كوردستان، يتم هذا الغزو اللغوي نتيجة إحتلال هذين الإقليمَين من قِبل العرب و نتيجة تأثير الدين الإسلامي أيضاً الذي هو الدين الرسمي في كل من سوريا و العراق، بينما في شمال و شرق كوردستان المحتلين من قِبل كل من “تركيا” و إيران على التوالي، تدخل المفردات العربية الى اللغة الكوردية، سواء كان ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر عن طريق الدين الإسلامي، و في نفس الوقت تتعرض اللغة الكوردية في شمال و شرق كوردستان الى الغزو اللغوي التركي و الفارسي على التوالي. لهذه الأسباب، نلاحظ بوضوح آثار هذه الغزوات اللغوية على اللغة الكورية في كوردستان و أن بصمات تأثيرات اللغات العربية و الفارسية و التركية تنعكس على اللغة الكوردية و يمكن للمرء معرفة الإنتماء الإقليمي لأي مواطن كوردي من خلال الكلمات العربية أو التركية أو الفارسية الداخلة في اللغة الكوردية.

 

إنّ بعضاً من الكُتّاب يقترحون فرض لهجة معينة و جعلها لغة كوردية موحدة و يستشهدون بتجارب الشعوب الأخرى في هذا المجال، في محاولة لهم لإستنساخ تجارب الآخرين، دون أن يأخذوا بنظر الإعتبار الفوارق بين ظروف تلك الشعوب و الظروف التي يعيشها الكورد و الفواصل الزمنية التي تفصل التجربة الكوردية عن التجارب السابقة لشعوب عانت من مشكلة مماثلة و نجحت في خلق لغة موحدة. في مقدمة تلك الإختلافات هي أنّ تلك الشعوب كانت لها كياناتها السياسية و حكوماتها المركزية التي ساعدت على نجاح تجارب تلك الشعوب لتوحيد لغاتها، بينما نرى كوردستان محتلة من قِبل عدة دول و أنّ ثلاث لغات و ثقافات (العربية في جنوب و غرب كوردسان و التركية في شمال كوردستان و الفارسية في شرق كوردستان) مفروضة على الشعب الكوردي و يفتقد الكورد الى كيان سياسي يضع برامج طويلة الأمد لتنفيذ مثل هذا المشروع القومي المصيري. كما أن التأريخ الكوردي يختلف عن سواه و هناك ثروة لغوية كوردية غنية جداً مهملة و متروكة و معرضة للضياع، و خاصة في اللهجة اللورية التي كانت لهجة كل الحضارات الكوردية، حيث تم بناء تلك الحضارات على سواعد أحفاد الناطقين بهذه اللهجة.

 

بعض اللغويين الكورد يقارنون إستخدام الأبجدية الآرامية للكتابة الكوردية مع اللغات اليابانية و الصينية و الكورية، التي لها أبجدياتها الكتابية الخاصة. يذكر هؤلاء بأنه رغم إستخدام أبجديات خاصة بهذه اللغات، فأن ذلك لم يقف عائقاً أمام تقدم و تطور لغات شعوب هذه الدول، بل أصبحت االيابان و الصين و كوريا الجنوبية على سبيل المثال، دولاً متطورة و متقدمة في العالم. نحن لا نستطيع أن نقارن الكتابة الكوردية مع الكتابة اليابانية و الصينية و الكورية الجنوبية لأسباب عديدة. أولاً:الدول الثلاث هي دول مستقلة و أن نفوسها كثيرة و أن هذين العاملًين يخلقان أرضية جيدة لتطوير اللغات المذكورة و أن تتبؤ مواقع  متقدمة الى جانب اللغات العالمية المتطورة. ثانياً: إن شعوب بلدانٍ مثل اليابان و الصين و كوريا الجنوبية لا تتعرض لمخاطر الهيمنة الثقافية و اللغوية لشعوب أخرى، بينما الشعب الكوردي، بسبب إحتلال وطنه و تقسيمه و بسبب الدين الإسلامي المنتشر بين مواطنيه، قد فقد قسماً كبيراً من هويته و ثقافته و تراثه و أنه تتم كتابة لغته بثلاث أبجديات مختلفة و أن اللغة العربية قد أثرت على اللغة الكوردية بشكل كبير و أصبح التفكير الكوردي إستنساخاً للتفكير العربي. بكلام آخر، فأن اللغة و الثقافة الكوردية تواجه تحديات كبيرة بسبب هيمنة اللغة و الثقافة العربية عليهما.

 

يرى هؤلاء أيضاً بأن الكتابة الكوردية بالحروف الآرامية قد بدأت منذ فترة طويلة و نُشرت بها كتب و مطبوعات ضخمة و تم تطوير هذه الكتابة و تحسينها خلال تلك الفترة و لذلك يعتقد هؤلاء بأن إختيار الأبجدية اللاتينية لكتابة اللغة الكوردية الموحدة سيؤدي الى ضياع ثروة ثقافية و تراثية كوردية عظيمة المتمثلة بتلك المنشورة و المطبوعة بالحروف الآرامية. إذا كانت الأبجدية اللاتينية ملائمة بصورة أفضل للغة الكوردية و تم إختيار الحروف اللاتينية لكتابة اللغة الكوردية الموحدة، عندئذ يمكن إعادة كتابة كافة النتاجات الكوردية المكتوبة بالأبجدية الآرامية و كتابتها بالأبجدية اللاتينية و أن التقدم التكنولوجي الذي يشهده العالم اليوم سيُسهّل كثيراً من القيام بإنجاز إعادة كتابة المطبوعات الكوردية المكتوبة بالحروف الآرامية. كما أن الفترة الزمنية التي خلالها تمت الكتابة الكوردية بإستخدام الأبجدية الآرامية هي قصيرة جداً مقارنةً بالفترة الزمنية التي يتم خلالها إستخدام الأبجدية اللاتينية لكتابة لغة كوردية موحدة، حيث أن الكورد سيستمرون في إستعمال الحروف اللاتينية في الكتابة الكوردية الموحدة لملايين السنين أو لفترة سرمدية لا تنتهي.

 

يعتقد البعض بأن اللهجة الکوردية الكرمانجية الجنوبية المتداولة في جنوب و شرق كوردستان و التي تُستعمَل الحروف الآرامية في كتابتها، تمتاز بالسهولة و المرونة بالإضافة الى سعة و قِدم إستعمالها. إنّ الأبجدية الآرامية و الحروف المستنبطة منها تفتقد الى بعض الأصوات الكوردية و التي تتم كتابتها بحروف لا تتطابق أصواتها مع الأصوات الكوردية. على سبيل المثال: يُستعان في الكتابة الكوردية بحرفَي (و) و (ێ) لتمثيل حرف (Ö)، كما في كلمة “ڴوێ ” و التي تعني “أُذن”. هذان الحرفان عاجزان عن إعطاء الصوت الصحيح لحرف (Ö) اللاتيني، حيث أنهما يعطيان الصوت “WÊ” بدلاً من الصوت “Ö”. القارئ الكوردي يُميّز بسهولة الفرق الكبير بين الصوتَين. الضمة العربية تُكتب في الكتابة الكوردية بالحروف الآرامية بحرف “و” و الذي يعطي صوت الواو في العربية بدلاً من صوت الضمة، كما في كلمة “كورد”، بينما في الكتابة الكوردية اللاتينية، فأنّ حرف “U” يُعطي الصوت الصحيح للضمة العربية كما في كلمة “KURD”. صوت “الكسرة” العربية مفقود في الكتابة الكوردية بالحروف الآرامية، كما مثلاً في كلمة “كوردستان”، حيث أن صوت “الكسرة” الموجودة بين حرفَي “الدال” و “السين” في كلمة “كوردستان” لا يمثله أي حرف في الكتابة الكوردية بالحروف الآرامية، بينما في الكتابة الكوردية اللاتينية فأن صوت “الكسرة” يُمثّله حرف “I” كما في كلمة (KURDISTAN). كما أن الإملاء الكوردي بالحروف الآرامية يعاني من فوضى كبيرة، حيث أنه يُكتب بأشكال عديدة لا يحكمه قانون موحد.

 

إنّ الحروف اللاتينية فيها الأصوات الكوردية التي تفتقر إليها الكتابة الكوردية بالحروف الآرامية و أن إملاء الكوردية بالكتابة اللاتينية سهل و موحد، بعكس الكتابة بالحروف الآرامية. كما أن  اللغتين الكوردية و اللاتينية تنتميان كلتاهما الى مجموعة اللغات الهندو- أوروبية، لذلك فأنّ اللغة الكوردية هي أقرب بكثير الى اللاتينية، منها الى اللغة العربية التي تنتمي الى مجموعة اللغات السامية. يذكر الباحث التركي الدكتور إسماعيل بيشكجي في صفحة 316 في كتابه المعنون “كردستان مستعمرة دولية”، ترجمة زهير عبد الملك، دار APEC للطباعة و النشر، 1998، أنّ الخبراء اللغويين يعتقدون بأن الأبجدية اللاتينية هي الأكثر ملائمة للنطق الكوردي.

 

سبب وجيه آخر لتبني الأبجدية اللاتينية في الكتابة الكوردية هو تمكين اللغة الكوردية لمواكبة التقدم التكنولوجي و العلمي في العالم الغربي المتقدم و خلق كتابة قادرة على الإستفادة من هذا التطور العالمي، الذي تعجز الكتابة بالأبجدية الآرامية القيام بها. اللغة العربية نفسها أصبحت لغة متأخرة و مغمورة في عصر العولمة الذي نعيش فيه الآن و أن مؤتمرات و إجتماعات كثيرة يتم تنظيمها و عقدها لدراسة التحديات التي تواجهها اللغة العربية و إيجاد وسائل لتطويرها لتستطيع مواكبة متطلبات العصر.

 

سبب آخر مهم جداً لتفضيل الأبجدية اللاتينية على الأبجدية الآرامية هو إنقاذ اللغة و الثقافة الكوردية من التبعية للغة و الثقافة العربية، و خاصة إذا ما أخذنا بنظر الإعتبار خطورة هذه السيادة اللغوية و الثقافية على الكورد نتيجة إحتلال قسمٍ من كوردستان من قِبل العرب و لِكَون غالبية الكوردستانيين مسلمين، حيث يتم إستغلال الدين الإسلامي لتعريب اللغة و الثقافة الكوردية و الفكر الكوردي بسبب كون الدين الإسلامي هو دين عربي بفلسفته و أفكاره و ثقافته و كُتبه و طقوسه.

 

علماء اللغة يضعون ثلاث خيارات للعثور على أو إيجاد مفردات جديدة للغة ما. الخيار الأول الذي يبدأ اللغوي به هو البحث عن كلمات أصيلة للغة المعنية في اللهجات التابعة لتلك اللغة و في المناطق التي تنتشر فيها، للعثور على الكلمات الأصيلة التي تفتقدها تلك اللغة و تحتاج إليها. بالنسبة لهذا الإختيار، فأنّ اللغة الكوردية هي لغة ثرية جداً و مناطق مثل لورستان و إيلام و خوزستان، التي هي موطن الحضارات الكوردية القديمة، هي خزين إستراتيجي للمفردات الكوردية. أعتقد أن اللغة الكوردية تفتقر الى المصطلحات التكنولوجية و العلمية الجديدة بسبب كون كوردستان بلداً محتلاً و زراعياً متخلفا ً، تتبع الإنجازات العلمية و التقنية للدول الصناعية المتقدمة. إذا فشل المرء في العثور على كلمات لغوية أصيلة، فأنه ينتقل الى الخيار الثاني، حيث يعمل على إستنباط كلمات جديدة تتلاءم مع نطق تلك اللغة. إذا تعذر الأمر في إبتكار مفردات جديدة فأن آخر خيار للغوي يكون بالقيام بإستعارة كلمات أجنبية و تحويرها بشكل يتجاوب مع نطق اللغة المعنية.

 

إن كوردستان هي مهد الحضارات و اللغات و أن أسلاف الكورد السومريين هم الذين إبتكروا الكتابة و الأرقام، لذلك فأن اللغة الكوردية هي لغة ثرية جداً و كل ما يحتاجه اللغويون الكورد هو جمع مفردات اللهجات الكوردية و إجراء مسوحات ميدانية، و خاصة في المناطق النائية المحتفظة بمفرداتها الكوردية الأصيلة و الإلتجاء الى كتاب (آفيستا) الذي يحمل في طياته المفردات الكوردية العريقة و الإستعانة بكتب الديانات الكوردية القديمة الأخرى، مثل الديانة الإيزيدية و الكاكائية التي تُعتبر من المصادر الأصيلة للمفردات الكوردية و البحث في ثنايا الوثائق و الكتب الكوردية القديمة و الكتابات الكوردية في معالم الآثار التي تنتشر بشكل كبير في أرجاء كوردستان، بدلاً من محاولة تعريب اللغة الكوردية و إدخال مفردات و أصوات أجنبية غريبة على اللغة الكوردية و الذي يؤدي الى تشويه لغتنا الجميلة. يجب أن لا ننسى بأن اللغة الكوردية هي من أعرق اللغات في العالم و أن جميع اللغات الهندو- أوروبية و بدون إستثناء، متأثرة بها و إستعارت منها الآلاف من الكلمات و أنّ الباحثيين اللغويين الكورد مدعوون لإجراء دراسات و بحوث لمعرفة تأثير اللغة الكوردية على اللغات الهندو- أوروبية و لغات الشعوب الجارة للكورد من عرب و أتراك و فرس.

 

الكورد بحاجة الى البحث عن كلمات كوردية أصيلة في كافة اللهجات الكوردية، من لورية و كرمانجية شمالية و جنوبية و هورامية لإثراء اللغة الكوردية و تخليصها من مفردات أجنبية و أصوات غير موجودة في اللغة الكوردية مثل حروف ال(ع) و ال(غ) و ال(ح). لو نعود قليلاً الى تصفح التأريخ الكوردي القديم، لنرى أن قمم جبل جودي في شمال كوردستان كانت مهد الحضارة البشرية الثانية و أن جميع الحضارات الكوردية العريقة ظهرت في لورستان و إيلام و بلاد ما بين النهرين، بدءً من الحضارة السومرية و مروراً بالحضارات الإيلامية (العيلامية) و الميدية و إنتهاءً بالإمبراطورية الساسانية. من عراقة الحضارات الكوردية، ندرك أن أرض كوردستان، المناطق السهلية المنبسطة منها، كانت مهد اللغات و الثقافات و العلوم و الديانات و المعتقدات و أن الشعوب العربية و الفارسية و التركية و الأوروبية قد أخذوا الكثير من المفردات الكوردية و أثروا بها لغاتهم و إستعانوا بها لتطوير لغاتهم و سد نواقصها. يذكر البروفيسور الإنكليزي “واديل” في مقدمة قاموسه السومري – الآري بأن أكثر من 50% من كلمات اللغة الإنكليزية الحالية التي هي اللغة الرسمية لكوكبنا الأرضي في الوقت الحاضر، مأخوذة من اللغة السومرية، لغة أسلاف الكورد (1).

 

أحب هنا التطرق الى كلمة “هەفت” التي تعني بالكوردية “سبعة” و التي تم تحريفها الى “حەوت” أو “حه فت” في اللهجة الكرمانجية الجنوبية، بينما لا تزال اللهجات الكرمانجية الشمالية و اللورية و الهورامية و سكان (Germyan) الذين يتحدثون اللهجة الكرمانجية الجنوبية، تستعمل كلمة (هەفت) الأصيلة. إنه من المؤسف حقاً أن يتبنى بعض الكُتّاب و المثقفين الكورد لكلمات و أصوات أجنبية غريبة و دخيلة على اللغة الكوردية و التي إنتقلت الى اللغة الكوردية نتيجة إحتلال كوردستان و الغزو الثقافي الذي تعرض و يتعرض له الشعب الكوردي بسبب تبعيته السياسية و الثقافية و الإقتصادية للشعوب المحتلة لكوردستان، بدلاً من البحث عن كلمات كوردية أصيلة موجودة في اللهجات الكوردية الأخرى.

 

أود هنا أن أتحدث عن تأريخ كلمة (هه فت) لنرى معاً عراقة و أصالة هذه الكلمة الكوردية التي تتعرض للتشويه من قِبل الغزو اللغوي العربي في مناطق محدودة من كوردستان، لتتحول الى (حەوت أو حەفت). قبل أكثر من ستة آلاف سنة أشار السومريون، أسلاف الكورد، الى (هەفت) و وضعوا رقم سبعة (هەفت HEFT) كإشارة الى سبع آلهة الذين أسماؤهم هي كالآتي: إله السماء (ANUS) و إله الأرض (ENLIL) و إله المياه (EA) و إله القمر (SIN) و إله الشمس (SHAMSHA) و إله الرياح (ADAD) و إله الحكمة (MARDUK). في زمن الإمبراطورية الميدية و التي خلالها كان الكورد  يُدينون بالديانة الزردشتية، كانت لهم سبع مواقد مقدسة. رقم سبعة (هەفت) كان يرمز الى الشؤم و الشر عند آلهة الشر (أهريمن) في الديانة الزردشتية، بينما كانت (آهور مزدا) آلهة الخير عندهم. إعتقاد الزردشتيين بأن رقم سبعة هو رمز للشر، لا يزال يعيش حياً في المجتمع الكورستاني الى الوقت الحاضر. إنّ هذا الرقم يًمثل الشر في كل من الديانتين الكورديتين القديمتين، الإيزيدية و الزردشتية و أنّ شرور رقم سبعة مذكورة في كتاب زردشت، آڤێستا. كما أنه لا يزال الكورد يستعملون كلمة (هەفت) كرمز للشر حيث يُقال بالكوردية (هه فت به رد له پشتت)، أي (لتكن سبع أحجار من ورائك) و الذي يعني (الى الجحيم أو ذهاب بلا عودة). من آثار المعتقدات الزردشتية حول دلالة الرقم (سبعة) على الشر هي أنه من تقاليد الكورد الى يومنا هذا هو زراعة بذور الحنطة في سبع سنادين قبل إطلالة رأس السنة الكوردية، نوروز، و الإحتفاظ بها الى يوم نوروز و بعده يقومون بتركها في أماكن نائية لتموت هناك، لإعتقادهم بأنها تُبعد الشرور عنهم. أثناء اداء مراسيم عيد نوروز، تُحضر مائدة و توضع عليها (سبع) أنواع من المواد الغذائية التي تبدء أسماؤها بحرف ال(س)، مثل (سێو – تفاح)ُ و (سەوزى – خضروات) و (سير – الثوم) و (سماق) و غيرها. يُسمّى الإبريق بالكوردية ب(هەفتاوە) و الذي يعني (الغسل بالماء سبع مرات)، حيث لا يُخفى أن الديانة الزردشتية هي دين الطهارة، فلا يجوز في هذه الديانة تدنيس التربة و الماء و الهواء و النار لأن هذه المكونات الأربع هي مقدسة لدى الزردشتيين، لذلك يجب غسل الأشياء سبع مرات بالماء لتطهيرها من النجاسة، لإعتقادهم بأنّ النجاسة تجلب الشرور لهم. من الجدير بالذكر أنّ كلمة (إبريق) العربية مأخوذة من الكلمة الفارسية “آبريز” التي تعني بالفارسية (سكب الماء) و الكوردية “آورش” التي تعني “ساكب الماء”. ما دمنا نتكلم عن الطهارة في الديانة الزردشتية، فأنّ الموتى عند الزردشتيين كان لا يتم دفنهم تجنباً لتدنيسها للتربة، لذلك فأنهم كانوا يتركون جثث الموتى على قمم الجبال لتأكلها الطيور الجارحة و الحيوانات البرية. مما يجدر ذكره أيضاً بأنّ كلمة (هَفتَق) هي كلمة معربة لكلمة (هەفته) الكوردية التي تعني (أسبوع) (راجع كتاب “لغتنامه” لمؤلفه علي أكبر دهخدا، مجلد 15، ،سنة 1377 هجرية – قمرية، صفحة 23479، الكتاب مكتوب باللغة الفارسية). إن المفردات العربية قد تُشكّل حوالي 60% من مفردات اللغة الفارسية، لذلك فلو كانت كلمة (هەفت) هي (حەفت أو حەوت)، لكان الفرس أولى من الكورد في إستعارة هذه الكلمة، إلا أنهم لا يزالون يحتفظون بكلمة (هەفت) الأصيلة. في الدين الكاكه يي، كلمة “هەفتتەن HEFTTEN” التي تعني “سبع أشخاص”، هي مجموعة من الأشخاص المؤلفة من سبعة أفراد تتجسد فيهم الذات الإلهية و هم موجودون منذ الخليقة و يستمرون في الحياة الى فناء الدنيا. تستطيع أرواح هؤلاء الأفراد الإنتقال الى أجسام بشر لإظهار الذات الإلهية. هؤلاء هم بنيامين BINYAMîN، داود DAWÛD ، پیرموساPÎRMÛSA ، رَزبار REZBAR ، موستَفا MUSTEFA، شابرايمŞABRAYIM ، يادگار YADGAR.

 

ما دمنا نتحدث عن اللغة الكوردية الموحدة، أختتم هذه المقالة بطرح بعض الإقتراحات للكتابة بالأبجدية اللاتينية أمام علماء اللغة الكورد لمناقشتها و دراسة مدى تجاوبها مع النطق الكوردي. أرى أنه من الضروري العمل على التخلص من الحروف اللاتينية التى لا توجد في اللغة الإنكليزية بقدر المستطاع لتقريبها منها، حيث لا يخفى أنّ اللغة الإنكليزية أصبحت اللغة الأكثر إنتشاراً و إستعمالاً في العالم و غدت لغة العلم و الثقافة و الصحافة. بتقريب الأبجدية الكوردية الى الأبجدية الإنكليزية، تستطيع اللغة الكوردية مواكبة التطور العلمي و التكنولوجي العالمي. يمكن إلغاء بعض الحروف  اللاتينية المستعملة في اللغة الكوردية و جعلها على الشكل الآتي:

Ç HC

 

Ê     E

 

Ĥ→ X

 

Π Y

 

Ł LL

 

Ř  RR

 

Ş   HS

 

   Û W

 

GH

 

X    KH

 

يمكن إختيار حرف (Å) ليقابل (الفتحة) العربية و بذلك تكون الأبجدية الكوردية اللاتينية تحتوي على هذا الحرف و حرف (Ö) اللذين لا يوجدان في اللغة الإنكليزية. يجب القول بأنّ هذه الإقتراحات تحتاج الى دراسة مستفيضة للتأكد من عدم إخلال الحروف الثنائية المقترحة، التي كل زوجَين منها يعطيان صوتاً واحداً في اللغة الكوردية، بالنطق الكوردي للكلمات التي تدخل فيها هذه الحروف الثنائية، مثلاً، الحرفان (KH) يعطيان صوت الحرف (خ) في اللغة العربية، يجب أن لا يعطي أي من الحرفين المذكورين صوتَين مستقلَين في أية مفردة كوردية، و بكلام آخر يجب أن لا يتصرفان كحرفين مستقليّن عندما يدخلان في تركيبة كلمة ما، بل يجب أن يشكّلان معاً صوت حرف ال(خ) في كل الكلمات التي يدخلان في تركيبها كحرفَين مزدوجَين. 

 

في الختام أرفق الأبجدية اللاتينية المقترحة إستعمالها في اللغة الكوردية ليطّلع القراء الكورد عليها و لتعلمها لِمَن يرغب و سيتوصلوا بأنفسهم مدى سهولة تعلم الكتابة الكوردية باللاتينية و مدى تجاوبها مع النطق الكوردي، بعكس الحروف الآرامية.



د. مهدي كاكه يي