الرئيسية » مقالات » اختلاف ابراهيم الصميدعي ومغايرة سرمد الطائي

اختلاف ابراهيم الصميدعي ومغايرة سرمد الطائي

اعتدنا نكتب عن الاموات. اليوم اكتب عن نموذجين حيّين يعيشان بيننا ويشاركوننا همومنا ومشاكلنا في بلدنا العراق، نموذجان يمثلان مصداقاً واضحاً لفلسفة الاختلاف والمغايرة التي اسس دعائمها الفيلسوف الفرنسي، الجزائري الاصل، جاك دريدا
الاثنان اختارا هويتهما الفكرية بعيداً عن انتمائهما الثقافي، او الطائفي على نحوٍ ادق، فالسيد ابراهيم الصميدعي ورغم تاريخية انتماء اسرته للمذهب السني، اختار مساراً سياسياً آخراً، مختلفاً عن التوجه السياسي العام لابناء ذلك المذهب في العراق، في حين السيد سرمد الطائي قفز سياسياً من حضن التشيّع الى عالم آخر تصفه مقالاته المتوالية بأنه عالم العلماني الذي يقاسي في مجابهة تيار مذهبه الديني

الصميدعي اختلف مع السائد وشق بشجاعة طريقه السياسي وسط كتلة بشرية ضاغطة ورهيبة لا تقبل باي هوية بديلة غير هويتها الاساسية، حيث اختلاف الشخص مع ثقافته ليس امراً سهلاً ابداً، بل هو اشبه بالتنزّه في حقل الغام، واي الغام. اللغم الايديولوجي اقوى من اي لغم آخر لانه ينطوي على تكفير واخراج من الملة، تلك التي تسبق دائماً عملية القتل الجسدي. فكان هذا الرجل مقبول ومُرحّب به، بل هو بطل من ابطال الشاشة السياسية العراقية بالنسبة للمكوّن الشيعي طالما الرجل “قريب” للشيعية السياسية منها الى سنيته التاريخية، في حين “خائناً او حتى عميلاً” بالنسبة لابناء جلدته

على الرصيف الآخر، هناك تمرّد مزعج وغير مقبول من سرمد الطائي بسبب “خيانته” الفكرية لمذهبه الديني من وجهة نظر ابناء طائفته، فالطائي “الخارج عن التشيّع” اصبح الاكثر شعبيةً وقبولاً لدى المكوّن السني منه الى مذهبه الاصلي لانه الاقرب الى الطرح السني العام والاكثر مهاجمةً للسيد نوري المالكي رئيس وزراء العراق الحالي، رغم ان الاخير ينتمي الى نفس طائفة الطائي

لست هنا بصدد مناقشة افكارهم السياسية ولا يعنيني سر اختلافهم هذا، بقدر ما انا معني بظاهرة فريدة تشكّل “النشاز الايجابي” في قاعدة التماهي مع المجموع، فحينما يقرر الطائي والصميدعي مواجهة الموروث من خلال التمرّد على سائد الدفع الجمعي وتحدّي مؤثراته القوية والمُشكّلة لهوية الفرد، تتجلّى حينها الشجاعة بعينها

هم شجعان بالفعل ان يختلفا مع البنية المشكّلة لهما في الاساس ويخرجا من وعاء الطائفة التي عادةً ما تكون متشددة بحق الخارج منها ومتسامحة مع الداخل اليها
شجعان لان قوة التيار المضاد بمديات حشده وحماسة جموعه لم تشكل عائقاً بوجههما ان يقولا ما يؤمنان به على الملأ
شجعان لانهما اخترقا حاجز الانساق وعبرا حدود البنى في اصعب رحلة قد يقوم بها الانسان، اذ ليس من السهل الخروج على افكار بني قومك حيث يكون كفرك بأثنين

لهذا اخلص بان ظاهرة “الصميوطائية” ظاهرة تستحق منا على الاقل الملاحظة، لتشجيعها وانمائها لانها البرهان الحقيقي كيف ان التداخل الثقافي بين الطوائف يفرز احياناً اشخاصاً ذا استقرارٍ نفسي وسكينةٍ مطلوبة وسط هيجان طائفي عارم يجتاج المنطقة برمّتها، خلاف التقاطع بين الثقافات حيث الحاوية الخصبة للتطرّف والانغلاق على الذات

مغايرة الطائي والصميدعي مع موروثهما هو قمة في الانتماء النفسي لانهما انتميا لنفسيهما وقدماها على كل الانتماءات الاخرى. اتوجد هناك شجاعة اكثر من هذه؟

سليم سوزه