الرئيسية » المرأة والأسرة » وخزة ضمير- لماذا نعادي ما كنا نحبه يوما؟

وخزة ضمير- لماذا نعادي ما كنا نحبه يوما؟

وأنا أستمع لإحدى البرامج الثقافية على إحدى الفضائيات يتحدث مسئول سابق عن مؤسسته التي كان يعمل فيها وربما عمل فيها وقتا طويلا، لينتقد عملها وأداءها، فهل يا ترى لو بقي يعمل فيها سيقول ما قاله فيها؟
وليس الأمر مقصورا على المسؤولين، بل ألاحظه في كل العلاقات الاجتماعية والسياسية وحتى الثقافية، فترى المرأة التي انفصلت عن زوجها وقد عاشت معه زمنا باحت له بأسرارها وملكته نفسها، لا ترى فيه إلا شيطانا رجيما وسيء خلق ودين، وكذلك الزوج الذي (تحرر) من قيد امرأته وسيطرتها لا يرى في زوجته إلا أنها غير صالحة، ويقول فيها ما لا يصح في منطق أو عرف أو خلق، ونسي أنها كانت له يوما قرينة تتقاسمه حلو الحياة ومرها، فالعيب ليس في الانفصال، فالأمر منطقي وطبيعي، ولكن ما هو ليس طبيعيا ولا عاديا أننا نصبح لا نرى إلا ما هو أسود، ونمسح من ذاكرتنا كل ما كان من عشرة وتعايش وربما تناغم وحلو وصال!!
وليس بعيدا عن ذلك ما يحدث بين المحبين العاشقين، فيعد أن كان فارس الأحلام ومنتهى الروح والعقل، يصبح مكروها يجر آلاف الجمل من الكراهية والندم، فيكون محلا لجلد الذات وشقائها!!، وليتحول ذلك العاشق الولهان من محب ومخلص إلى مدبج لأقوال في وصف شنيع لمحبوبته، وكأنهما تحولا إلى أعدى عدوين، بعدما كانت بينهما الألفة والمحبة واندماج الروح في الروح، وقليل من يسلم من هذا أو من ذاك، وكأننا عندما نفقد شيئا، ولا نأمل في الحصول عليه، نكذب على أنفسنا أنه كان اختيارا خاطئا، على رأي الذي لم يستطع يوما الحصول على عنقود من العنب الشهي، تسمعه يقول عنه إنه حامض حصرم، وفي نفسه ألف حسرة وحسرة على أنه لم يتذوق طعمه!!
ولا تحسبوا أن الدوائر الثقافية بعيدة عن هذا الاعوجاج في السلوك، فما زلنا نسمع ونرى آراء غاية في السوداوية عندما يتحول المثقف من حال إلى حال، ليترك جماعته الأدبية ليندمج في جماعة أخرى، أو عندما يختلف مع غيره في رأي أو عندما لا تتاح له فرصة النشر في مجلة أو صحيفة، أو لم ينتبه له النقاد والصحفيون!
ويزداد الأمر سوءا عندما ترى الشخص من أشد دعاة حزب من الأحزاب السياسية، وكان ينشئ الأفكار في التنظير لهذا الحزب أو ذاك، ويدخل في معارك فكرية وسياسية وإعلامية، فإذا ما تردت به الحال وانفصل عن فكر الأمس أصبح من أشد الأعداء ضراوة في حرب ضروس على برامج ذلك الحزب ومعتقداته وبرامجه!
إذن، هي عادة فكرية في عقلياتنا، لم تفلح البرامج الفكرية والتربوية في الحد منها أو إلغائها، لأنها أمر متعلق بالتركيبة العقلية والنفسية للإنسان، وخصوصا إذا ما أنشئ على فكر يقوم على الوحدانية والإقصاء، ولذلك وفي هذا السياق تبدو الظاهرة طبيعية جدا جدا!!