الرئيسية » مقالات » كيف فاز المالكي مرة اخرى

كيف فاز المالكي مرة اخرى

مثلما توقعت مع آخرين كثر ان ائتلاف السيد المالكي، ائتلاف دولة القانون، سيفوز في انتخابات مجالس المحافظات او على الاقل سيحصد العدد الاكبر في محافظات العراق الجنوبية ان لم يفز بالاغلبية المطلقة، وهو ما حصل بالفعل. لكن السؤال لمادا صوتت الاغلبية لهدا الكيان؟ هل لانها اقتنعت ببرنامجه الانتخابي مثلا؟ ام برموز واسماء من ترشحوا على هذه القائمة؟

ان اي عاقل بالعراق اليوم يعي جيداً بان المناخ السياسي العام لايعطي للناخب حرية التفكير ببرامج المرشحين ولايسمح له حتى باجراء مسح انتخابي سريع لفرز الجيد من السيء وسط ذلك الضجيج الطائفي الهائل. فالكل مشدود لهوس خطاب الاستقطاب والكل استراح على الترنيمة القائلة بان المرحلة الحالية ليست مرحلة برامج بل مرحلة “القيادة القوية” او بمعنى ادق مرحلة تثبيت حقوق “الطائفة” وسموّها على الآخر المتربص.
فالخطاب هو هو لم يتغير مند عشرة سنوات، وصاحب السلطة اقوى ممّن هو في خارجها في ايصال خطابه

فوز ائتلاف دولة القانون لايعني فشل الآخرين بل يؤكد حقيقة واحدة لا جدال فيها ان السلطة تلقي بوهجها على الناس مهما حاولوا التصدي لتأثيراتها وهيمنتها. لوهج السلطة قوة كبيرة في المجتمعات الغربية وتأثير ملحوظ على قناعات ناخبيها، وهي دول ادمنت الديمقراطية لسنين طويلة ولولا دستورها الذي يمنع تكرار الترشيح اكثر من مرتين، لشهدنا حالات مشابهة لما نشهدة في العراق، فكيف بنا ونحن تحت تأثير اقوى واوسع وهج يمكن لاي سلطة ان تملكها بسبب حروب الردة التي يخوضها السياسيون الطائفيون على قدم وساق!

يذكرني صوت العلمانيين واحزاب اليسار في الجو الانتخابي العراقي ببائع الحلوى الذي يصر على بيع حلواه في الايام الرمضانية حيث الناس صائمون ولا مجال للحلوى في وقت كهذا. والاغرب حينما ينفخ الاوداج ليزيد من صراخه وضجيجه كلما لم يجد احداً يشتري منه بضاعته، ذلك هو العبث والجنون بعينه، فالمسكين لا يعرف انه اختار الوقت الخطأ والناس الخطأ، فالخلل ليس في الحلوى اطلاقاً بل في الوقت الذي اختاره لعرض تلك الحلوى والناس الذين استهدفهم بحلواه، مثله مثل الاحزاب التي ذكرتها، اذ ليس الخلل فيها او في خطابها ان كانت احزاب محترمة ومعتدلة طبعاً، بل في الوقت الدي عرضت فيها خطابها المعتدل ذاك. لا احد يسمع مثل هكذا خطاب اليوم، فخطاب الطائفة اعلى واقوى واكثر شحناً ودفعاً من ايمّا خطاب آخر

ما اروع الصورة الوصفية التي يرسمها ابن ابي طالب في قوله، “الناس نيام حتى اذا ماتوا انتبهوا”، ونحن نيام بالفعل لاننا اشبه بركاب طائرة مخطوفة يقود مصيرها ثلة مغامرة استطاعت السيطرة على قمرة القيادة دون ان تتعلم فن الطيران بعد، فكلما هوت الطائرة منخفضة توسلنا بالقبطان ان ينجينا من الموت لانه ليس عندنا غيره بل لا نقوى على سماع غيره في مثل هكذا جو عاصف ومخيف… نيام ومخدّرون وحياتنا رهن يدي ذلك “القبطان”، فهل سنسمع لغيره؟ ومَن يجرؤ على سماع غيره. انه هو صاحب المايكروفون والقابض على مقود التوجيه، والبقية ليست سوى اصوات تضج الاسماع بهلوسات لا نفهمها. مابين ضجيج وصراخ وبكاء وصياح، صوت واحد هو الاعلى والاقوى بينها، هو صوت ذلك القبطان ونحن مشدودون لوهج صوته شئنا ام ابينا.

فاسلامياً، كل احاديث النار وخطابات التهويل وتخويفات القرآن وعذاب القبر ومنكر ونكير ومنازل الآخرة لعباس القمي وبحار المجلسي وضغطات القبر وشجرة الزقوم، ناهيك عن الاثر الهائل الدي تركه لنا صحابة الرسول وآل بيته حول حياة مابعد الموت، لم تمنعنا من عدم الخضوع لوهج الدنيا وسطوة “صوتها” على صوت الآخرة، لاننا ببساطة شديدة، لا نرى شيئاً آخراً الآن سوى هذه الدنيا فحسب.

اما سيسيولوجياً، فنحن ككتل القطن، بمساعدة الريح، يدفعها حاصدها بعصاه حيث يريد، ولانملك الّا ان نستجيب لهذه العصا ولتلك الريح لانهما اقوى منا، على الاقل اليوم.
نحن مشحونون ومدفوعون، بعلم ام بغفلة، بضجيج الجيران والاصدقاء والاهل والاقارب دون ان نجرؤ على مقاومته ولا حتى ايقافه للاستجواب والاستنطاق، بل على العكس ننساق في اللاشعور مع هذا الضجيج وفق مونولوج “حشر مع الناس عيد”

فلسفياً، هذا نبي الفلسفة ومعلمّها نيتشه هو الآخر ليس ببعيد عن تحليل فينومينولوجيا انجذاب الناس للشاخص على المسرح، فقد فسّر لامعقولية ذلك المشهد العبثي بالقدرة التي تملكها السلطة على انتاج السلطة، فالسلطة تنتج سلطة على الناس من خلال قدرتها على انتاج واعادة تدوير خطاب الهيمنة كلما اقتضت الضرورة “السلطوية” لذلك. كل ما انجزه الانسان وينجزه نابع من الرغبة للسلطة حسب مايقول نيتشه، فهي الخاطر الاول والاخير لديه، وان أيّة سلطة، سياسية او دينية، خصوصاً تلك التي تملك القدرة على ايصال خطابها، تريد ان تخلق لها اتباعاً على شاكلة ذلك الشخص الذي يبكي ويصرخ تحت صنمٍ عال عسى ان يسمعه ويرحمه وهو يعلم انها لاتنفع، فحينما يُسأل لماذا الانقياد لهذا الصنم؟ يجيب الرجل بوضوح: هذا هو الصنم الوحيد الذي وقعت عليه عيناي دون غيره، ان كان هناك غيره اصلاً. مثل هذا الرجل يسميه نيتشه بالرجل “المجنون” الذي يستريح مع عقيدته ولايستفزها بالاسئلة ابداً، بل يشعر بالسعادة وهو يلقي بنفسه عارياً عن التفكير في احضان اول “صنم” يقف امامه، على قاعدة “هو افضل من غيره” او “ماكو احسن منه” او حتى انقياداً اعمى للمقولة البائسة “الشين الي تعرفه افضل من الزين الي متعرفه”. طوبى لك نيتشه فقد عرّيت جنوننا وكشفت عوراتنا الفكرية قبل ان تُخصّب بيضة سليم سوزه وهي في رحم امها.

كل هذه الاسباب التي ذكرتها اضافة الى براعة السلطة في تصوير المشهد وكأننا مجموعة من الناس الطيبين، معلقون داخل غرفة محكمة، وقاتلنا يقف على الباب، في يده سكاكين الغدر والحقد، وهي وحدها من تستطيع دفع ذلك الخطر عنّا، يجعلنا نختار طبقتنا السياسية سوريالياً بدون حكمة وتفكّر. نريد ان نحمي انفسنا من بقايا “النظام السابق” وابناء “القاعدة” الموجودون في ساحات الاعتصامات السنية، هؤلاء الذين لم يعرف اغلب قادتهم، خصوصاً قياداتهم المراهقة والمندفعة، كيف يخفي خطابه الطائفي، فزادوا من اسهم غريمهم السياسي ودفعوا الناس من حيث لايشعرون تجاه مَن هم في السلطة الآن.

الناس البسطاء اعلنوا انفصالهم التام عن الواقع كما يقول سارتر، وقرّروا التصويت لصالح ائتلاف دولة القانون الحاكم لا حباً في برنامجه او درايةً بمرشحيه بل لان دولة القانون عرفت كيف تعرض حلواها على الناس، اذ لم يعد مهماً مَن هو المرشح وما هو برنامجه الانتخابي للمحافظة او حتى مَن هو المنافس لها؟ بل الاهم انها تحميني ممّن يريد سرقة “المنجزات” الحاصلة في عراق مابعد صدام، وعلى رأسها طبعاً، السلطة باعتبارها اعلى منجز وافضل قمة ممكن ان يصلها المرء ويتعالى بها عن الوجود حسب تعبير ملعون متمرّس، اسمه سارتر.

باختصار شديد ما يجري في العراق ممكن حصره في هذا المشهد النيتشوي المثير حيث السيد ناجح الميزان، شيخ وقائد تظاهرات سامراء، يقول بالنص وعلى قناة الشرقية قبل ايام “الحكم في العراق عربي سني ولا نقبل بالشيعي حاكماً لنا”، ليجيبه السيد المالكي قبلاً “ما ننطيها”.
وحده نيتشه عرف انها “الرغبة الى السلطة” التي تدفع بالرجلين لهذا الكلام، وتدفع بنا نحن كتل القطن معهم في هذا الصراع العبثي.
فكيف يستطيع الناخب العراقي البسيط ان ينتخب غير دولة القانون في خضم هذا الجو الطائفي المجنون؟ أما مَن يجيبني احد؟

سليم سوزه