الرئيسية » اللغة » إستنباط لغة كوردية مشتركة

إستنباط لغة كوردية مشتركة

العولمة و ثورة الإتصالات و المعلومات لها تأثير إيجابي كبير على توحيد اللغة الكوردية، حيث أنها تعمل على إزالة الحدود و الحواجز بين الأقاليم الكوردستانية و زيادة الإتصال بين المواطنين الكوردستانيين مناطقياً و إقليمياً و التي تؤدي بدورها الى تقارب اللهجات الكوردية و تجانسها و بالتالي ظهور لغة كوردية موحدة. يحدث هذا عن طريق إنتقال الرأسمال و الإستثمارات و كثافة العلاقات التجارية و العلمية و الثقافية بين مختلف أجزاء كوردستان و كذلك نتيجة ظهور الفضائيات الكوردية و مئات المواقع الإلكترونية الكوردية. كما أن النظام العالمي الجديد و العولمة تعملان في نفس الوقت على إزالة الأنظمة الدكتاتورية و العنصرية للدول المحتلة لكوردستان و إحلال أنظمة معتدلة محلها و التي تعني تمتع الكورد بحرية نسبية و بعض الحقوق القومية و تمكينهم من توحيد لغتهم و إحياء ثقافتهم. من جهة أخرى، فأن العولمة و التطور التكنولوجي لهما آثار سلبية أيضاّ على توحيد اللغة الكوردية، حيث أنهما يعملان على هيمنة اللغة الإنكليزية و جذب إهتمام قطاع واسع من الكورد و كسبهم من قِبل الفضائيات الناطقة بالعربية و الفارسية و التركية و مواقع الإنترنت المكتوبة بهذه اللغات، و إبتعادهم عن الفضائيات و المواقع الكوردية مما يؤثر سلباً على مشروع اللغة الكوردية المشتركة.

لدراسة موضوع توحيد اللغة الكوردية بشكل علمي، ينبغي أن تتوفر في هذه الدراسة الشروط الأساسية للدراسات العلمية. بالنسبة للموضوع الذي نحن بصدده، فأن أول هذه الشروط هو أن يكون الباحث محايداً لا يميل الى فرض حل معين يعتقد بصحته، على الحلول الأخرى، و إلا ستخرج الدراسة عن المنهجية العلمية. مثلاً تفضيل الباحث إختيار لهجة معينة لتكون أساساً للغة الكوردية الموحدة دون إمتلاكه لمبررات علمية تُرجّح ذلك الإختيار. الشرط الثاني هو أن يكون الهدف من البحوث إيجاد لغة كوردية موحدة للأمة الكوردية بأسرها دون أن ينحصر على توحيد اللغة الكوردية في جزء مُعيّن من كوردستان و الذي يعني القبول بواقع تجزئة كوردستان و دعم الواقع التقسيمي لها. الشرط الثالث هو أن يتم إختيار الوسائل المستعملة لخلق لغة مشتركة و بيان مبررات هذا الإختيار. لو دققنا في الدراسات و المقالات المنشورة من قِبل بعض الكُتّاب حول هذا الموضوع و إحتكمنا الى هذه المقومات، لنرى بكل أسف أن معظمها يفتقد الى توفر هذه الشروط.

فيما يخص توحيد اللغة الكوردية، النزعة الإقليمية أواللهجوية تدل على نقص في الوعي القومي و ضحالة في المعلومات و قُصر نظر في الرؤية. بعض الطروحات الإقليمية التقسيمية تُطرح من قِبل أناس يباركون بقاء كوردستان مقسمة أو تأتي من أناس يائسين فاقدي الأمل في تحقيق وحدة كوردستان. أما أصحاب النزعة اللهجوية هم من المتعصبين للهجتهم الذين لا يجيدون التكلم باللهجات الأخرى، بل لا يريدون تعلمها أو هم من القلقين على إندثار لهجتهم و إختفائها. على هؤلاء أن يدركوا أن مصير أقاليمهم و لهجاتهم مرتبطة بشكل عضوي بمستقبل توحيد كوردستان و توحيد اللغة الكوردية لأن هذه اللهجات ليست لها مقومات البقاء و الحياة إذا لم تتوحد و إذا لم تفلح في التزاوج و التلاقح و التفاعل مع بعضها لتكوين لغة موحدة تمثل الأمة الكوردية و تصبح لساناً كوردياً واحداً يشق طريقه نحو الحياة و التقدم و التطور. كلما تبقى كوردستان محتلة و مجزأة كلما تواجه اللغة الكوردية تحديات أكبر لتصبح لغة موحدة للأمة الكوردية. في منطقة مضطربة تسودها النزعة العنصرية و العنف و إلغاء الآخر، مثل منطقة الشرق الأوسط، و في عالم التكتلات السياسية و الإقتصادية و العسكرية الكبرى، فأن وحدة الكورد و تطورهم هما الضمان الوحيد لبقائهم كشعب قادر على إيجاد هويته و الحفاظ على وجوده و ثقافته و لغته. من هنا ندرك أن النزعة الإقليمية و اللهجوية عند بعض الكورد هي نزعة غبية و لها آثار سلبية خطيرة على مستقبل و وجود الشعب الكوردي. ليعلم أصحاب هذه النزعة بأن محتلي كوردستان مستعدون لصرف مليارات الدولارات لتشجيع الفكر الإقليمي و اللهجوي و الإستسلامي بين الشعب الكوردي لتمزيقه و تقسيمه الى قبائل و طوائف متناحرة و بائسة لإنجاح مشروع تذويب الشعب الكوردي و القضاء عليه، بعد أن عجزت ماكنتهم العسكرية من طائرات و دبابات و مدافع و أسلحة كيميائية، عن تحقيق هدفهم بإبادة الشعب الكوردي و سرقة كوردستان و محو وجودها.

ينطبق نفس الشئ بالنسبة الى توحيد الكتابة الكوردية، حيث ينطلق الذين يدعون الى إستخدام الأبجدية الآرامية، من حقيقة الإنتشار الواسع لهذا النوع من الكتابة أو ينطلقون من منطلق ديني، حيث أن لغة القرآن هي العربية و يريد هؤلاء إستمرار تواصل الكورد مع الثقافة الإسلامية و العربية. هناك فريق آخر يفضل إستخدام الأبجدية اللاتينية في الكتابة الكوردية لإعتقاده بملاءمة هذا النوع من الحروف للأصوات الكوردية و لتمكين الكورد من مواكبة التطور التكنولوجي و العلمي العالمي. إن مناقشة هذه المواضيع مفيدة، إلا أنه يجب مراعاة الجانب العلمي و المصالح القومية العليا للأمة الكوردية. إن اللغويين الكورد هم الأشخاص المؤهلون لإداء هذه المهمة التأريخية في توحيد الكتابة الكوردية و إيجاد لغة كوردية مشتركة. على اللغويين و المسؤولين الكورد الشعور بالمسئولية و التفكير بمستقبل و وجود الشعب الكوردي و البدء بالعمل بكل جد و مثابرة على إنجاز هذه المهمة التأريخية الكبرى التي يتوقف عليها مستقبل و مصير الأمة الكوردية.

الى أن تظهر لغة كوردية موحدة و التي من الصعب جداً تحقيقها بدون إستقلال كوردستان، إلا أنه من الممكن إتخاذ بعض الإجراءات في الوقت الحاضر لبناء أسس صائبة لها لتسهيل عملية تقارب و دمج و تكامل اللهجات الكوردية. منذ نشوء الدولة العراقية الحالية، فأن الحكومات العراقية المتعاقبة عملت على تكريس اللهجوية في جنوب كوردستان لتعميق الإختلافات بين اللهجتين الكرمانجية الشمالية و الجنوبية، حيث تعاملت هذه الحكومات العنصرية مع هاتين اللهجتين كلغتين مستقلتين عن طريق بث الأخبار و المقابلات الإذاعية و التلفزيونية بهاتين اللهجتين بشكل مستقل و كذلك سلكت هذه الحكومات نفس الطريق بالنسبة الى نشر الكتب و المجلات و الصحف. من المؤلم جداً أنه، بعد تحرر الجنوب الكوردستاني و تشكيل مؤسسات الحكم في الإقليم، سارت حكومة كوردستان على نفس النهج، حيث تتم قراءة الأخبار باللهجتين بشكل منفصل و تُعد البرامج الإذاعية و التلفزيونية بإحدى هاتين اللهجتين بشكل مستقل. هناك الكثير من المواطنين الذين لهم إلمام في مجال الكتابة و الصحافة و اللغة و الذين يجيدون التكلم بعدة لهجات كوردية. ينبغي دعوة هؤلاء و فسح المجال أمامهم ليصبحوا مذيعين و مُعدّي برامج في الإذاعة و التلفزيون للعمل عل خلق لغة مشتركة مؤلفة من اللهجات الكوردية الهورامية و اللورية و الكرمانجية الشمالية و الجنوبية المتواجدة في الجنوب، حيث لا يخفى الدور الحيوي للإذاعة و التلفزيون في التقارب بين اللهجات الكوردية. كما يجب أن يتم إصدار صحف و مجلات و كتب باللغة الكوردية المشتركة، بإختيار مرادفات و مفردات جميع اللهجات الكوردية.

من الوسائل الأخرى للتقارب بين اللهجات الكوردية هي إنخراط المواطنين الكورد، سواء في كوردستان أو خارجها، في الجمعيات و الإتحادات و النقابات الثقافية و الإجتماعية و المهنية الكوردية و المجتمعات المدنية الأخرى وفي صفوف الأحزاب الكوردستانية و التي توفر فرصة ممتازة لإلتقاء اللهجات المختلفة و تواصلها و تقود الى التقريب بين اللهجات الكوردية و تجانس اللغة الكوردية. كما ينبغي فتح دورات تعليم اللغة الكوردية في كوردستان و في كل المناطق و الدول التى تتواجد فيها الجاليات الكوردية، لتعلم اللغة الكوردية بإشراف معلمين يجيدون التكلم بأكثر من لهجة واحدة للوصول الى تقارب و تجانس اللهجات الكوردية. مما سبق نستنتج أن مشروع إيجاد لغة كوردية موحدة هو مشروع قومي إستراتيجي، يحتاج الى كثير من العمل و التضحيات و النضال و على الكورد أن يقوموا بإنجازه إذا يُراد للشعب الكوردي أن يبقى كشعب واحد و أمة واحدة.

نتيجة التعريب و التفريس و التتريك و إرهاب الحكومات المحتلة لكوردستان و إضطهادها للكورد و بسبب تعرض كوردستان لحملات عسكرية عنصرية وحشية مستمرة و نتيجة هدم القرى و القصبات فيها و فقدان الأمن و فرص العمل هناك، إضطر الملايين من الكورد الى ترك كوردستان، حفاظاً على أرواحهم و طلباً للأمن و الإستقرار و الحصول على العمل لإعالة أنفسهم و أُسرهم. القسم الأكبر من هؤلاء هاجروا الى المدن الكبيرة مثل إستانبول و أنقرة و إزمير و طهران و بغداد و دمشق و غيرها من مدن هذه الدول و إستقروا فيها لبدء حياة جديدة لهم في هذه المناطق. قسم آخر من هؤلاء، و الذين قد تصل أعدادهم الى حوالي مليونين شخص، إضطروا الى الهجرة الى أوربا و قارة أمريكا الشمالية و أستراليا و كوّنوا حياة جديدة هناك. بالإضافة الى تشريد النظام البعثي العراقي العنصري لحوالي نصف مليون شخص من الشريحة الفيلية الى إيران و مواجهتهم حياة مزرية و صعبة هناك و إنقطاعهم عن التواصل مع لغتهم و ثقافتهم. هؤلاء المُهجّرون و المهاجرون من كورستان يواجهون خطر الإنسلاخ عن الأمة الكوردية نتيجة إنقطاعهم عن التواصل مع اللغة والثقافة الكوردية و خاصة بدءً من الجيل الثاني لهؤلاء المهاجرين و المهجرّين الذين يواجهون الإنسلاخ اللغوي و الثقافي و التشبع بثقافات و لغات البلدان التي يعيشون فيها. هذا يعني أن هؤلاء سينقطع إنتماؤهم و إرتباطهم بالشعب الكوردي بعد جيلين أو أكثر و تخسرهم الأمة الكوردية إذا لم تُتخذ إجراءات و حلول لديمومة تواصلهم مع الشعب الكوردي و إحتضان الأمة الكوردية لهذه الثروة البشرية الضخمة من المنتمين لها. هنا موضوعنا عن اللغة الكوردية، لذلك لا يسع المجال للإستطراد في بحث بعض الإجراءات الناجحة لمنع إنسلاخ هؤلاء عن أمتهم.

يجب أن يكون الأشخاص الذين يتصدون لهذا المشروع الإستراتيجي مختصين باللغة الكوردية و بأصولها و تأريخ تطورها و بلهجاتها. كذلك يتطلب ذلك منهم أن يكونوا ملمّين بالمبادئ الأساسية للبحث و الدراسة، للتمكن من النجاح في تحديد الأهداف و إختيار المواد و العناصر و الوسائل اللازمة لإستخدامها للحصول على نتائج جيدة و صائبة و من ثم أن يكونوا كفوئين في تحليل النتائج التي يتوصلون إليها و الخوض في مناقشتها لكي يصلوا الى إستنتاجات و مقترحات و توصيات تخدم توحيد اللغة الكوردية و الذي بدوره يساهم في توحيد الأمة الكوردية. عندئذ يستطيعون إغناء الموضوع و تطويره و خدمته و الوصول الى الهدف بنجاح.

إن إيجاد لغة كوردية موحدة هي عملية صعبة تحتاج الى كثير من الجهد و الوقت، إلا أن تحقيق الحلم الكوردي ممكن بكل تأكيد. كما نوهتُ، أن صعوبة إيجاد لغة مشتركة للكورد تكمن في تقسيم كوردستان الى أربع أجزاء رئيسية و كل جزء تحتله دولة ذات نظام لا يعترف بالشعب الكوردي و لا يعترف باللغة الكوردية، بل يحاول القضاء عليها عن طريق التتريك و التعريب و التفريس. هذا التقسيم الجائر خلق لغة كوردية تُكتب بثلاث أنواع من الحروف (العربية و اللاتينية و السنسكريتية) و بلهجتين رئيستين (الكرمانجية الشمالية و الجنوبية). كما أن الحدود المصطنعة التي تقسم كوردستان، تمنع التواصل و الإختلاط بين الكورد، و بذلك تعرقل تكوين لغة كوردية مشتركة. إلا أن تحرر إقليم الجنوب و تسلم السلطة فيه من قِبل حكومة كوردستانية، بعث الأمل في نفوس الكورد في توحيد لغتهم و الذي بدوره يُعتبر شرطاً أساسياً لتوحيد كوردستان و شعبها.

أود هنا أن أسلّط الضوء على جانبين مهمين من جوانب توحيد اللغة الكوردية. الجانب الأول؛ هو علمي بحت يتناول تحديد اللغة الموحدة و وضع خريطة طريق للوصول الى ذلك الهدف، و الجانب الثاني هو الجانب التنفيذي للمشروع. مسئولية الجانب الأول من المهمة، تقع على عاتق اللغويين. لتحديد الهدف بوضوح و بشكل شفاف، يجب تعريف اللغة المشتركة التي هي اللغة الرسمية للبلاد، و التي تعني أنها لغة الكتابة و التفاهم و التعليم و وسائل الإعلام، على أن تتم مراعاة الإرث اللغوي الكوردي و لهجات اللغة الكوردية. هذا التعريف يعني إيجاد لغة كوردية تكون وسيلة لتفاهم الكورد مع بعضهم، شفهياً و كتابةً. الشق الثاني من التعريف يعني الحفاظ على كل الموروثات اللغوية الكوردية السابقة، سواء كانت كتباً أو مجلات أو صحفاً أو أغانٍ أو برامج تلفزيونية و إذاعية أو أفلاماً و غيرها. كما يؤكد الجزء الثاني من التعريف على السماح لتطور اللهجات الكوردية و حمايتها من الإنقراض، لأنها هي أيضاً تُشكّل جزء من التراث و الثقافة الكوردية، بشرط أن تصبح اللهجات الكوردية لهجات محلية تتفاهم بها أصحاب هذه اللهجات فيما بينهم و ينشرون بها أشعارهم و غناءهم، إلا أنه يجب أن يكون واضحاً بأن اللغة الرسمية ستكون اللغة الكوردية الموحدة و التي تعني أن التعليم و وسائل الإعلام و المخاطبات الرسمية ستكون بهذه اللغة.

يتصور البعض أن اللغة الكوردية الموحدة ستكون عن طريق إختيار لهجة معينة و هيمنتها على اللهجات الأخرى، لتصبح لغة للكورد و منح الحياة و الديمومة لتلك اللهجة و ترك اللهجات الأخرى تتجه نحو الإنقراض. أعتقد أن اللهجات الكوردية تتكامل مع بعضها البعض و بعد تفاعلها و تلاقحها، ستصبح لغة مشتركة للكورد. أستغرب الضجيج المفتعل حول اللهجات الكوردية و كأنما الإختلاف بينها كبيراً الى درجة يصعب توحيدها. لو نتمعن في اللهجات الكوردية، نرى أن قواعدها متشابهة جداً و هناك إختلافات طفيفة جداً بينها. أما بالنسبة لكثير من مفرداتها، فأنها متشابهة أيضاً، بإستثناء بعض التحويرات البسيطة التي تعرضت لها هذه اللهجات خلال التطور التأريخي لهذه اللهجات و التي تمت بمعزل عن بعضها البعض، نتيجة فصل قسري بينها و بسبب وقوع كل لهجة تحت تأثير النظام السياسي الذي تعيش في ظله و تأثير لغة الشعوب المحتلة المهيمنة على كل منها. التباعد بين اللهجات الكوردية المتأتي من تشتيت الشعب الكوردي و تقسيم كوردستان، تتم معالجته عند توحيد الشعب الكوردي و بناء دولته الموحدة. من هنا ندرك أن التغييرات الطارئة على المفردات المختلفة بين اللهجات الكوردية هي ظاهرة طبيعية، حيث أن الكلمات في كل لغات الدنيا لها مرادفات. من الملاحظ أيضاً أن النقاش الدائر حول توحيد اللغة الكوردية يُركّز على اللهجة الكرمانجية الشمالية و الجنوبية اللتين الكتابة بهما أكثر إنتشاراً من اللهجات الأخرى، إلا أننا لا يمكن تجاهل اللهجات الأخرى التي هي غنية بالمفردات الكوردية الأصيلة. على سبيل المثال لا الحصر، اللهجة اللورية التي كانت مناطق إنتشارها مهداً للحضارة البشرية ، حيث الحضارة السومرية و الإيلامية و الميدية و الساسانية. اللغات الهندو-أوروبية أخذت من اللهجة اللورية الآلاف من مفرداتها التي تستعملها في الوقت الحاضر. على سبيل المثال، يذكر الأستاذ مسعود محمد، في كتابه القيّم المعنون ”لسان الكُرد“ الصادر في بغداد في عام 1986، بأن كلمة ”دوت“ التي تعني ”بنت“ باللهجة اللورية هي كلمة كوردية أصيلة مذكورة في ”آڤيستا“ و أن اللغات الأخرى، كاللغات الإنكليزية و السويدية و غيرهما، قد قامت بإستعارة هذه الكلمة الكوردية. لو نستمر في التدقيق في مفردات اللهجة اللورية، سنكتشف أنها تحوي على الآلاف من الكلمات الكوردية الأصيلة. كما يجب أن لا ننسى اللهجة الهورامية، حيث أن الكتب الدينية للكاكەيين مكتوبة بهذه اللهجة، و التي هي إحدى الديانات الكوردية القديمة. هكذا بالنسبة للهجات الأخرى. من هنا ندرك بأن اللغة الكوردية الموحدة بحاجة الى روافد جميع لهجاتها لإثرائها و العمل على تكاملها.

لإنجاح توحيد اللغة الكوردية، أول خطوة نحتاج للقيام بها هي توحيد كتابة اللغة الكوردية. لتنفيذ هذا العمل، ينبغي عقد مؤتمر علمي حول هذا الموضوع، يقوم بتنظيمه المجمع العلمي الكوردي لجنوب كوردستان، بالتعاون مع الأقسام الكوردية في الجامعات الكوردستانية و المراكز الثقافية الكوردية القائمة في دول عديدة. لهذا الغرض، تتم دعوة علماء اللغة الكورد من مختلف أنحاء كوردستان، بحيث تشمل المختصين باللهجات الكوردية جميعها. كما يتطلب الأمر دعوة العلماء الأجانب المختصين باللغة الكوردية و كذلك مشاهير علماء العالم في مجال اللغات. كما أقترح أن تُنظّم هذه التظاهرة العلمية في كوردستان و أن تعضدها حكومة جنوب كوردستان، و خاصة من الناحية المادية. أقترح أيضاً دعوة اللغويين الأجانب و الكورد القاطنين خارج كوردستان و تحمّل نفقة سفرهم و إقامتهم، حيث أن ميزانية البحوث العلمية في جامعات و مراكز البحوث في الغرب، تكون عادةً محدودة، تأتي عن طريق إعانات حكومية و مساعدات مقدمة من شركات و جمعيات ذات الصلة. كما من الضروري الإعلان عن عقد المؤتمر المذكور في وقت مبكر، أقترح أن يكون ذلك قبل عام واحد من إنعقاده، لضمان توفر الوقت الكافي للباحثين لتحضير دراساتهم و بحوثهم بشكل جيد. ينبغي أن يتم إشعار الباحثين عن مكان إنعقاد المؤتمر و موعده و مدته و شعاره و لغة عرض البحوث عند إرسال الدعوات الى المختصين للمشاركة في المؤتمر المذكور. يمكن أن يكون شعار المؤتمر مثلاً (السبيل الى إيجاد كتابة كوردية موحدة). تُستعمل اللغة الإنكليزية عادة في المؤتمرات العلمية العالمية (بالنسبة للباحثين الذين لا يجيدون الإنكليزية، يمكن تقديم دراساتهم على شكل ملصقات posters، حيث أنهم في هذه الحالة لا يحتاجون الى إلقاء بحوثهم بصورة شفهية) أو يمكن إلقائها بِلُغة أخرى على أن يقوم مترجمين بترجمتها شفهياً بشكل مباشر الى اللغة الكوردية و الإنكليزية. في نهاية المؤتمر، يقوم المؤتمرون بتقديم توصيات و مقترحات حول الموضوع و يمكن لحكومة جنوب كوردستان تبنّيها لتصبح الكتابة الرسمية في الإقليم و في أجزاء أخرى من كوردستان و من قِبل الكوردستانيين في كل مكان قدر المستطاع.

إيجاد لغة كوردية موحدة يحتاج أيضاً الى تأليف قاموس (كوردي- كوردي) شامل يحتضن بين دفتيه مفردات اللهجات الكوردية لتصبح أساساً للغة كوردية مشتركة. هذا العمل الجبار يجب أن يُناط باللغويين الكورد و العلماء الأجانب المختصين باللغة الكوردية. لإنجاز هذه المهمة التأريخية، يمكن أن يتوزع هؤلاء اللغويون على شكل مجاميع لغوية، كل مجموعة تأخذ على عاتقها مسئولية جمع مفردات لهجة معينة من مصادر مختلفة، مثل الكتب و الصحف و تسجيل أحاديث الناس في القرى و الأرياف و المدن و في المهجر و غيرها من الوسائل التي يستطيع الباحثون إتباعها، و التي هم أعرَفُ مني بها، حيث أن مثل هذا العمل هو من إختصاصهم. يصبح هذا القاموس أساساً للغة مشتركة. قد يظن القارئ بأن القاموس سيحتاج الى مجلدات ضخمة و عديدة، الا أنني أعتقد بأن الكثير من مفردات اللهجات متشابهة أو متقاربة و أن فصل و عزل الكورد عن بعضهم البعض و منع إستعمال اللغة الكوردية من قِبل الحكومات المحتلة تجعلنا نتصور أن هناك بَوناً شاسعاً بين اللهجات الكوردية، حيث أن الإختلاف بين اللهجات الكوردية لا يزيد عن ذلك الموجود بين لهجات اللغات الأخرى.

يجب أن لا ننسى أيضاً أن اللغة الكوردية بحاجة لتثبيت قواعد لها. لهذا الهدف، يجب دراسة اللهجات الكوردية من قِبل اللغويين المختصين باللغة الكوردية لوضع كتاب شامل لقواعد اللغة الكوردية، ليصبح مرجعية لها، تتبعها المؤسسات التربوية و الرسمية الأخرى و وسائل الإعلام و الكُتّاب و المؤلفون. بعد إنجاز مشروع القاموس و كتاب النحو الكوردي، تبدأ الدراسة باللغة الكوردية الموحدة بالنسبة لتلاميذ الصف الأول الإبتدائي و يتم تعليم الآخرين، المعلمين و المدرّسين و الصحفيين و غيرهم، عن طريق فتح حلقات دراسية لهم. صحيح أننا في بداية تطبيق اللغة الكوردية سنواجه صعوبات كبيرة، إلا أن العملية ستنجح و تأخذ مسارها الطبيعي بعد جيل أو جيلين.