الرئيسية » مقالات » هل حقاً فشلت التجربة الأمريكية في العراق؟

هل حقاً فشلت التجربة الأمريكية في العراق؟

لم أستغرب عندما أقرأ عشرات العناوين لمقالات كتبها أعداء التغيير في العراق وهم يطبلون بفشل التجربة الأمريكية. فهؤلاء طبلوا بالفشل وحتى قبل البدء بعملية تحرير العراق يوم 19/3/2003، وذلك لمختلف الأسباب: الطائفية، والسياسية، والاقتصادية، والأيديولوجية والانتهازية…الخ. ولكننا نصاب بالاستغراب، بل وبالصدمة والدهشة عندما نقرأ مقالاً من هذا القبيل لمن كان لحد وقت قريب من أشد المتحمسين للمشروع الأمريكي في الإطاحة بالأنظمة المستبدة في منطقة الشرق الأوسط، بدءً بأشرس نظام همجي عرفه التاريخ، ألا وهو نظام البعث الصدامي في العراق.

فقبل أيام قرأت للمفكر المصري الأمريكي المعروف، الصديق العزيز الأستاذ مجدي خليل، مقالاً في الحوار المتمدن بعنوان: (عشر سنوات للحرب على العراق: هل فشل النموذج الأمريكى؟)، وعنوان ثانوي: (لماذا فشل النموذج الأمريكى فى العراق؟).
ومن العنوان الثانوي هذا، يحاول الأخ الكاتب أن يوحي للقارئ أن فشل التجربة الأمريكية في العراق حصل بدون أي شك!! ولكن دوره هنا فقط ليناقش أسباب هذا الفشل!

أرى من واجبي الرد على المقال لتوضيح ما يجري في العراق، وأرجو من الصديق العزيز الأستاذ مجدي خليل أن يسع صدره لحق الاختلاف، إذ كما قال سعد زغلول: “الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية”.

إن سبب موقف أعداء التغيير في العراق والتبشير بفشله معروف، وهو أن أمريكا قضت على أهم مصدر من مصادر رزقهم عندما أطاحت بصدام حسين ونظامه الفاشي، صدام الذي حرم العراقيين من التمتع بمواردهم الهائلة، وأنفقها واستدان عليها عشرات المليارات الدورات على عسكرة المجتمع، والحروب العبثية، وشراء ذمم آلاف الصحفيين والسياسيين ومنظمات عربية ودولية بمنحهم كوبونات نفطية لدعم سياساته الطائشة. وبالتأكيد، فإن الأخ مجدي لم يكن من هؤلاء، بل كان أحد ضحايا النظام العربي الدكتاتوري في مصر والذي تم إسقاطه أخيراً بثورات الربيع العربي، وهو من مناصري الديمقراطية الليبرالية في الشرق الأوسط.

فإذن، ما السبب الذي جعل الأخ مجدي خليل يغير موقفه من التغيير في العراق مؤخراً، وينضم إلى جماعات المبشرين بفشل التجربة الأمريكية؟ وقبل الإجابة على هذا السؤال، دعونا نناقش مبررات فشل التجربة الأمريكية في العراق كما يراها الصديق مجدي. وأنا إذ أتفق مع معظم الأسباب التي ذكرها الكاتب، إلا إني أختلف معه في أن هذه الأسباب لم تؤدِ إلى فشل التجربة، ولكنها خلقت عراقيل وصعوبات أمام العراق الجديد، إلا إن التجربة نجحت ومازالت تحث الخطى باضطراد في طريق النجاح والنضج. لنناقش الآن بعض ما ورد في مقال الصديق و ذلك كما يلي:

1- يقول الأخ مجدي في مقدمة مقاله: “يحار المرء فى فهم الاسباب الحقيقية وراء غزو أمريكا للعراق، أما الاسباب المعلنة فهى معروفة وتتلخص فى ثلاثة أسباب رئيسية وهى اسلحة الدمار الشامل الموجودة لدى نظام صدام والتى ثبت عدم صحتها، والعلاقة بين صدام والقاعدة والتى ثبت عدم صحتها أيضا، والسبب الثالث وهو نشر الديمقراطية فى العراق وفى الشرق الأوسط. فى تقديرى الشخصى أن السبب الثالث هو من أهم الاسباب الحقيقية والمعلنة لغزو العراق…” انتهى

ليست هناك أسباب غير معلنة، فمسألة أسلحة الدمار الشامل إن صحت أو لم تصح، كان صدام هو الذي روج لها وقيل فيما بعد أنه أراد تخويف إيران!!، والأمريكان لا يتركون الأمور للصدف والتخمينات، بل يأخذون تهديدات صدام وأمن بلادهم وأمن أصدقائهم في المنطقة مأخذ الجد. وكان بالتأكيد يمتلك برنامج لصنع السلاح النووي. أما علاقته بالقاعدة، فنشير عليه الاستماع إلى ما صرح به عالم الاجتماع العراقي الدكتور فالح عبدالجبار في مقابلة له مع فضائية العربية، أن نظام البعث العراقي قبل سقوطه استضاف 6 آلاف مقاتل للقاعدة (الرابط في الهامش) (1). كما وأطلق صدام حسين سراح نحو مائة وأربعين ألف سجين جنائي من عتاة المجرمين ليعيثوا في العراق فساداً بعد سقوطه، وأعدم جميع السجناء السياسيين.

2- يقول الأخ الكاتب: “قررت الادارة الأمريكية بعد ما حدث فى 11 سبتمبر أن هذا الشرق الأوسط المصدر للإرهاب والعنف والكراهية لابد أن يتغير، وكان حلمهم وقتها أن يتغير بما سماه جورج بوش “أجندة الحرية”،أى دمقرطة المنطقة التى تبدأ من العراق وتنتشر بنظرية الدومينو، وفى نفس الوقت محاصرة مراكز تصدير الإرهاب فى السعودية وإيران من أرض العراق.”

نعم، كان لما حدث في 11 سبتمبر دور كبير في القرار الأمريكي لإسقاط حكم البعث، وتم ذلك بسهولة، إذ لم يدافع الشعب العراقي، ولا جيشه عن نظام البعث، عدا بعض المناوشات الخفيفة في الجنوب من قبل بعض المراهقين المخدوعين لما يسمى بـ”فدائيي صدام”. وفعلاً سقطت أنظمة أخرى وفق نظرية الديمنو. والقرار الأمريكي بدمقرطة المنطقة صحيح بلا شك، لا حباً بشعوب المنطقة أو رغبة في نشر الديمقراطية، ولكن لأن أمريكا توصلت إلى قناعة مفادها أن الأنظمة المستبدة التي دعمتها في عهد الحرب الباردة، هي التي وفرت البيئة المناسبة لإنتاج الإرهاب، والحاضنة لتفريخه. والحل هو إسقاط هذه الأنظمة ونشر الديمقراطية للتخلص من شرور الإرهاب.
إلا إني أختلف مع الصديق مجدي في قوله: “وعندما فشلت هذه النظرية – نظرية الدومينو- فى تغيير الشرق الأوسط، استعانوا بالبديل الاحتياطى وهو إغراق الشرق الأوسط فى الفوضى والخراب بدون طلقة واحدة وذلك بترك المنطقة تُحكم من قبل أوغادها المخربين، ومن ثم فإن المشهد الذى نراه حاليا فى الشرق الأوسط هو نتيجة غير مباشرة لما حدث فى العراق، والذى هو بدوره نتيجة لما حدث فى 11 سبتمبر.” أنتهى

نعم، إن ما حصل من انتفاضات الربيع العربي هو نتيجة مباشرة أو غير مباشرة لما حدث فى العراق، ولكن النظرية لم تفشل، ولم يتم إغراق المنطقة بالفوضى والخراب كما قال الأخ مجدي خليل. وإذا ما اعتبر انتفاضات “الربيع العربي” فوضى وخراب من صنع أمريكا، [أو من صنع الفيلسوف الفرنسي برنارد هنري ليفي، كما يردد آخرون]، فأنا أختلف معهم، لأن في هذا الادعاء إنكار وجود أنظمة عربية مستبدة، وإساءة وإهانة لذكاء هذه الشعوب وإظهارها وكأنها مجرد دمى تستطيع أية دولة غربية أو مفكر غربي تحريكها وإثارة الثورات أو (الفوضى) فيها كما يريد، وفي أي وقت يشاء. إن سبب انتفاضات الربيع العربي هو ظلم الحكام المستبدين، وبلوغ وعي الشعوب العربية درجة الانفجار بفضل التقنية المتطورة والثورة المعلوماتية، وما حصل في العراق من ديمقراطية حقيقية، أي نجاح التجربة الأمريكية.

وسبب خيبة أمل الأخ الكاتب من انتفاضات الربيع العربي “..بترك المنطقة تُحكم من قبل أوغادها المخربين”،على حد تعبيره، هو فوز الأخوان المسلمين في السلطة في مصر وتونس، ووجود رئيس وزراء من حزب إسلامي شيعي وهو حزب الدعوة، في العراق.
وعلى قدر ما يخص التجربة العراقية، لقد ساعدت أمريكا الشعب العراقي بإسقاط نظامه الجائر ووفت بوعدها في إقامة النظام الديمقراطي، حيث فسحت له المجال لينتخب حكامه عبر صناديق الاقتراع بمنتهى الحرية، وهذا ما حصل بالضبط بشهادة المراقبين الدوليين. كما حصل في تونس ومصر بعد الإطاحة بالحاكمّيْن المستبدَيْن، بن علي ومبارك على التوالي.
ولكن، المشكلة، أن أعتاد الكتاب العرب، مؤدلجين وليبراليين، مسلمين ومسيحيين لا فرق، إلقاء اللوم على أمريكا في كل شيء بما فيه فوز الإسلاميين في الانتخابات ومهما كانت هذه الانتخابات حرة ونزيهة. ولكن من المسؤول عن فوز الإسلاميين في هذه الانتخابات؟ أليس الناخبون أنفسهم؟ هل من الديمقراطية أن نعتبر الانتخابات حرة ونزيهة فقط إذا فاز بها العلمانيون أو المرشحون الذين نرضى عنهم نحن، ونعتبرها مزيفة، ونشتم أمريكا ونعتبر تجربتها فاشلة إذا فاز فيها الإسلاميون؟
وهل حقاً نظام الحكم في العراق إسلامي لمجرد وجود شيعي يترأس مجلس الوزراء، والشيعة يشكلون أكثر من 60% من الشعب؟ لمعلومات الأخ مجدي، وكل من يعتقد أن نظام الحكم في العراق هو نظام الحزب الواحد وهو حزب الدعوة، فهو على ضلال وخطأ كبير. فحصة حزب الدعوة في السلطة لا تتجاوز ثلاثة وزراء من مجموع 32 وزارة، وكل الوزراء الآخرين من أحزاب أخرى، معظمهم علمانيون، وحتى كان من بينهم وزير شيوعي في الحكومات قبل الحالية. فهل من الإنصاف، والحالة هذه، أن تسمي هذه الحكومة إسلامية وحكومة الحزب الواحد؟
أما فوز الأخوان المسلمين في تونس ومصر فكان بسبب موقف الناخبين العلمانيين المتخاذل يوم رفض 50% منهم الإدلاء بأصواتهم، مما فسح المجال لمرشحي الإسلاميين بالفوز. والمفرقة أنه مازال قادة العلملنيين المصريين يطالبون أتباعهم بمقاطعة الانتخابات القادمة، فمن المستفيد من هذه الدعوات الانتحارية السياسية، أليس الإسلاميون؟. يقول الفيلسوف الإيرلندي إدموند بيرك: “كل ما يحتاجه الشر لينتصر على الأخيار أن يعملوا لا شيء.”

3- ثم يسأل الأخ مجدي: “ولكن السؤال المطروح لماذا فشلت أجندة الحرية ونظرية فرض الديموقراطية من العراق؟”. ويجيب: “أول هذه الأسباب وأهمها فى تقديرى هو تحالف كل الديكتاتوريات فى المنطقة لإفشال المشروع الأمريكى للديموقراطية، حتى الد الأعداء كالسعودية وإيران اتفقوا على افشال المشروع الأمريكى. وكان الحل الذى يفهمه هؤلاء لعرقلة عدوى الديموقراطية هو تصدير الإرهاب الإسلامى إلى العراق واغراقه فى العنف والفوضى والقتل والتخريب، عشرات الآلاف من الإرهابيين تم اطلاقهم من السعودية وإيران وسوريا وقطر وتركيا لتخريب التجربة العراقية…” (انتهى)

أتفق مع الأخ مجدي في اتفاق أعداء الديمقراطية (السعودية وغيرها) على إفشال التجربة، ولكن ما ذنب أمريكا في هذه الحالة؟ ولماذا نحملها مسؤولية جرائم السعودية وإيران وغيرهما من أعداء الديمقراطية؟ كذلك أؤكد للكاتب مرة أخرى، أنهم لم ينجحوا مطلقاً، إذ انقلب السحر على الساحر، وها هي سوريا التي كانت تدرب الإرهابيين وترسلهم لإشعال الحرائق في العراق أصبحت هي نفسها ضحية الإرهاب وتلعق جراحها، ولا شماتة… أما الدول الأخرى فسيصلها الحريق قريباً. وأما العراق الجديد فيحث الخطى قدماً في طريق النجاح رغم المعوقات.

4- يقول الكاتب: ((وثانى أسباب فشل المشروع الأمريكى فى العراق هى القراءة الأمريكية السطحية للثقافة العربية الإسلامية، حيث تصورتْ أمريكا أنها قادرة على إعادة خلق النماذج الديموقراطية التاريخية كما حدث فى المانيا واليابان وكوريا الجنوبية، ولم تفهم الفروق الشاسعة بين هذه الثقافات والثقافة العربية الإسلامية، حيث أن الأخيرة تعادى بدرجة كبيرة الغرب وتعادى بدرجة أكبر النموذج الغربى للحريات والديموقراطية، كما أنها تعادى العولمة والحداثة وانفتاح رعاياها على النادى الإنسانى.)) انتهى

الجواب: أمريكا لم تخطأ في قراءة الثقافة العربية- الإسلامية، فلديها عشرات مراكز البحوث، ومئات كتب المستشرقين، السابقين واللاحقين، عن الثقافة العربية – الإسلامية المعادية للغرب والحضارة الغربية وللعولمة…الخ. ولكن في نفس الوقت توصل الخبراء والقادة الأمريكيون وغيرهم إلى نتيجة مفادها أن هذه الثقافة يجب أن تتغير، ولا يمكن أن تتغير من تلقاء نفسها، بل بمساعدة الغرب ولو بالقوة إذا تطلب الأمر. وفي هذا الخصوص قال المفكر الفرنسي، جان بيار شوفينمان مرة للبرلمانيين: “لن تغسل الشعوب العربية إذلالها الذي عمره قرونا إلا إذا تداركت تخلفها، ولن تتدارك تخلفها إلا إذا ساعدها الغرب بقوة على ذلك.” كذلك نعرف أن الثقافة العربية هي بدوية الأصل والمنشأ، والتي وصفها أرنولد توينبي بأنها “حضارة متجمدة”.
لذلك، فلو تُرك العرب لحالهم أن يتخلصوا من تخلفهم بأنفسهم وبمحض اختيارهم لما تخلصوا إلى الأبد، ولنالت شرور إرهابهم العالم كله. والعالم الغربي ليس مستعداً أن يجامل العرب على تخلفهم، ويترك الحضارة البشرية مهددة بإرهابهم. فالتدخل الأمريكي كان نتاج دراسات عميقة محسوب لها ألف حساب، ونتاج قوة غير مرئية محركة لمسار التاريخ يمكن أن نسميها بمكر التاريخ ولصالح البشرية وبالأخص للشعوب العربية نفسها، إذ كما قال آدم سميث: “نتائج غير مقصودة لأفعال مقصودة، ولكن في نهاية المطاف تكون لصالح المجتمع البشري”.

5- يقول الأخ مجدي خليل: “من أسباب فشل دمقرطة العراق كذلك الأخطاء الجسيمة التى وقعت فيها الأدارة تحت قيادة السفير بول بريمر فى العراق وخاصة قرار اجتثاث البعث وحل الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية بتحريض ومشورة سيئة من القيادات الشيعية التى كانت ملتفة حول بوش وبريمر، وكان البديل هو الفوضى ثم المليشيات الطائفية ثم جيش طائفى وأجهزة أمنية طائفية تتسم بالانحياز المفرط للشيعة ولا تعكس التوازن فى تمثيل الاطياف العراقية بشكل عادل.” انتهى.

مع الأسف الشديد، يبدو أن الإعلام البعثي والعربي الطائفي المغرض، المعادي للديمقراطية، قد نجح حتى في إقناع السيد مجدي خليل بهذه الدعايات المضللة. هذه الفقرة تحتاج إلى عدة مقالات وقد كتبت عنها الكثير، ولكن لا بد من الإشارة السريعة في هذه العجالة إلى بطلان هذا الكلام.
أولا، إن تعبير (اجتثاث البعث) جاء ترجمة حرفية للتعبير الإنكليزي debaathification وهو ترجمة حرفية لتعبير denazification في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية. والكل يعرف أن حزب البعث كان أسوأ فاشية وعنصرية من الحزب النازي الألماني. فإذا جاز اجتثاث النازية في ألمانيا لماذا لا يجوز اجتثاث البعث في العراق وهو أسوأ حزب عنصري فاشي في التاريخ؟
أما حل الجيش والقوات الأمنية البعثية، فلم يحلها بريمر، بل هي حلت نفسها واختفت وفق تعليمات صدام حسين بعد أن نهبت مخازن الجيش، وحملت سلاح “المقاومة الوطنية الشريفة” على شكل عصابات الجريمة المنظمة، وأحرقت المكتبات ومراكز الوثائق والذاكرة العراقية وغيرها. وجاء قرار بريمر بحل الجيش بعد ثلاثة أشهر من سقوط النظام بمثابة توقيع شهادة وفاة لهذا الجيش ليس غير، وليس بـ”مشورة سيئة من القيادات الشيعية” كما قال الأخ مجدي. أدرج أدناه رابط لمقال لي حول هذا الموضوع (1).
والجيش الجديد لم يكن طائفياً ومنحازاً للشيعة كما قال الأخ مجدي، بل يضم جميع مكونات الشعب العراقي بدون تحيز لأية لمكونة، وتم تدريبه وتثقيفه على أيدي مدربين أمريكان وبريطانيين لحماية النظام الديمقراطي والدفاع عن حدود الوطن، وليس للعدوان على دول الجوار كما كان في عهد حكم البعث.

6- ويضيف الصديق الكاتب: ((وأخيرا كان من أسباب فشل الديموقراطية فى العراق الكراهية المحبوسة والمكتومة بين مكونات التركيبة العراقية، فقد تسبب القمع الشديد تحت حكم صدام وإضطهاد الشيعة والاكراد، إلى نمو الظلم وتحوله إلى كراهية عميقة تحت السطح، وبمجرد رفع الغطاء عن المرجل بعد الغزو الأمريكى خرجت أبخرة الكراهية السوداء لتعمى عيون العراقيين عن التعايش والمشاركة عبر الديموقراطية الحقيقية وحل محل ذلك الكراهية والعداء والاقتتال من أجل المغالبة بديلا عن المشاركة.)) انتهى
ما تفضل به الأخ مجدي صحيح جداً، إذ كان حكم البعث حكم الحزب الواحد والمكونة الواحدة واضطهاد المكونات الأخرى، واعتماد سياسة (فرق تسد) كما هو حكم البعث في أي مكان وزمان، العراق سابقاً، و سوريا الآن. فما العمل في هذه الحالة؟ هل ترك حزب البعث يواصل ظلمه للشيعة والكرد إلى ما لا نهاية كي لا نستفز المكونة المستفيدة من حكم البعث؟
لقد كان الوضع أشبه بخراج مليء بالقيح ينتظر مشرط جراح ماهر. ولكن السؤال هو: ما الحل إزاء هذه المشكلة؟ وإلى متى يجب ترك هذا الخراج بدون علاج خوفاً من تدفق القيح العفن؟ ولكوني جراحاً أعرف أن الحل الوحيد للخراج هو الفتح وترك القيح السام يخرج إلى أن يتحقق الشفاء وإلا سيقتل المريض. لذلك جاء الجراح الأمريكي وفتح هذا الخراج فتدفق القيح العراقي العفن على شكل “الكراهية والعداء والاقتتال من أجل المغالبة بديلا عن المشاركة” على حد تعبير الأخ مجدي. وفي رأيي لم يكن هناك أي بديل آخر عن مشرط الجراح الأمريكي.

7- وما حصل بعد إسقاط النظام من إرهاب ليس بسبب خطأ بوش أو بريمير، إذ اعترف السيد مجدي في بداية مقاله دور دول المنطقة: (السعودية، وقطر وسوريا وإيران وتركيا” فى إفشال التجربة الأمريكية فى العراق. ونؤكد هنا أن ما حصل في العراق من إرهاب واقتتال وصراعات طائفية وعرقية كانت مرحلة حتمية لا بد منها، وما كان ممكناً تفاديها إلا في مخيلة الطوباويين. فتغيير هكذا نظام فاشي عنصري جائر لا يمكن تبديله بنظام ديمقراطي ناضج بين يوم وليلة وبدون مشاكل. ونعيد للمرة الألف، أن صدام حسين كان قد خطط للعراق أنه لا يصلح إلا لحكمه بالقبضة الحديدية، ولذلك أطلق قوله المشهور “أن من يحكم العراق من بعده سيستلمه أرضاً بلا بشر”. ومقارنة العراق الآن بما خطط له من قبل صدام نعرف أن العراق بخير… والخير هنا مسألة نسبية.

الإستنتاج
ومن كل م تقدم نستنتج ما يلي:
أولا، ما يمر به العراق من إرهاصات وصراعات هي مرحلة لا بد منها كالقدر المكتوب، وكل الدلائل تشير إلى أنه سيخرج منها سالماً معافى، إذ هكذا بدأت الديمقراطية في الدول الغربية حيث واجهت الصعوبات لقرون إلى أن صارت الديمقراطية جزءً لا يتجزأ من ثقافتها.

ثانياً، كل هذا الصراخ العربي حول تهميش المكون العربي السني هو مفتعل وافتراء باطل، فالعرب السنة في العراق أدمنوا على احتكار السلطة لثمانين سنة وتهميش المكونات الأخرى وبالأخص المكون الشيعي الذي يشكل أكثر من 60% من الشعب كمواطنين من الدرجة الثانية أو حتى اعتبارهم أجانب (صفويين!). ولما جاءت الديمقراطية رفض أصحاب الامتيازات القبول بمساواتهم مع بقية مكونات الشعب وفق ما تفرزه صناديق الاقتراع، لذلك شهروا السلاح بوجه الديمقراطية بحجة مقاومة الاحتلال. ومن المفيد أن أذكر هنا المعلومة التالية: ” في العام 2005 وصل العاصمة الأميركية وزير الكهرباء الأسبق أيهم السامرائي [الذي سرق 300 مليون دولار وهرب بها إلى أمريكا]، قائلا انه يحمل رسالة “المقاومة الشريفة ” الى الاميركيين. وفي اجتماع مغلق في أحد مراكز الفكر القريبة من مصادر القرار السياسي افصح عن مضمون الرسالة وهو : “المقاومة ليست ضد الأميركان ولا تقتل جنودهم في العراق بل ان حربها هي مع الاحتلال الصفوي في الوسط والجنوب، وان مصالح واشنطن هي معها وليس مع الحكام الجدد”. (من مقال سالم المشكور، في جريدة الصباح، 4/4/2013). وكذلك طالب طارق الهاشمي الرئيس بوش أن يعيد السلطة للسنة كما كان قبل 2003 وسيدعمون المصالح الأمريكية في المنطقة، وأن الشيعة هم عملاء إيران. فرد عليه بوش أن حكم المكونة الواحدة قد أنتهى في العراق الجديد.

ثالثاً، لم تفشل التجربة الأمريكية في العراق، إذ انتهى حكم البعث، وحكم الحزب الواحد، والمكونة الواحدة للسلطة إلى الأبد، فهناك دستور دائم صوت عليه الشعب، وبرلمان منتخب، وحكومة شراكة وطنية، وفي الانتخابات القادمة نأمل أن تتشكل حكومة الأغلبية بدلاً من حكومة الشراكة الشاملة التي حاول بعض الشركاء إفشالها، فكان لهم رجل في السلطة ورجل مع الإرهاب والتحريض الطائفي. والقوات المسلحة والأجهزة الأمنية ليست طائفية كما يروج الإعلام العربي المغرض، بل هي مؤلفة من جميع مكونات الشعب العراقي دون تمييز.

رابعاً، تكون التجربة قد فشلت إذا ما أعيد حكم العراق إلى ما قبل 2003، وهذا من سابع المستحيلات. نرجو مراجعة مقالنا (هل كان إسقاط البعث يستحق كل هذه التضحيات؟ (2-2)؟) (2).

خامساً، نعم، الديمقراطية العراقية مازلت ناشئة، وهي ليست بمستوى الديمقراطيات الناضجة في الدول الغربية العريقة، ولا يمكن أن تكون هكذا خلال السنوات العشر الأولى من عمرها بعد عشرات السنين من الاستبداد والحروب والحصار والإذلال…الخ ، ولكنها تسير قدماً بثبات نحو النضج. فالديمقراطية لن تتعلمها الشعوب عن طريق قراءة الكتب، أو كما يردد البعض “ثقف الشعب أولاً ثم امنحه الديمقراطية”، هذا الكلام هراء في هراء. فالديمقراطية مثل السباحة، لن يتعلمها الإنسان إلا بالممارسة. وفي هذا الخصوص يقول المفكر الهندي Amartya Kumar Sen الحائز على جائزة نوبل في العلوم الاقتصادية لعام 1998: “يجب ألا نسأل هل شعب ما مؤهلاً للديمقراطية أم لا، وإنما يجب أن نعرف أنه لن يصبح أي شعب مؤهلاً للديمقراطية إلا من خلال ممارسته لها. لذلك، فالديمقراطية هي ليست الهدف فقط، بل هي أيضاً الوسيلة لتحقيقها”.

خلاصة القول أن التجربة الأمريكية في العراق لم تفشل، والديمقراطية العراقية صامدة تتحدى كل العقبات، وهي تحث الخطى في طريق النجاح.
أما الربيع العربي فهو الآخر يعتبر قفزة نوعية نحو الديمقراطية، فرحلة الألف ميل قد بدأت بالخطوة الأولى، ولا بد أن ينجح، وهذا يستحق منا مقال مستقل.

abdulkhaliq.hussein@btinternet.com  
http://www.abdulkhaliqhussein.nl /
ـــــــــــــــــــــــــــ
مواد ذات علاقة بالموضوع
1- فالح عبدالجبار: نظام البعث العراقي استضاف 6 آلاف مقاتل من “القاعدة”
http://www.alarabiya.net/articles/2011/11/03/175228.html  

2- عبدالخالق حسين: هل حقاً أمريكا قامت بحل الجيش العراقي السابق؟
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/index.php?news=484

3- عبدالخالق حسين: هل كان إسقاط البعث يستحق كل هذه التضحيات؟ (2-2)؟
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=576

4- طلال شاكر: عشر سنوات على انقاذ العراق من الدكتاتورية..
http://www.akhbaar.org/home/2013/4/144976.html

د.عبدالخالق حسين