الرئيسية » الآداب » قصة قصيرة:لا قهوة تليق بهذا الصباح المر!!

قصة قصيرة:لا قهوة تليق بهذا الصباح المر!!

ما معنى أن يخلو الصباح من فنجان قهوة مصنوع بإحساس عالٍ، تشتعل فيه
الذكريات، ويستعيد القلب فيه عافيته؟ هل لفنجان قهوة أن يعيد عافية القلب والعقل؟

لا قهوة هذا الصباح تغني عن حضورها، كانت وما زالت تتأنق وتتألق
استعدادا لمصافحة اللحظات في يوم جميل، يتذكر كيف أن فنجانها انسكب يوما، وهي على
عجلة من أمرها، تسابق الوقت كي تلتحق بدوام مقيت كان دائما يسرقها منه، ويجعلها
تغرق في العمل فتنسى أن ذلك المنتظر على شاشة الهاتف يتصل بها ليطمئن على وجودها،
ربما كان يعرف أين هي؟ ولكنه كان يصطنع الذكاء، تخبره عبر رسالة مكتوبة على عجل
أنها في الدوام، ولا مجال للحديث، يقتنع بما قالت، يبتسم ويمضى إلى أعماله.

والآن، كيف سيبدو يومها؟ لا شك بأنها في هذا اليوم ستتجنب أن تشرب أي
فنجان من القهوة، لعلها لا تستطيع أن تمارس طقوس قلبها في هذا اليوم، سيكون
الفنجان قاسيا هذه المرة، سيعيد كل الذكريات قوية قاسية متحدية صلبة كأنها تحدث
الآن.

وكيف سيبدو يومه هو الآخر، لعله ممتعض، لعله منكسر، لعله نادم، لعله
موجوع، منطوٍ مسكون بالعواصف التي أرجعت كل الشوق القديم أعنف من ذي قبل، يتذكر
كيف كان يومه قبل سنة من الآن، وكيف كان يكتب لها بحب همساته الصباحية التي قرر أن
يستمر في إنشائها، رغما عن ذلك البعد الذي أقنعت نفسها أنه لازم وضروري، ولكن
هيهات أن يكون للقلب سيطرة على ذاكرة تشع برقا جارحا، يعيد للحياة كل لحظة من وله
قديم، أبى أن يموت، لكل ذلك أبى أن لا يشرب فنجانه هذا الصباح، لم يكن مشتاقا
لآلامه فقد ملّ من التعب والأسى والإهمال

اشتاق إليها ولحديثها وضحكتها الناعمة، اشتاق لتلويحة من يدها تحييه
في كل صباح، اشتاق أن تحضنه بعينيها وهو مقبل نحوها، تكاد ترفرف بأجنحة روحها فتلفه
بحنانها، لقد اشتاق إليها، وهي مقبلة باسمة عجلى لتكون معه، اشتاق لتلك اللحظات
التي كانت تتخلص من أعمالها بسرعة أو تؤجلها من أجل أن تكون بقربه، مشتاق إليها وقد
أتى نيسان يختال ألقا وحبا، ولكنه ليس مشتاق للموازنة بين نيسانين أحدهما حاضر
أبكم أسود جبان، وآخر أخضر متناغم مجبول بروحها يزداد رحيلا، ولكنه يزاد حضورا
بذاكرة لن تتحنط.

لا قهوة تليق بهذا
الصباح المر، و
لا قهوة هذا الصباح تغني عن مرآها،
ربما قرر أن يبتعد هذا اليوم، لأنه لا يريد أن يتألم أكثر، فكيف يأتي نيسان بجماله
وتهادي زهوره وقد خلا من وجودها وفنجان قهوتها؟ ربما هي الآن لا تهتم إلا بذلك
البحر الذي تشتاق للجلوس أمام شاطئه لتناجيه، فلعل صوت أمواجه أصدق من أحاديث بعض
البشر، فهل سيحلو الفنجان على هدير موج الذكريات التي لن تهدأ عواصفها، حتى وإن
كان البحر جليسا ممتعا؟؟   

 
———————
فراس حج محمد/ فلسطين نابلس