الرئيسية » شخصيات كوردية » حوار مع الفنان النحّات حسين مايخان

حوار مع الفنان النحّات حسين مايخان

أجراه : جلال زنكَابادي

* إسمح لي أن أتجاوز الأسئلة المعهودة عن التعريف بنفسك والبدايات،وماشابهها…ولندخل في صلب مايتعلق بفن النحت.
– حسناً…تفضّل

* ياترى هل ان عمل منحوتة ما ؛ مرهون بموضوعها أم بالمادة المستعملة؟
– في رأيي أن على النحات ، في كل عمل نحتي،أن يدرس كلا الموضوع والمادة المستعملة قبل التنفيذ ، واضعاً نصب عينيه التكافؤ بينهما ؛ لئلاّ يحدث أيّ خلل فيولد العمل ضعيفاً فنياً ودون الطموح تعبيرياً.

* حسناً…هل يمكن أن تحرضك مادةما على إيجاد موضوع ، أم العملية عكسية ؟
– عموماً يجيء الموضوع قبل المادة ؛ فثمة أحياناً بعض الأحداث والمواقف تدفعني إلى تسجيلها نحتياً. وهذا يعني أن البحث عن المادة المناسبة يتلو الموضوع.ولكن يحدث العكس في بعض الأحيان؛إذ تدفعني مشاهدة بعض الكتل الخشبية والمرمرية إلى التفكير باستثمارها وإيجاد المواضيع المناسبة لها،طبعاً بعد دراسة واستكناه ماتكنّه من إمكانات…لكنما في المحصّلة النهائية ، يظل الموضوع مرهوناً بالمادة المستعملة ، من حيث حجمها وسطحها ومقاومتها…وهكذا تكون المادة المستعملة مداراً لتحرك النحات والمثّال.

* إذن ؛ هل يمكننا القول أن ثمة تفاعلاً متواصلاً مابين الفكرة والمادة يحصل عندك خلال تنفيذ العمل ؟
– بكل تأكيد ، وطالما يحصل ذلك؛فلكي أنجز أيّ عمل نحتي؛أعمل تخطيطات عديدة وأدرسها من جميع الجوانب المتعلقة بعلاقة الفكرة والمادة،وقد يحصل أحياناً أن أضيف شيئاً إلى الموضوع أو أحذف منه ؛ بغية إضفاء القيمة المضمونية والجمالية على المنحوتة المنتظرة.

* هنا يحضرني التساؤل الآتي : هل إستطعت إيجاد التوازن التقني المطلوب مابين مواضيعك والمواد المستعملة في تنفيذها ؟ ثم ماهو مدى حرية النحات في إختياره للمادة وطريقة تنفيذ فكرته النحتية ؟
– حتماً حاولت وأحاول تحقيق التوازن المطلوب؛إعتماداً على خبرتي في صب التماثيل،لاسيما بواسطة السبيكة المعدنية،التي قمت شخصياً بتحضيرها.والفنان في نظري حر إلى حد بعيد في إختيار المادة وطريقة تنفيذ المنحوتة أو التمثال.وفيما يخصني فأنا أقوم بتنفيذ تماثيلي من الألف حتى الياء،أي من البداية إلى الصب النهائي،وحتى التنظيف والصقل؛ممّا يتيح لي ذلك فسحة أوسع من الحرية للتصرف حسب الضرورة،بينما يعتمد أكثر المثّالين على العمال؛فتجيء تماثيلهم مشوّهة،مفتقرة إلى لمساتهم الفنية،كما لو انها أعمال حرفية عادية وليست أعمالاً فنية.

* معلوم ان لكل مادة خصوصيتها التعبيرية والجمالية المرتبطة بـ (حجمها ، شكلها ، لونها ، سطحها ، مدى مقاومتها للبقاء وكلفتها إقتصادياً…) وبعد أخذ خصوصية المادة بنظر الإعتبار؛ ياترى هل تنبثق القيمة الجمالية لأي منحوتة أو تمثال من نوع المادة المستعملة ، أم من أسلوب الفنان ، أو من كليهما ؟ وأيّ مادة وجدتها مطواعة أكثر من سواها ؛ لخلق الإيقاع المنشود على وجه الخصوص ؟
– بالنسبة لي وجدت في السبيكة المعدنية (المستحضرة من قبلي) مادة قليلة الكلفة ، وقابليتهاعلى المقاومة للبقاء لاتقل عن البرونز ، في حالة العبث بها؛حيث لاتنكسر إلاّ بالبريس (الضغط العالي جداً) وأرى ان هذا المعدن قد فتح لي آفاقاً جديدة؛لمرونته الجيدة،وإمكانية إختصار بعض العمليات،حيث يمكن الإستغناء عن عملية التشميع والتبخير مثلاً.علماً بأنني مازلت أحاول تطويره وتجويده.أمّا بخصوص طواعية المواد المستعملة فيمكنني القول أن النحات حر إلى حد كبير في إختيار مادته إستناداً إلى تجاربه وخبراته المتراكمة ومشاهداته لمنحوتات وتماثيل الفنانين الآخرين في المعارض والألبومات والكتب والساحات..فأنا – مثلاً- أفضل السبيكة المعدنية خاصّتي في عمل الريليفات (المنحوتات الناتئة أو البارزة) لكونها مطواعة إكثر من سواها، وذات مرونة وإنسيابية،لاسيما وان درجة حرارة إنصهارها أقل من سواها،فضلاً عن قلة تكاليفها.غيراني إفضل مادة الخشب في(النحت المدوّر)لتنفيذ المواضيع المناسبة لها،بينما أفضل مادة البرونز لعمل الموديل(البورتريت).أمّا القيمة الجمالية فإنها في نظري تنبثق من الأسلوب الفني حتماً،لا المادة المستعملة؛فالمواد عموماً مبذولة هنا وهناك ، لكنما ينبغي على الفنان أن يدرس القيمة الجمالية لأيّ عمل فني أسلوبياً ومادياً (من المادة المستعملة) لعل المنحوتة المنجزة تتسم بتقنية عالية وقيمة جمالية عاليتين ، في خاتمة المطاف.

* بخصوص الريليف الذي يشتمل بطبيعته الفنية على الرسم والنحت إلى حد كبير، ما سر نزوعك إليه ؟ هل تدفعك الضرورة التعبيرية والجمالية إليه ، أم ماذا؟
– ثمة مواضيع لاتصلح للنحت المدوّر، بينما يمكن إنجازها بالريليف بصورة ناجحة وجيدة ، مقرونة بقيمة عالية تعبيرياً وجمالياً ، خصوصاً وان النحات يستند هنا إلى قابليته في الرسم وخبرته في التشريح ، وطبعاً لابد أن يمتلك خيالاً واسعاً وقدرة جيدة على التشريح؛لبلوغ درجة التميّز في الريليف،ناهيكم عن الخبرة الضرورية في معرفة خصائص المعادن والمواد الأخرى ، وكيفية صهرها،والتغيّرات التي يحتمل أن تطرأ عليها بعد الصب.

* معلوم أن ثمة منحيين في النحت ، وهما: (النحت التجميعي)المستند إلى التشكيل و(النحت الطرحي) المستند إلى الحفر ؛ فأيّهما المفضّل والأحب عندك أسلوبياً ؟
– من الواضح أن كل موضوع يتطلب أسلوباً خاصاً لتحقيق فكرته عملياً ؛ ومن هنا فإن منحوتاتي وتماثيلي تتوزّع على المنحيين ، وأنا أنحت بالأسلوبين ، ثم إن للمادة المستعملة دورها المؤثر في دفع الفنان إلى هذا السبيل أو ذاك ؛ فالطين والجبس-مثلاً-يختلفان بطبيعتها عن الخشب والمرمر، حيث تعالج المادتان الأولييان بالإضافة والحذف ، والأخيرتان بالحفر.

*حسب إطلاعي ، للنحّات والمثّال كفنان السيراميك هموم أكثر من الرسّام ، تتعلق باستخدام الوسائل التقنية ، والمتداخلة لتحويل الماكيت (نموذج الطين أو الشمع…) إلى تمثال منجز من المعدن ؛ فهل يمكن إجمال الصعوبات التي تواجهه ؟
– يمكن إجمال الصعوبات المرافقة لعمل التمثال بما يواجه الفنان من عمليات ضرورية : عمل الموضوع بالطين وأخذ قالب أولي له بالبورك (الجبس) ثم تنظيف القالب والصب بمادة الجبس وإخراج النسخة النحتية ، ودراستها للوقوف عند ماتحتاجه من تشذيب إضافة أو حذفاً…وبعدها لابد من عمل قالب آخر لتحويله إلى الشمع وإخراج النسخة الشمعية ، وإجراء بعض العمليات عليه ، ثم تغطيته بالسكري (الطابوق المطحون) بعد توزيع الأنابيب الشمعية عليه ؛ لغرض الصب والتنفيس ، ثم تترك القطعة المغطاة بالسكري ؛ لتجف خلال بضعة أيام،ثم توضع في الفرن عدة أيام ؛ لتبخير الشمع والماء . وبعدها تفحص القطعة جيداً للتأكد من عدم إحتوائها على أيّ رطوبة أو مادة شمعية ، ثم تغلف بالجنفاص أو الليف ؛ لتقويتها ضد الإنفجار، وبعدها يصب فيها البرونز المصهور بدرجة حرارة عالية ، وتترك حتى تبرد ، ومن ثم تحين عملية كسر القطعة ، وتنظيف التمثال من الزوائد والأنابيب ؛ فيخرج التمثال إلى النور بشكله النهائي – المتكامل. وعليه أقول : إذا لم يكن المثّال – النحات ذا معرفة وخبرة جيدتين بطبيعة المعادن وعمليات صنع القوالب والصب والتنظيف وإستخدام المصهر، واعتمد على أناس يفتقرون إلى الخبرات العملية والفنية ؛ ستؤول العملية النحتية إلى الفشل الفني حتماً.
ولابد هنا من الإشارة إلى أن أهم مشكلة تواجه النحات عندنا هي عدم وجود مصاهر كافية للنحت ، وإذاما وجد ، تجده محتكراً لهذا وذاك ؛ ويعاني الفنانون الشباب وحتى غيرالشباب من هذه المشكلة ، زائداً المشكلات المادية وعدم وجود المكان الملائم وعدم تعاون النحاتين فيما بينهم.

* ها قد إنتهينا إفتراضاً من عملية صنع تمثال أو منحوتة ما ، وحان نصبه في معرض أو ساحة ، وهنا لامناص من تأثير الفضاء (المحيط) على تلقيه (مشاهدته) ؛ فهل في مقدور الفنان أن يتدخل بشكل من الأشكال في إستحضار الفضاء المنشود لمؤازرة المشاهد على التلقي المرجو؟ وهل للضوء والظل أثر كبيرعلى تلقي التماثيل والمنحوتات ؛ وأقصدر إستشفاف خلجاتها الباطنية ؟
– للفضاء دوره المؤثر الكبير على تلقّي التماثيل والمنحوتات،فلاشك في ان تمثالاً صغير الحجم سيضيع حتماً؛إذاما وضع في فضاء واسع أو قرب بناية كبيرة ، ويضيع التمثال؛إن وضع فوق مستوى النظر أو دونه..وكل ذا يعني أن على النحات أن ينتبه جيداً للفضاء ، دارساً مافيه من بنايات وجدران وقواعد وأشجار…أمّا تأثير الضوء والظل فيتضاعف ليلاً ؛ ولذا فإن تسليط الضوء بشكل فني غيرعشوائي على التماثيل ؛ سيضفي عليها قوة تعبيرية وجمالية أكثر، بينما يحصل العكس ؛ إذاما أسيء توظيف الضوء. ومع ذلك يعتمد العمل النحتي في تلقيه على حيثيات كتلته ووأبعاده وسطوحه أكثر من إعتماده على الضوء والظل كما الحال في الرسم.

* على ذكر تماثيل وأنصاب الساحات ، نعرف أنك قمت عام1987 بصيانة (نصب الحرية) للفنان الخالد جواد سليم ، فماذا عن تلك المهمة ؟
– جليّ أن (نصب الحرية) للفنان المبدع الخالد جواد سليم (1919-1962) هو أحد أبرز معالم بغداد الفنية منذ مطلع ستينات القرن الماضي ، والذي نفذه فناننا الرائد بتكليف من حكومة العراق الوطنية آنذاك ، وقد أنجزه في1961 بالمواصفات الآتية : طوله 50 متراً ، عرضه متر واحد ، إرتفاعه 15 متراً، وتتراوح أطوال قطعه النحتية مابين ( 6 – 8 أمتار) على خلفية من مرمر إيطالي من نوع (ترافليتينو) ولقد كلفتني أمانة بغداد بصفتي خبيراً في صيانة الأعمال الفنية لصيانته . وقد أنجزت المهمة ، ثم رفعت تقريراً إلى الجهة المعنية مقترحاً رفع قطع المرمر الآيلة للسقوط في أية لحظة ، وتغليف خلفية المنحوتات ، بدلاً عنها ، بحجر الحلاّن أو سيتو العراقي ؛ لإضفاء الحمالية على النصب..وكذلك إزالة النافورة المهددة للنصب بمائها المتبخر باستمرار، والمعيقة لحرية حركة المشاهدين…ولقد أزيلت النافورة فعلاً ، ولكنهم للأسف عملوا لاحقاً نافورة أخرى ! ثم أنهم أهملوا مقترحي بشأن تنظيف خلفية المنحوتات واستبدال الحلاّن بالمرمر!






بطاقة
ـ حسين مايخان قاسم
ـ 947 ولد في خانقين – حافظة ديالى
ـ 1973) تخرج في معهد الإدارة – غداد
ـ 1978) تخرج في معهد الفنون الجميلة – فرع النحت / بغداد
ـ (1981) إجتاز دورة اليونسكو لصيانة الأعمال الفنية والعرض المتحفي/ بغداد
ـ (2002) تخرج في كلية الفنون الجميلة- فرع النحت / بغداد
ـ (2005) حاز على شهادة خبير في صب وسبك المنحوتات البرونزية- دائرة الفنون التشكيلية/بغداد
ـ شارك في العديد من المعارض الجماعية في العراق وخارجه ، منها:
معرضا مهرجانيّ (الواسطي) الثالث والرابع ، ومعرض مهرجان (يوم الفن) الأول ، ومعارض جمعية التشكيليين العراقيين ، والعديد من المعارض المقامة بإشراف دائرة الفنون التشكيلية – وزارة الثقافة ببغداد، وفي معرض كردستاني مشترك في أربيل ، وفي معارض النحت العراقي المعاصر المقامة في بغداد وعمّان ، والمعرض العالمي للنحت في دبي ، ومعرض أخرى في : مصر ، المغرب ، كندا ، أستراليا ، أمريكا وسويسرا ، ومعرض للفنانين الكرد في إيطاليا.
ـ أقام بضعة معارض شخصية ، أولها في صيف 1985 ببغداد
ـ 1987 بتكليف من أمانة العاصمة ببغداد ؛ قام بصيانة (نصب الحرية) للفنان الرائد جواد سليم.
ـ عضو جمعية التشكيليين العراقيين
ـ عضو المجلس المركزي لنقابة الفنانين العراقيين
– عضو إتحاد فناني كردستان
– عضو نقابة صحفيي كردستان
ـ نشر العديد من المقالات والبحوث عن الفنون التشكيلية في الجرائد والمجلات العراقية
ـ نال عدداً من الشهادات التقديرية
ـ تفرغ للعمل الفني بضع سنوات.
– للأسف الشديد أصيب بداء السرطان ، وظلّ ناشطاً رغم ذلك.
– توفي في يوم الجمعة 11 آذار 2011