الرئيسية » مقالات » شندلر لست

شندلر لست

لم تتح لي الفرصة ان اشاهد رائعة المخرج العالمي ستيفن سبيلبيرغ “شندلر لست”، قائمة شندلر، ولم اعرف شيئاً عن قصة الفلم الاّ بعد ان اخبرنا عنه استاذ مادة الابادة الجماعية في جامعة اريزونا قبل ايام قليلة فقط، حيث اُعيد عرض الفلم على احدى قاعات العرض في الجامعة وكنا مدعوّين كطلبة لمشاهدته والكتابه عنه، اقصد الكتابة عمّا تناوله الفلم من احداث تاريخية معينة مرتبطة بجرائم الهولوكوست اليهودي وليست كتابة فنية ناقدة، اذ لست ناقداً ولا لي معرفة مسبقة في النقد السينمائي، عدا اني متابع مدمن لما تنتجه هوليوود وبقاع الفن الاخرى في العالم الكبير

الفلم قصة حقيقية مأخوذة من رواية “شندلر آرك” اي تابوت شندلر، للروائي العالمي توماس كينالي، كتبها للسينما السيناريست ستيفن زيليان واخرجها اسطورة الاخراج ستيفن سبيلبيرغ بعد ان وقع اختياره على الممثل الذي اصبح فيما بعد نجماً سينمائياً بارزاً وهو ليام نيسن، ذلك العملاق الذي كلما اشاهده في فلم، اشتم “شعبان عبدالرحيم” خمسَ مراتٍ باليوم
اُنتج هذا الفلم عام 1993 وحصل على جائزة الاوسكار لاحسن ممثل واحسن اخراج، اضافة الى سبعة جوائز اخرى قيّمة

ليام نيسن هو بطل فلم “ازواج وزوجات” و”رجل الظلام” و”روبن روي” الثائر الاسكتلندي، وهو الذي ادّى ايضاً دور شخصية زعيم الثورة الايرلندية “مايكل كولنز” في واحدة من اروع الافلام السياسية في العالم، اما آخر افلامه فكان في عام 2011 وهو فلم “الرمادي” والذي كان فلماً رائعاً بكل معنى الكلمة كعادة افلام هذا الممثل

في فلمه “شندلر لست، نيسن يجسّد شخصية “اوسكار شندلر”، وهي شخصية حقيقية لتاجر الماني وعضو في نفس الوقت في الحزب النازي الذي تزعّمه هتلر. الرجل لعب دوراً مهماً في انقاذ مايقارب الالف يهودي من الاعدامات والقتل المتعمد على ايدي قوات هتلر العسكرية، بعد ان اخرجهم من معتقلاتهم الخاصة في بولندا التي كانت محتلة من الالمان آنذاك

القضية بدأت حينما قام عدد من الرأسماليين الالمان باستغلال قضية المعتقلات الخاصة لليهود التي انتشرت على طول الاراضي البولندية وتوظيف جزء منهم في مصانعهم ومعاملهم الخاصة بالاتفاق مع السلطات الالمانية الرسمية، حيث يُستغل اليهود للقيام باعمال شاقّة لقاء سكن آمن مع ملبس ومأكل، اضافة الى مبالغ بسيطة تكفي فقط لسد الرمق
استغلال بشع الاّ انه كان بمثابة شيء مقدسّ لليهودي طالما يُنقذ حياته من موت بطيء ومؤكد في معتقلات النازيين، حيث مات الكثير منهم اما بسبب التعذيب او من سوء التغذية او خضوعهم للتجارب الطبية العلمية التي كان يقوم بها اطباء المان طول الوقت، حتى وصل الامر الى التطهير الكامل وتصفية كل تلك المعتقلات في ابشع جريمة ابادة جماعية عرفها التأريخ في مطلع الاربعينيات من القرن المنصرم

فكرة الفلم باختصار وبساطة شديدين، تحكي قصة ذلك التاجر اوسكار شندلر الذي اشترى عدداً من اليهود واخرجهم من احدى تلك المعتقلات ليعملوا في مصانعه، وكان الامر بدايته مجرّد استغلال كبقية تجار المانيا، الّا انه وبعد ان شاهد ما يجري لليهود في تلك المعتقلات راح يتعاطف معهم ومع آلامهم ويشتري بين فترة واخرى عدداً معيّناً حسبما تسمح به الاموال وموافقات المؤسسات البيروقراطية النازية، حتى انه اُعتقل من السلطات الالمانية بعد وشاية احدهم حول القبلة التي قبّلها شندلر لطفلة يهودية في احدى حفلات ميلاده، يالها من قبلة ترمي بصاحبها السجن! تلك كانت حياة الالمان في العهد النازي، لكنه خرج من ذلك المأزق بعلاقاته القوية مع مسؤولي الدولة الكبار ليعاود نشاطه في انقاذ اليهود من جديد، وبالفعل انقذ منهم مايقارب الالف، وجميعهم يعمل في مصنعه الكبير، بل جعلهم يمارسون طقوسهم السبتية بكل حرية في ذلك المصنع وكان هذا الامر في غاية الخطورة على حياته، حتى عام 1945 حيث يعلن الحلفاء هزيمة هتلر وانتهاء الحرب العالمية الثانية بشروط القوى المنتصرة، ليخطب شندلر بيهوده ذلك اليوم ويقول لهم “اليوم بعد منتصف الليل ستكونون انتم احرار وانا على المشنقة لاني عضو في الحزب النازي في النهاية”، لكنهم يقررون الدفاع عنه من خلال رسالة حق ارسلوها لاعضاء محاكم نورنبيرغ، فيسلم عنقه من المشانق جراء انقاذه اعناقهم من الموت المؤكد
اليوم شندلر له مزار كبير داخل الاراضي الالمانية حيث يزوره سنوياً عدد كبير من اليهود ويضعون الزهور على قبره تخليداً لذكراه وتثميناً لفعلته، والالف الذين انقذهم في السابق اصبحوا اليوم اكثر من ستة آلاف، يُسمّونهم “يهود شندلر” لانه لولاه لما وصل عددهم هكذا

الفلمٌ كان بحق فلماً ممنوع الرمش فيه، اذ لم يرمش احدنا فيه قط خشية تفويت لحظة من لحظاته الشيقة باحداثه التي تنتقل بكل رشاقة وانسيابية من مكان الى مكان آخر اُختير بدقة من المخرج سبيلبيرغ، حيث جرى تصويره في الاراضي البولندية ولم يتحدث الممثلون فيها اللهجة الانكليزية الامريكية بل كانت لهجاتهم تميل الى الانكليزية الاوربية بميوعة بولندية جميلة لتحمل المشاهد معها الى بولندا، ليس فقط زمانياً بل حتى في المكان والناس واللهجة والمناخ العام، في نفس الوقت كان فلماً حزيناً لم نستطع فيه حبس الدمعة بسبب تلك المشاهد الوحشية والقتل العنصري الذي مارسه الضباط الالمان ومنهم الضابط “آمون كوث” والذي اعدم في عام 1945 امام اليهود انفسهم وفي نفس ذلك المعتقل
كان آمون يقتل للذة القتل، حيث يتصيد بسلاح الصيد خاصته وهو على شرفته المطلة على المعتقل اطفال اليهود واحداً تلو الآخر ليرضي غريزته الحيوانية في القتل

لقد استطاع ستيفن سبيلبيرغ مع ليام نيسن وبقية طاقم الفلم من تصوير الهولوكوست بكل دقة وحرفنة الى الدرجة التي جعلنا جميعاً نتفاعل مع احداث الفلم ونذرف الدموع لثلاث ساعات ونصف تقريباً، وهو طول الفلم، فلِمَ لم يفكر اصحاب المسؤولية في العراق من انتاج هكذا فلم عن هولوكوستنا نحن على ايدي المجرم صدام، اذ لا صدام يقل وحشيةٍ عن هتلر، ولا هولوكوستنا اقل جريمةٍ من هولوكوست اليهود
اتمنى ان اجد جواباً شافياً من وزارة الثقافة العراقية ووزارة ثقافة كردستان عن سبب تقاعسهم عن انتاج فلم بارز عن هولوكوست المقابر الجماعية في جنوب العراق وهولوكوست ضحايا الكيمياوي في حلبجة الشهيدة! لقد جلب صدام كبار الممثلين والمخرجين من عرب واجانب مثل اوليفر ريد وصلاح ابو سيف وعزت العلايلي وآخرين كُثُر لانتاج افلام ذات اهداف سياسية بحتة تخدم التوجه البعثي وسط العروبة المهزومة، فلم لا نستطيع ان نشرح للعالم ما حصل لنا على ايدي ذلك الدكتاتور؟ هي بضعة ملايين فقط تكفي لانتاج اكبر فلم هوليوودي بممثلين كبار، مع الاحترام لكفاءات العراقيين ممثلين ومخرجين وكتاب، لكن العمل يجب ان يكون ذا صدى عالمي في توثيق حقيقة ما جرى في فترة صدام مثلما فعل اليهود هذا ونجحوا في كسب العطف وانزال الدموع على خدود من شاهد افلامهم ووثائقهم ونتاجاتهم بهذا الخصوص، فماذا ينقصنا نحن

هناك العشرات من القصص المؤلمة والرهيبة التي حصلت لنا كعراقيين على يد جلاوزة صدام واذكر منها كيف كنا نُساق نحن الفيليون الى حتفنا مفجّرين بارجلنا الغام الجبهات ونحن في طريقنا الى عيلام الايرانية سيراً على الاقدام. جُرّدنا من كل شيء، من الاموال والممتلكات والاغراض الاّ من “بطانيات” محددة تعيننا على قساوة الطقس ونحن نقطع الاف الاميال مشياً الى ايران، في حملة تسفير رهيبة بداية الثمانينيات، اقل ما يُقال عنها انها ابادة جماعية لمكوّن غضب الرب عليه حين وضعه في بلد “زبيبة والملك” دون استشارتهم حتى.

لعلي اغرّد خارج السرب وحدي، فالجماعة مشغولون بالحملة الانتخابية ومعارك كسر العظم وانا مشغول بما تقوله تصوّرات ما بعد الواحدة من منتصف الليل .. وليس احلى من جنون الليل … تصبحون على نسيان .