الرئيسية » مقالات » تقية جون كيري

تقية جون كيري

هل هي اللياقة ,ام التعقل, ام قد يكون الخوف من العواقب هو ما جعل الاعلام العربي يحجم عن اتهام جون كيري بـ”الخضوع للمخططات الايرانية” عندما اشار بوضوح الى أن المطلوب هو “جلوس الرئيس السوري بشار الأسد والمعارضة السورية على طاولة التفاوض لإنشاء حكومة انتقالية”، ولماذا لم تجيش جحافل المحللين”السياسيين والستراتيجيين”لاستحضار كل ما عتق واصفر من الروايات في الحفلات المتطاولة من النقد الاقرب الى السباب لكل من يتطرق-ولو همسا- الى ان المعارضة السورية”لا تتحدث بصوت واحد”..وهل هناك ما لا نعرفه يجعل الدوائر الرسمية العربية لا تنتفخ اوداجها غضبا وتصم السياسي الامريكي المخضرم بالرفض والمجوسية وابطان عبادة النار وانتحال الكاثوليكية تقية عندما يتحدث عن ان الامر” يتطلب موافقة متبادلة من كلا الطرفين حول تشكيل تلك الحكومة الانتقالية”..

وان لم يكن لا هذا ولا ذاك..فلماذا كان كل ذلك العويل الذي كان يترافق –كلازمة- مع أي جهد عراقي يدعو الى جمع الاطراف السورية المتصارعة على طاولة حوار واحدة لغرض تحقيق نوع من التسوية السلمية التي تحفظ امن وسلامة وكرامة السوريين ووحدتهم الوطنية.وما الذي وراء الصمت العربي –الاقرب الى الخنوع-تجاه هذه التصريحات التي تصطدم مع ثوابت الحكم العربي-الخليجي على الاصح- العليا وتتعارض مع شعارات الحرب المقدسة واولية العامل الطائفي في تحديد اطر الصراع على الارض.

وما يهمنا كعراقيين, هو لماذا كان كل ذلك الهجوم الروتيني المعتاد على العراق, وكل ذلك الوعد والوعيد والبيانات التي لا يمكن اخفاء العناية الواضحة بصياغتها, وكل ذلك الاظهار الوقح لاكثر المتاح من مشاعر الغضب والذهول وعبارات الادانة غير المسبوقة التي طالت الدبلوماسية العراقية عند ثباتها على نفس الموقف الذي احتاج العالم لاكثر من سنتين وعشرات الالوف من الضحايا والمشردين ليعترف به, وبان الحوار السوري الداخلي المستند على حق الشعب في التعبير عن خياراته السياسية الحرة, والذي كان العراق من اكثر المنادين والداعين له, هو خارطة الطريق الوحيدة التي من الممكن ان تصل بالشعب السوري وقواه الحية الى تحقيق اهداف الثورة السورية المختطفة من قبل القوى المناوئة لحرية الشعوب..

ولماذا كانت المواقف والنوايا العراقية الصادقة التي تستهدف امن وسلامة ومستقبل الشعب السوري تقابل بكل تلك الهجمة الاعلامية والسياسية البشعة التي تجلت باطلاق قطيع من الاقلام المستأجرة في حملة محمومة من كيل اللوم والتأنيب والتخوين والتشويه والتي استمرأت ربط العراق بتهمة دعم النظام السوري عن طريق كدس من التلفيق الممنهج والاحالات القصدية الى المصادر الشبحية التي اسرفت الواجهات الاعلامية لبعض القوى السياسية العراقية-للقرف الشديد- في تقديمها بسخاء –وصلف-حد التماهي مع شعارات وممارسات ودعوات التدخل في الشأن العراقي الداخلي..

نحن الآن لا ننتظر اعترافا من احد بصوابية الموقف العراقي النائي بالبلد وبفعالياته عن الانخراط في الازمة التي لا يراد من ورائها الا تصدير الاذى الى جميع دول المنطقة حماية لحكم الممالك العربية المعتقة.. ولا نطلب تفهما,ولا نحتاجه, ولكننا نأمل بوعي دولي, مصحوب باجراءات مناسبة, بمدى الضرر الذي من الممكن ان تحدثه المقاربات التي تستحضر التقاليد القبلية في الاحداث السياسية ومدى السوء الذي من الممكن ان يرافق تصدير الهواجس الامنية والصراعات البينية والهوس الطائفي الى المجتمعات الباحثة عن الحرية والكرامة والحق في الحياة..

والاهم هو ان يكون التجاوز الامريكي المهين للضجيج الخليجي الداعم لتغليب التقاطعات الطائفية في ادارة الاختناقات السياسية, داعما لتشكيل وعي بالحجم الحقيقي لدول مجلس التعاون وقوى الاسلام السياسي التابعة لها في حسابات الغرب السياسية والامنية, وان يكون هناك مفهوم جديد بان الازمات الدولية الكبرى لا تدار عن طريق اليوتيوب, وان القدرة اللافتة على الايذاء وتعقيد المشهد الامني على الارض لا تعني ان تلك القوى ستكون لها حظوظا في ان تكون جزءا من الحل.

ندعو المجتمع الدولي الى تحمل مسؤولياته من خلال نصرة الشعب السوري الجريح وتصفية الوضع الملتبس والمشوش للواقع السياسي والامني الناتج من التدخل الخارجي الظلامي في مسارات الازمة السورية وادخال الملف السوري في خانة التقاطعات والنزاعات الجانبية ما بين القوى المتصارعة على اشلاء الشعوب والباحثة عن مجد مغمس بالدم والآلام..

وندعو الى موقف دولي واضح وشجاع يجنب اهلنا الكرام في ارض الشام من ان تصبح جراحاتهم وشظايا اجسادهم المسجاة على ارصفة الشوارع مشروع فرص سياسية لهذا الطرف او ذاك او ورقة مطوية في سجل الخلافات والمناكفات العربية–العربية..

او ان تكون دماؤهم واحلامهم رهن رمية نرد مهملة في جلسة مقامرة لا مجدية طويلة للفوز باللاشئ او محورا للتدافع ما بين اخواني انتهازي منتشي بالنصر او سلفي حانق مغبون, او ان تتحول آلام السوريين ومكابداتهم- وامن شعوب المنطقة- الى فقرة لاخافة الشعوب وارعابهم من الانتفاض الثوري على اولي الامر من الحكام طوال العمر والعهد بالتسلط على رقاب العباد, والاهم..ان لا يكون امن ومستقبل العراقيين بيد حفنة من محترفي الزعيق والتكسب مما يتساقط من موائد اللئام.