الرئيسية » شؤون كوردستانية » الذكرى الخامسة والعشرون لمجزرة حلبجة

الذكرى الخامسة والعشرون لمجزرة حلبجة

تمر في السادس عشر من مارس 2013 الذكرى الخامسة والعشرون على مجزرة حلبجة التي هزت كل ضمير حي، لا، لأنها أكبر جريمة في التاريخ، إنما لكونها جريمة إبادة جماعية كبرى حصلت لأول مرة في العراق على أيدي جلاوزة الديكتاتور المقبور ضد شعب آمن عانى من ويلات الحروب والتشرد والبؤس والقهر على صعيدي الحكومات المركزية المتعاقبة من جهة والأغوات المحليين من جهة ثانية. من كان يظن أن في مثل هذا اليوم من العام 1988 كان يمكن استخدام الأسلحة الكيميائية من قبل حكومة ضد شعبها بهذه الدموية والبشاعة واللاإنسانية؟!
من كان يتخيل أن سلاحا فتاكا يمكن استخدامه ضد الناس الأبرياء وهم في بيوتهم وحاراتهم وأزقتهم وحقولهم؟ من كان يتخيل استخدام مثل هذا السلاح ضد الشعب مهما كانت مواقفه من النظام وطبيعة تفكيره؟ يعرف الجميع أن مثل هذه الأسلحة المحرمة الفتاكة تصنع بغرض خلق توازن رعب مع العدو الخارجي وقلما تم استخدامها في التاريخ، أما أن يحول هذا السلاح الاستراتيجي إلى سلاح دمار شامل للمواطنين فهذا إن دل على شيء فإنما يدل على حجم الإجرام والقسوة التي بلغها ذلك النظام. من لم يزرْ حلبجة لا يمكنه تخيل حجم وبربرية الدمار الذي حلّ بإخوتنا الكورد. عوائل بكاملها قتلت حرقا واختناقا في غضون دقائق، وشواهد قبور تروي قصة عوائل قضتْ بقضها وقضيضها. لا يمكن للمرء سوى أن يصابَ بالذهول وإن ساعده الحظ فقد يبكي تنفيسا عن ألمه اللامحدود. لنرفع صوتنا عاليا ضد كل من سفك دماء الأبرياء وخرّب البيئة وسلب مستقبل الأجيال ودق إسفينا بين أبناء البلد الواحد، وضد كل من ينوي سفك دماء الناس مهما كانت أصولهم وفروعهم وطرق تفكيرهم. ينبغي تحريم مبدأ القوة في حل النزاعات والخلافات المحلية. علينا الفصل في كل الأوقات بين سياسة الحكومات مهما كانت طبيعتها وانتماءات السياسيين الذين يديرونها وبين حق المواطن بالعيش الكريم وفي حرية الرأي والمعتقد والانتماء. علينا الفصل بين القوى المتصارعة وإراداتها وبين حرمة المواطن وهيبة الدولة، علينا اتخاذ مجزرة حلبجة عبرة لكي لا تتكرر أو يتكرر ما يشبهها بحق أي مكون عراقي مهما كان. علينا تقديم التعازي والمواساة لكل ضحايا النظام المقبور ومنهجه التدميري، علينا رفع أصواتنا عاليا لكبح جماح المستأسدين والمتهورين من السياسيين العراقيين كي لا تستخدم القوة لحل مشاكل البلاد والساسة والأحزاب وذوي النزعات الشوفينية والطائفية والقومية المتطرفة. لتكنْ ذكرى مجزرة حلبجة درسا لنا جميعا نتذكره دائما كي نتعظ ونصون أنفسنا وناسنا وبيئتنا ومنطقتنا ونحصنها ضد استخدام القوة في أي ظرف كان. لقد عانى إخوتنا الكورد شأنهم في ذلك شأن غالبية الشعب العراقي من الاستبداد، لكن معاناتهم مضاعفة لإحساس تاريخي داخلهم بكونهم أمة كبيرة مضطهدة مجزأة في المنطقة ولكن بلا دولة.
ليكنْ متحف ضحايا حلبجة شاهدا تاريخيا على عمق الجريمة ولعنة التاريخ. وبهذه المناسبة الأليمة ندعو المعنيين في العراق لتأسيس “متحف التعذيب” في بغداد، ولنا في متحف مشابه في لندن عبرة ومثال. ليرَ الناسُ ما حل بالعراق وأهله من دمار وامتهان لكرامة الإنسان، وانتهاك لحرمة الجميع وخصوصا الأقليات. لنتذكر جميعا أن التطرف والتشنج لا يقود إلا لولادة التعصب والتزمت ومن ثم العنف. تبا للتعصب مهما كان وأهلا وسهلا بنهج الاعتدال والحوار في بلاد متعددة القوميات والطوائف والمشارب والأفكار والمعتقدات. وتبا لقوى الظلام والجريمة والبربرية التي دفعتنا كي نكتب مثل هذا الكلام.

هاتف جنابي / وارسو