الرئيسية » المرأة والأسرة » يوم المرأة بين العام والخاص

يوم المرأة بين العام والخاص

من القيم والمبادئ التي ظللتُ متمسكا بها رغم تقلب المواقف السياسية ومطباتها، الإيمان بقيمة المرأة وكرامتها وحريتها. وكنتُ، ولا أزال، أرى أن هذا المبدأ هو في مقدمة القيم والمبادئ الإنسانية لتقييم الأنظمة والأحزاب والأشخاص. وقد يبدو ذلك بديهية للكثيرين على الصعيد النظري، ولكن العبرة، بعد الفكر، هي في التطبيق العملي. ونذكر ما تناوله علي الوردي عما سماه بازدواجية الشخصية العراقية، ومن مظاهر ذلك – حسب نظريته- الانفصام بين القول والفعل عند كثرة من الحركات والحكومات والأحزاب والأشخاص. فقد يلقي أحدهم محاضرات عن حرية المرأة وحقوقها وعند الممارسة اليومية نرى الفرق بين شخصية الملا عليوي وجيمس ستوارت!

شخصيا، كتبت كثيرا في يوم المرأة العالمي، سنة بعد سنة، وفي هذه السنة أيضا. وكان من الطبيعي أن أركز على المحور العام، قاصدا قضية المرأة عموما، وعلى الصعيد العالمي، وخصوصا مآسي المرأة العربية والمسلمة، بسبب التزمت الديني والتقاليد العشائرية التي لا ترى في المرأة غير أداة جنس لإشباع شهوات الرجل، ورمز الدنس والعار. فالشرف عند المسلمين والعرب يتجسد في العضو الجنسي الأنثوي لا غير، وكل ما عداه مقبول وحلال. وهذا الوباء الفكري والاجتماعي والعقلي ينتقل مع الجاليات المسلمة حتى للدول الغربية التي صعدت فيها المرأة الغربية إلى أعلى القمم، فيما تكثر في هذه الدول أيضا حالات قتل الأب المسلم لابنته أو أخته أو زوجته باسم غسل العار.

على أن تناول المشاكل العامة للمرأة في هذا اليوم الدولي، والتأكيد على صيانة حقوقها وعلى واجبات الحركات النسائية والتيارات الديمقراطية والعلمانية وكل المؤمنين بحقوق الإنسان باعتبار القضية تدخل في صلب وجوهر النضال من أجل الديمقراطية والتقدم البشري؛ أقول إن هذا الطرح اللازم لا يجب أن ينسينا واجب التوقف إجلالا أمام بطلات مجهولات، سواء في الحياة العامة أو في حياتنا. والمرأة الأولى التي يجب تمجيدها في هذا المقام هي الأم التي يدين كل منا لها بكل شيء تقريبا. ولن أنسى المرحومة أمي وهي تقطع مئات الأميال على مدى عام بعد عام من بغداد وحتى الصحراء عند الحدود مع السعودية لتزورني في قلعة نقرة السلمان ومعها أمهات وأخوات وقريبات شجاعات لمناضلين يساريين آخرين. وكيف أنسى أم الفقيد زكي خيري، تلك العجوز الطيبة التي كانت دوما برفقة أمي، والتي كانت رمزا للكبرياء والرصانة والحنان. وهناك شقيقة الشهيد مهدي حميد، وهي الأخرى كانت من المجموعة التي تقطع المسافات وتتحدى وحشية جندرمة البادية. وهناك العشرات والعشرات غيرهن من عائلات المناضلين في المعتقلات والسجون العراقية، سواء عندما كانت الزيارات مسموحا بها أو محظورة.

وهناك أيضا بطلات الأوكار الحزبية، من حزبيات ومن متطوعات، اللواتي كن يستقبلن المناضلين رغم علمهن بالخطر الأمني وعواقبه. ولا ننسى المناضلة ثمينة ناجي يوسف، زوجة سلام عادل، التي كانت تنظم في الخمسينات عائلات السجناء، وهي اليوم في موسكو مع متاعب العمر والصحة وبين الأولاد والأحفاد. فطوبى لها وعمرا مديدا ومجدا لذكرى سلام عادل. ولا شك أن في حياة كثيرين، سواء ممن اشتغلوا في الحياة السياسية العراقية، أو لا شخصيات نسائية جديرات بالذكر والتمجيد.
ولعل من أحقر الجرائم بحق المرأة استغلال الأنظمة الدكتاتورية الدموية القضايا الأمنية السياسية لابتزاز المرأة والعدوان المشين عليها أو لابتزاز زوجها أو أخيها أو أبيها، كما حدث مثلا في العهد السابق مع الفقيد السيد محمد باقر الصدر والشهيدة شقيقته بنت الهدى، وكما يحدث اليوم أحيانا في بعض المعتقلات والسجون حسب روايات متواترة.
المرأة هي زهرة الحياة وعنوانها، وهي العطاء والتضحية، سواء الأمهات والجدات والزوجات والشقيقات في الحياة اليومية غير السياسية، أو كما برهنت نضالات المرأة العراقية الواعية في العهود السابقة، والمرأة الإيرانية عام 2009 ، والصبية الباكستانية ملالا، وكما برهنت المرأة العربية في دول الانتفاضات الجديدة.
إن المرأة هي الضحية الأولى للتيارات الإسلامية الدونية، من إخوانية وسلفية وخمينية، وأولى الهجمات التي تشنها قوى الإسلام السياسي، إن تمكنت من الهيمنة على السلطة، هي على حرية المرأة وحقوقها ومكتسباتها المحرزة عبر نضال طويل. ودوما يُستخدم الدين والفتاوى الدينية سلاحا لمحاربة حرية المرأة وحقوقها تحت عناوين مثل “المرأة ناقصة عقل ودين” أو ” الرجال قوامون على النساء”.
إن النضال ضد هذه القوى الظلامية ودفاعا عن المرأة هو واجب جميع المحبين للقيم والمبادئ الإنسانية والتطلعات نحو دولة المواطنة والمساواة والعدالة وحقوق الإنسان.

باريس في 12 مارس 2013