الرئيسية » مقالات » المُتلصصُ على الموتِ في قوقعةِ خليفة ..

المُتلصصُ على الموتِ في قوقعةِ خليفة ..

اهداء ..

الى الصديق الروائي حمودي عبد محسن ..

حال انتهائي من قراءة رواية القوقعة ـ يوميات مُتلصص للكاتب السوري مصطفى خليفة ، توقفتْ بي الذاكرة أمام سيلٍ من قراءاتي السابقة لما يُكنى بأدب السجون .. تذكرت منها ..

1ـ رواية الكرنك لـ نجيب محفوظ

2ـ شرق المتوسط لـ عبد الرحمن منيف

3ـ الآن هنا .. أو شرق المتوسط مرة أخرى لـ عبد الرحمن منيف ايضا

4ـ اقدام عارية لـ طاهر عبد الحكيم من مصر

5ـ 200 يوم في زنزانات الاعدام .. مذكرات النصير سبهان ملا جياد ـ ابو مناف

6ـ كتاب جمعه اللامي عن نفق سجن الحلة

7ـ مذكرات حسين الشهرستاني بعنوان الهروب الى الحرية ـ اوراق من أيام المحنة في سجون صدام

8ـ كتاب القسوة لـ عامر بدر حسون

9ـ ليلة الهرير في قصر النهاية لـ أحمد الحبوبي

10ـ حيونة الانسان لـ ممدوح عدوان

11ـ تحت اعواد المشانق لـ يوليوس فوجيك ترجمة فخري كريم

12ـ سجين الشعبة الخامسة لـ محمد السعدي

13ـ القلعة الخامسة لـ فاضل العزاوي التي حولت الى فيلم عام 1979 بنفس العنوان من اخراج بلال الصابوني

14ـ مذكرات سهى بشارة

15ـ كتاب دهاليز الموت جولة في اروقة المعتقلات العراقية لكاتب هذه السطور

16ـ مملكة الاستبداد المقنّن في سورية لـ جريس الهامس

17ـ بيت الموتى لدستويفسكي

قرأتُ الكثير مما كتب عن السجون والمعتقلات في العراق وبقية بلدان الشرق الأوسط ، عرفت اسماء السجون في مصر .. ايران .. سوريا .. ليبيا .. تونس المغرب .. السودان ، العديد من البلدان الاخرى بما فيها اسرائيل واستطيع ان اعدد لكم اهمها ..

ابو زعبل .. الطرة .. الرهيب .. الأنصار .. ديار بكر .. قصر النهاية .. ابو غريب .. نكرة السلمان .. الصحراء .. المزه ..عذره .. القلعة .. صيدنايا ..

سمعتُ واستمعتُ لشهادة العديد من المعتقلين ابتداءً من أبي ورفاقه مروراً بنزار نيوف وهبة الدباغ الفتاة السورية الحموية التي فقدت جل عائلتها وتابعت حلقات شاهد على العصر لأكثر من معتقل وسجين ، بالإضافة الى الأفلام التي لها علاقة بالسجون والمعتقلات ، ومع الكم الهائل من المقالات التي على شبكة الانترنيت ..

إلا انني لم اقرأ ابشع وأقبح مما وردَ في رواية القوقعة ـ يوميات متلصص بتفاصيلها الدقيقة التي دونها ببراعة كاتبها السجين مصطفى خليفة ، وهو يقتربُ في نصها من تدوين حالة يوميات تكاد تكون مجرد مُذكرات لفنان انهى دراسته غادر باريس متوجهاً لوطنه وذويه ، سبقهُ في الوصول تقرير أمني غيّرَ مجرى حياته ، حوله الى معتقل يتلصصُ من فتحة صغيرة حدثت من جراء صفق وحشٍ أهوج باب الزنزانة لإرعاب المعتقلين ، على ما يجري خلف الباب من قتل وإعدامات بعد أنْ حُشرَ في هامشٍ من قبل المعتقلين لا لسبب إلا لكونه ليسَ على دينهم .. فالمعتقلين من حركة الاخوان المسلمين بعد احداث حمص وحما لا يستسهلون التقرب وملامسة كافر نجس بينهم لذلك تجنبوه وقاطعوه .. شكّوا به .. اعتبروه جاسوساً عليهم .. اشهر المتشددون منهم دعواهم ورغبتهم لقتله والفتك به ، وحاول البعض التخلص منه داخل المعتقل .. مع ذلك يستنجدُ في لحظةِ عذابٍ بنبيهم محمد فيردع من قبل السّجان بأقسى الألفاظ

(أستنجد برئيس الدولة .. يشتدُ الضرب .. وأفهم منهم أن عليّ أن لا أدنس اسم فخامته بفمي القذر. استنجد بنبيهم:

– من شانْ محمد !!!

لطمة على الرأس وصوت المساعد الراعد :

ـ أي.. بدي نيك أمك .. على أم محمد !!! ليش في حدا خرب بيتنا غير محمد ؟!)

بهذه الصيغة ضمن هذه العلاقة المعقدة والمركبة يُتابع خليفة تفاصيل الاحداث من خلال حركة وموقف المُتلصص المتقوقع الذي فرضت عليه العزلة ، فقرر الاستفادة من خبرته في دراسة الاخراج السينمائي ، ليجعل من ذاكرته سجلا لصفحات روايته يثبت فيها التواريخ والأسماء والتفاصيل ، بالرغم من تكوره وتقوقعه وعدم مشاركته بالأحاديث من جراء مقاطعة المعتقلين المؤمنين له ورفضهم لوجوده بينهم ..

هكذا ينقلك عبر الزمن من موقع لآخر ،مع أحداث حقيقية ، لمواقف و حكايا وقصص ، عبر زوايا المعتقلات التي مَرّ بها ، عن معتقلين يعذبون حتى الموت .. سجانون قتلة يتلذذون بمشاهدة الدماء يمارسون عهرهم مع الجثث في حالة تماهي بين القسوة والجنس .. (يتوقف الوحش قليلا وهو يلهث ، بعدها وبحركات هستيرية يضع احد طرفي العصا بين اليتي الجثة ويدفع بها الى الأمام ، تتحرك الجثة كلها الى الامام ، يستمر الوحش بالضغط ، الطرف الثاني للعصا بين يديه الاثنتين يركزه في موضع قضيبه ويبدأ بدفع العصا بين اليتي الجثة رهزا ، ومع كل هزة الى الامام ..

يصيح :

– بالروح بالدم .. نفديك يا رئيس .

تبقى العصا بين الاليتين ، الجثة دائمة التأرجح ، الشرطة يضحكون …يتقدم الرقيب ” الأعوج ” وهو يقهقه ، يمسك الجثة من الأمام ويثبتها جيدا للوحش ، الوحش يتابع ضغط العصى بين الاليتين ويهتف :

– بالروح … بالدم .. نفديك يا رئيس .)

تُذكّرُ بما كتبه الراحل هادي العلوي في فصول من تاريخ الاسلام السياسي عن الحجاج.. ( إنه كان إذا أعدم أحداً يستمني على نفسه .. ويكرس هذا الجنوح في الخيال حالة الاقتران السيكولوجي بين الجنس والعنف .. ص 306 )..

شتائم بذيئة .. جوع .. عري .. لواطة .. تخاذل .. جبن .. شجاعة .. تحدي .. مقاومة .. عنفٌ مغلف بالعنف ، ودم يسيل فوق الدم .. عروق تتقطع .. بشر يُثرمون ..

ذل ما بعده ذل .. صور لا يمكن استيعاب تفاصيلها .. التهام الجرذان .. تذوق مياه الصرف الصحي ..الفضلات البشرية .. انتشار الجرب .. السل .. السَحاَيا .. ومختلف الأمراض بين المعتقلين .. كل هذا لا يكفي للتخلص من هؤلاء البشر الذين يستعصون على الجلاد ويأبى الموت حصدهم ، لتأتي الهليكوبتر محملة بمن يصدر قرارات الإعدام للتخلص منهم ..

تستمر المهزلة .. مهزلة الموت .. منطق الموت .. قوة الدكتاتورية وجبروتها في موت المعتقلين .. ديمومتها في تواصل القتل والمزيد من الإجرام بحق الأبرياء ، يزحف الموت عبر القرارات الفورية .. في دقائق يتحول المعتقلون الى محكومين بالإعدام بينهم ثلاثة اخوة ابرياء .. ( سعد .. مسعود .. سعيد) مع ابيهم المحتجز الذي يشهدُ لحظة اعدامهم ويسعى ليفدي اصغرهم غير المتزوج لكنه لا يفلح .. يغادرون الزنزانة معاً .. يتوجهون لمنصة الاعدام تاركين الأب في حيرة من أمره ..

مشهد اجاد خليفة في تدوين تفاصيله وتصويره من خلال الغوص في اعماق الأب وبقية المعتقلين لحظة الوداع .. الوداع الصعب الذي تُحْير عنده الروح وتعجز فيه الكلمات عن التعبير فيختار الصمت .. السكون دلالة العجز .. ما اقسى حالة الأب وهو يشهد ابنائه يسيرون نحو حتفهم .. ما ابشع الصورة .. ما ابشع الحدث .. ما ابشع الجريمة .. وسط قهقهة الجلادين وشذوذهم ..

دعوني اقتطف لكم هذه الصورة المؤلمة من سطور الرواية عن وجع الأب ومن كان معه في المهجع لحظة التوديع المهيب التي دونها الكاتب / المعتقل مصطفى خليفة بمداد من نزيف روحه حرفاً بعد حرف في هذا المشهد الممتد بين مهزلة المحاكمة ومقصلة الاعدام ..

(نحن حكمنا على ثلاثة منكم بالإعدام .. و هلق .. أنت بدك تختار مين لازم ينعدم و مين الواحد يللي لازم يعيش

لكن منذ خمسة أٌيام ـ وكان أحد أٌيام الخميس ـ وردت لائحة الإعدامات وبدأ الشرطًي بقراءتها ، كان اسماء الذٌن سيعدمون من مهجعنا هم سعد وسعيد وأسعد ، عندها ثار الأب ..

أسعد كان نائماً ، قام سعد وسعيد عن فراشهما ، توجها إلى فراش أسعد ، أٌيقظاه ، كانا يناديانه باسمه ، عندما يناديه سعد يسكت سعيد ثم يناديه سعيد فيسكت سعد :

– أسعد .. يا خاي .. أسعد .. فيق .. قوم ..يَا خاي قوم .. أسعد .. قوم .. أمر الله وما منوا مهرب .. يا أسعد .. يا خاي . استيقظ أسعد ، نظر إلى أخويه على جانبي فراشه ، اعتدل وهو ينظر إليهما نظرة ملؤها الاستفهام وسألهما :

– شو ؟ .. شو في يا خاي ؟ .. شو صار ؟

– ما في شي … بَسْ قوم .. فيق .. لازم نقوم نتغسل و نتوضأ ونصلي ، بعدين لازم نودع ناس .

تجمدت قسمات أسعد للحظات ،ثم نظر إلى أخويه وسأل :

– أنا كمان معكم ؟

– نعم .. انت كمان معنا !

قام الثلاثة باتجاه المغاسل التي كانت قد اخليت وتركت لهم فقط .

قفز الأب السبعيني إلى الممر بين طرفي المهجع وهو يلوح بيديه تلويحات عدم فهم وعدم تصديق !! مشى إلى منتصف المهجع ، وقف تحت الشراقة التي يطل منها الحارس عادة و نظر إلى الأعلى .. إلى السماء ،

وبصوت راعش ولكن قوي :

– يا رب .. يا رب العالمين ، أنا قضيت عمري كلو صائم مصلي وعم أعبدك ،يا رب أنا ما بدي أكفر .. حاشا الله و استغفر الله العظٌم .. بس بدي اسأل سؤال واحد : ليش هيك؟ ..” وبصوت عالي أقرب إلى الصراخ

وهو يلتفت إلى الناس ” .. ولك ليش هيك ؟؟ يا رب العالمين .. ليش هيك ؟؟ أنت القوي .. انت الجبار ! ..

ليش عم تترك هــ الظالمين يفظعوا فٌينا .. ليش ؟ .. شو بدك تقول ؟ بدك تقول إن الله يمهل ولا يهمل ؟ ..

طٌب هــ الكلام مين بدو يرجِّع من أولادي ؟ .. يا الله … أنت ترضى أنو أسعد ابن الخمس و عشرين سنة ينعدم على أٌيدي هــ الظلام ؟! قلي .. جاوبني .. ليش ساكت .. أنت .. انت .. استغفر الله العظيم استغفر الله. العظيم …يا رب … لو كان عندك ثلاثة أولاد وراح يروحوا عـال إعدام بلحظة واحدة .. شو كنت تعمل؟ .. هاه ؟ .. طٌب جاوبني على ها السؤال الصغير بس .. انت .. رب العالمين .. معنا نحن و إلا مع هـ الظالمين .. ؟! لحد الآن كل شي يقول … أنك معهم .. مع الظالمين !! ..

أستغفر الله .. استغفر الله .. يا رب .. بعزتك وجلالك .. بس اسعد ، بس رجِّع لي أسعد ، لا تخليه يموت .. أنا ما عم قلك الثلاثة ، بدي أسعد بس .. و انت قادر على كل شي !.

السكون والوجوم يخيمان على المهجع .. أبو سعد سكت أٌيضا ، جلس على الأرض ووضع رأسه بين يديه ، بعد قليل رجع الإخوة الثلاثة ، صلوا أخر صلاة لهم و بدأوا بتوديع الناس ، أبو سعد لم يتحرك من مكانه ،جلس ولازال رأسه بين يديه ، انتهى الإخوة من وداع الناس ، جاؤوا ووقفوا أمام الأب الذي لازال مطرقاً جلسوا حوله .. سأله سعد :

– أبي .. يا أبي .. ما بدك تودعنا ؟ .. أبي الله يخليك لا تحرق قلبنا بآخر عمرنا .. ابوس أٌيدك يا بو …

رفع الأب رأسه ، شملهم بنظرة ذاهلة حارقة ، رفع يديه باتجاههم ، التقط أولاده اليدين وأخذوا بتقبيلهما .. وأجهش الأربعة ببكاءٍ فجائعي ، عم البكاء المهجع كله ، أخذ الرجال جميعاً ينشجون ويشهقون .. ارتفع صوت نشيج الرجال الجماعي عالياً .. سحب الأب يديه من أٌيدي ابنائه وحاول أن يلف الثلاثة بيديه، القى الأبناء أنفسهم في حضن الأب ، تجمعت الرؤوس الثلاثة على صدره ، وضع الأب يديه على رؤوسهم وقد أغمض الجميع عيونهم ولازالت دموعهم تسيل لكن بصمت .. ص 102- 103) .

الحديث عن الوجع الإنساني في رواية القوقعة لا حدود له .. الأنين لا ينتهي سأنهي الكتابة عنها بصرخة الأب المفجع بأبنائه وتساؤله الذي يحمل شحنة إدانة تطالُ الله في السماء ..

(ولك بس ليش ؟.. ليش اوادي أنا .. ليش ؟ ..يا جماعة .. يا ناس هدول أوادي .. ما عندي غيرهم .. آخ ..آخ .. الله وكيلكم ما غيرهم .. آخ يا أسعد .. آخ .. ولك يا جماعة يا ناس .. لك حدا منكم شاف هيك شوفة .. أولادي كلهم قدامي راح يتعلقوا عال مشانق !!.. ولك شي حدا يخبرني .. احكوا يا ناس .. ليش ..

ليش أنا وأولادي .. شو عملت من الذنوب تحت قبة الله حتى يجازيني هيك جزاء ؟!.. آه يا ابني آه.. يا ريتني متت من زمان وما شفت هيك شوفه !.. ياريت متت وما عشت هيك يوم !! .. آخ .. يا ربي آخ .. ليش .. ليش .. ليش.. ؟؟).

فكيف بمسؤولية الحاكم والسجان والمجرم المنفذ للجريمة ؟! ..

كيف بمن ساهم واشترك في لعبة السلطة ورضي أن يكون هو وحزبه ديكوراً يزيّن وجه الاستبداد وطعم الموت ؟! ..

كيف بمن قبل الصمت وتقوقع جامداً في محجر أيديولوجية السكون ، لا يدرك ان الصمت هو الموت ، إنْ كان لا يجرأ على وضع كلمة ، مجرد كلمة واحدة للإجابة على تساؤل لثكل معذبٍ مفجوع بأبنائه في قوقعة خليفة ، التي ادانت مرحلة بكاملها ..

مرحلة جعلت من سوريا وبلاد الشام ليس سجناً ومعتقلا ً وحشياً .. بل مقبرة أسترجع منها كاتب القوقعة رُقادها الحالمين بعالم بلا عسف ليغذوا السير نحو مدن الشمس ويواصلوا البحث عن يقينهم خارج حدود المعتقلات والمقابر ..

ــــــــــــــــــ
صباح كنجي

اوائل آذار 2013

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *