الرئيسية » الآداب » ناني …

ناني …

مقالات لنفس الكاتب

هل تعلم شيئا يا سيدى عن القلوب المنفطرة ؟ هل تحب الفودكا ؟ طيب هل لديك القوة للاستماع إلى كلمات ربما تغضب البير بعض الشىء؟ إذن صب لى كأسا ,أطفأ الأنوار

عندما يبدأ البار فى الازدحام , يلامس الزبائن حافة السكر يدفع بى البير أو يدفعنى – هل تصدق يا سيدى أنه أحيانا يدفعنى فى ظهرى لأدخل ,- ? اغنى أغانى عاطفية لجمهور انتشي بالقدر الكافى لعدم الاهتمام لأغنية عاطفيه تحرك مشاعره , فكرت أحياناً أن “البير” – بالتأكيد – لا يتعمد الأمر و أنه كرب عمل لابد و أن يظل فى صورة الرجل القاسي الصارم حتى لا ينفلت زمام الأمر من بين يديه , ربما لكن لا تعجبنى قسوة البير , أحياناً أظنها موجهة لى بشكل شخصى حتى أننى فكرت فى الابتعاد عن البار ,ترك العمل إلا أننى لم استطع أن تمر بي ليلة و أنا لا أترنم على أنغام الكمان, آهات السكارى ,غمزات نانى حركة كتفها العارى .. ممكن كاس فودكا كمان إذا سمحت ؟ أنا شخصيا لا اعتقد أن البير سيمانع.

عندما يمتلأ البار فلابد أن يصل الزبائن لحالة الانتشاء لاخراج ما فى جيوبهم ,بعد ان يصلوا تكون الخمر كفيلة بتصفية جيوبهم تماما , ” البير” لا يقلق بشان ما بعد مرحلة الانتشاء , كل ما يزعجه ما قبل ذلك ,مؤخراً بعد أن انضمت نانى الينا لم يعد منزعج نهائياً حتى انه لم يعد يعاملنى بشكل سيء ربما حدثته نانى , أخبرته أن يحسن من طريقة معاملته الفظة لى – التى من المؤكد أن البير لم يكن يقصدها – أو ربما لاحظ ما بينى و بينها فخشى أن اغضب ,اترك العمل فتغضب هى الأخرى فيتعرض للخسارة ,” البير” يكره الخسارة جدا بقدر ما أحب نانى هل تتصور ذلك.. هل حكيت لك عنها؟ .. هل أرسلك البير لتقتنص منى معلومات يستغلها ضدى ؟ حسنا صب لى كأساً آخر, سأحقق له مراده .. كم دفع لك البير ؟

عندما تجلس نانى الى تربيزة فإن الأخيرة تضج بالحياة ضحكات نكات, نوادر,أصوات عاليه ,خمر,ارتطام كؤوس , دخان كثيف أينما حلت “نانى” تحل الحياة , كون كامل يتشكل على التربيزة بمجرد أن تهز كتفها العارى تنقلب الدنيا تقوم ,لا تقعد ,فى الغالب أثناء هذه المرحلة , استعد فى الكواليس بظبط درجة الصوت مع الكمان أراقب كتف نانى من بعيد وضحكاتها .. اشعر ببعض الغيرة .. لكن لابأس تلك ضرورات العمل .. كما أننى لا أرضى أبداً خسارة “البير” , ارتبك أحياناً أثناء البروفة القصيرة عندما تنظر صوبي مباشرة ,عندما تلاحظ اضطرابى أو توترى تطلق ضحكة عالية , ترفع كأسها عالياً .. أريد كأساً أخرى من فضلك .. ثلج إذا سمحت ,لا اعتقد أن البير سيمانع تأجيل دفع حسابى حتى آخر الشهر .. هذا لطفا شديدا منك ياسيدى, لم أر هذا اللطف من احد سوى “نانى” وهى تحيينى من بعيد برفعها للكأس متجاهلة كل الزبائن – الذين لابد أنهم أثرياء جدا لدرجة بعثرتهم للنقود هنا وهناك دون حساب – هل تعرف .. أجد السيد البير لطيفا معى .. لا تتعجب هل تقصد هذه القسوة الشديدة التى يعاملنى بها السيد المحترم البير .. انها فقط من فرط حرصه على جوده العمل وصرامته الشديدة فى الشغل , إنه جنتلمان للغاية يا سيدى ,انتهى من كأسك ريثما انتهى من وصلتى الغنائية العاطفية التى أتمايل أثناءها , اعزف ,أغنى ,” نانى” بين ذراعي كمشهد من فلم عربي قديم ,كل شيء أبيض و أسود ,هى بيضاء كملاك وكذا أنا كنجم سينمائى كبير , الصالة مظلمة تماماً , “البير” بزيه الأسود لا يكاد يبين فى العتمة , الجمهور يتلاشى, والميكروفون, النقود, التربيزات ,الزجاجات .

تتسرب نانى من بين يدى للحظات فتتوقف الموسيقى, كذا حركتى وأتسمر على المسرح ببذلتى البيضاء الفخمة ,قناع اسود يخفى عينى كإله قديم وسط العدم يستعد للحظة الخلق الاولى ,أو كفنار قديم يقاوم ظلمة البحر السرمدية تتحلل نانى من بين يدى تحللاً فيروزياً من بين يدى, تغيب تلبية لطلب أحد الزبائن المختفين خلف زجاجاتهم كالعدم – لدرجة تجعل رجلاً يلبس بذلة بيضاء , يشرب الفودكا بشراهة, لا يكاد يميزهم من الظلمة – تلبي “نانى” نداء الزبون خشية “البير” التى تخشاه أكثر مما تحبنى تصوروا هذا إلى أى مدى تخشى “نانى “”البير” , تعود لتدب الحياة فى المسرح الضيق وفى النور الذى يخفى عنا عتمة الصالة ,تشرق الشمس ,ترتفع فوق التربيزات ,تنتشر الفراشات ,تهم هى برأسها نحو شفتى ,أنا أضمها بقوة مغرية إياى بقطفها , أهم ,فتذوب ,ابتعد , أعود لأهم فتذوب ,بين هذا وذاك ينقلب الكون رأساً على عقب ,تسبح الصالة فى أنهار من خمر وعسل مصفى ..

هل تعرف نانى يا سيدى ؟

اعتقد أننى سكرت كفاية لأعرفك ب”نانى” هل تعرف الشعور الحلو الذى يخالجك عند التواجد بحفل شواء , فتتشمم وتضبط نفسك متلبسة باللذة

نانى” هى الرائحة , اللذة ,الانتشاء الذى يأخذك من يدك كطفل ضال,يوصلك لمرادك ,”انى كل هذا ,لاشيء من هذا .. هل تعرف الحسرة التى تصيب المرء عندما يعجز عن الوصول لكل هذا .. هل عرفت نانى جيداً ؟

نانى الهه قديمة جدا ,ذات فتنة ابدية , لكنها بلا املاك , فقدتها كلها اثناء صراعها مع باقى الالهه المتسلطين لتخفيف العبء عن البشر , الذين تركوها فى العراء الكونى بلا مأوى يستر شموخها وبلا طعام يسد جوعها الملكى فراحت تأكل نفسها وتلف اعضاء جسدها ببعضها البعض خشية البرد و المطر فجعلت تتقزم حتى صارى بشرا لها روح الهه قديمة تملك من السماحة ما يجعلها تتحمل البير الى الابد , عندما اتوجه اليها و اهمس لها لماذا تتحملين هذا الالبير – لاننى لا اجرؤ على الجهر بهذا الكلام خشية البير – بتبسم و لاترد ..

نانى ابنة خطيئة مغامر ارى جاء للصيد مع فتاه فلاحة ساذجة قرر على اثرها العمدة بعد ان صافح الخواجة الارى بفخر وهو يجاهد ان ينطق كلمة (ثانك يو ) كما اخبرة اياة ناظر المدرسة بالظبط من باب الوجاهة الاجتماعية التى تقتضى ان يعرف العمدة عدة لغات – الرجل الارى لم يتبنان كان العمده يشكره على مرورة بالقرية علانية أم مروره بالفلاحة سرا الا ان ذلك لم يمنع الارى ان يشد على يد العمده و يمضى مكملا رحلة الصيد التى بدأها بالفلاحة وانهاها لاحقا بغزالة عجزت عن الهروب امام سيارته السريعة هناك بعيد فى الصحراء الغربية ..

العمدة – البير لاحقا – قرران يزوج الفلاحة مكسورة الجناح حفاظا على الشرف المهدر لاحد فلاحيه مكسورى الجناح ايضا متحولا الى مغامر ارى كل ليله عابثا بحشاء الفلاحه فى علاقة رباعية نصفها من الاريون و اشباه الاريون و نصفها الاخر من مكسورى الجناح فتكونت دجاجة لا تطير تحت رعاية شبه اريه و ذكاء ارى دفعها الى الهرب فى الليله التى قرر فيها العمدة من فلاح مكسور الجناح كفاية لكى لايسأل كثيرا عن سر تأخر زوجته عند العمدة الذى سيمنحهم المظلة القانونية المعتادة ..

فى ليلة الهروب لحقت الفتاة الارية الدماء بالقطار الذى يهدأ قليلا عند بلدتهم و لا يتوقف ابدا ً حتى تمكنت من الولوج لتجلس جوار العمدة الذى مد يده بهدوء الى الكمسارى بشياكة ليست بغريبه على عمدة لديه العديد من الفلاحين مكسورى الجناح ليدفع اجرة الفتاه , يصطحبها مكان يختفى بداخله قليلا ويخرجو هو يرتدى بذلة لامعة جدا – تبدو لشاربي الفودكا سوداء بعض الشيء – وقد اصفرت اسنانه قليلا , وينحنى أمامها بشياكة لدرجة تجعلها تتردد كثيرا فى مناداته وتخرج الكلمات بلعثمة ظاهرة قائلة: حضرة العمدة فيهز أصبعه يميناو يسارا ان لا ليقول بهدوء شديد : البير .. البير يا نانى هل علمت الان من هى نانى ؟ نانى ياسيدى الكريم هى التطور الطبيعى لانعدام الاجنحة .

نانى هى سندريللا الحقيقية بدون الجزء الملفق الخاص بالأمير المنقذ “نانى” هى عبلة الاصليه التى مات عنها عنترة فى طريقه عائدا بالنوق العصافير , تجمعت حوله تجمعت حوله النوق وتحولن الى ساحرات سريرات بمساندة عفاريت واد عبقر الشهير واخذن يضربنه بعصيهن الغليظة حتى سقط قتيلاً غارقا فى دمائة فى الصحراء فى مكان مجهول نكرة لم يهتم التاريخ بذكره ,متروكا للطيور الجارحة لتنهش لحمة , الطيور الجارحة يا سيدى .. التى لها اجنحة..

أحيانا أحس ان الخمر اختراع احمق , او ماسوشى بامتياز تشرب فتزداد الامك , تذكرك الخمر بكل تفاصيل نكستك وتضغط باصرار على جرحك بتلذذ غريب .. صب كأسا اخر نعم نعم صب لعنك الله ..

ثلاثة فقط لديهم الحق الكامل أنيهبوك أو يمنعوك حق تقرير المصير .. الله ,أمريكا والبير هههه الله الوطن الملك هههه اسف يا سيدى القافية تحكم ..

اتعرف أن نانى تقبع فى بئر خمر عميقة شأشربه كله وأرقص كمجنون أعلم اننى لن استطيع وسأموت دون ذلك وحتى ان استطعتو افرغت البئر فلن اجد نانى الا اننى ساشربه حتى تنقلب السماء على الارض فتخضر وتزهر , تسقط حولى القنابل ممزوجة بنباح كلاب وزقزقة عصافير وترفع درجة الطوارىء للدرجة القصوى ,سأخلع ملابسى واوجه اوامرى للماء ان غمر الارض و للخراب ان يحل على البشر الحمقى وللارض ان ترتفع من تحتى فتحملنى باتجاه الشمس لانال من الدفء, لارقص بحرارة بلا خجل وأصرخ فى الناس الساعين من حولى ان اوقفوا هذا العبث حتى لاتغضب نانى الهتكم القديمة يا سادة ربتكم يا عبيد , الناس يهرولون بعضهم يضحك منى ولا يكادون يسمعون صوت الخراب القادم والذى يرتفع تدريجيا فى تناغم لايكدر صفوه ولا يشذ عن ايقاعه سوى صوت الكمان الضعيف المعلق بذراعى وانا استند الى القمر برومانسية قم انتفض كومسيقار مجنون اشعث الرأس لاعود بعدها استند الى القمر و الناس تصرخ ان كف أما انا فلم أكف و لا الكمان فعل , صراخ الناس يشتد ويركلوننى بأحذيتهم الثقيلة وأنا جالس أمام باب الصاله المغلق باحكام حتى اننى لا اتمكن من سماع صوت ارتطام الكؤوس على التربيزة التى تجلس عليها نانى مع الزبائن فألصق اذنى بالباب علّى اسمع صوت المغنى البذىء و الايقاعات الراقصة التى تتمايل لها اجسام السكارى وجسدى يوشك ان يفترش الارض تكونت حولى بركة صغيرة من المطر , نباتات صغيرة تخرج من الاسفلت على استحياء فابتسم و القنابل تتساقط من حولى وانا امزمز كأس الفودكا الاخير ..

ناااااااااااااااااااااانى أنى اتهيألك .. وما يفصلنى عنك سوى رشفة ..

د علي الشامي
مصر