الرئيسية » شخصيات كوردية » الاستاذ أمين حاجي أحمد.. من المعلمين الموصليين الرواد

الاستاذ أمين حاجي أحمد.. من المعلمين الموصليين الرواد

حظيت الموصل –عند بدايات تشكيل الدولة العراقية الحديثة سنة 1921 – شأنها شأن بقية المدن العراقية الكبرى – بنخبة من المعلمين الرواد الذين أسهموا بكل جد واخلاص في بناء هيكلية النظام التعليمي العراقي على أسس علمية ووطنية رصينة .وكان لهذه النخبة دور كبير في تخريج أجيال وأجيال من الشباب والشابات الذين تحملوا مسؤولية قيادة المجتمع والدولة في كل اختصاصات الحياة السياسية ، والاقتصادية ، والاجتماعية ، والعسكرية، والادارية ، والدينية ، والقضائية ، والتعليمية ، والصحية ، والثقافية . واذا كان لنا ان نفخر –نحن جيل الاربعينات ومابعد الاربعينات- فليس لدينا ما نفخر به سوى تلقينا العلم على ايدي تلك النخبة التي لم تقتصر في تعليمنا على ما كان مقررا من دروس ، وانما كانت تعط الاخلاق القويمة ما تستحقه من اهتمام .

ومن المعلمين الذين أفخر أنا شخصيا بتعلمي على أيديهم الاستاذ امين حاجي أحمد البامرني البرواري المعلم في مدرسة ابي تمام الابتدائية للبنين . ومن حسن الحظ انه كان الى جانب هذا المربي مربين افذاذ منهم الاستاذ غصوب الشيخ عبار ، والاستاذ بطرس ابراهيم بطرس، والاستاذ عز الدين المختار ، والاستاذ محمد اسماعيل مصطفى، والاستاذ فرج عبد الاحد سيبا ، والاستاذ غانم ذنون سلطان ، والاستاذ يعقوب يوسف يعقوب .
وشاءت المصادفات الحسنة ان زميلي في جامعة الموصل الاستاذ الدكتور انمار امين حاجي البرواري هو ابن استاذي أمين حاجي أحمد .
ولد الاستاذ امين حاجي احمد البامرني البرواري في ناحية بامرني سنة 1930 ، وكان جده أحمد قد انتقل من قرية بيده وهي احدى قرى برواري بالة في اواخر القرن التاسع عشر الى بامرني وتعود أصوله الى بيت عريق يعرف ب”بيت موسى ” في قرية بيده –برواري بالة وينتهي نسبه الى الامير حسن (مير حسن ) وهو أحد أمراء عشيرة برواري وكان شخصية معروفة يسميه الاهالي ب”حسن زير” و”حسن راكب الخيل” ، ولديه الكثير من ابناءه واحفاده الان في محافظة دهوك .
كان والد الاستاذ أمين هو السيد حاجي احمد معروفا بين اهله واقربائه بورعه وتقواه ، وقد عمل وكيلا للتكية النقشبندية في بامرني حتى أن اسرته في بامرني لاتزال تسمى ب “بيت حجي الوكيل ” .وللاستاذ امين ثلاثة اخوة واخت واحدة والاخوة الثلاثة هم احمد : (كان مديرا لمدرسة بامرني ومديرا لمدرسة دهوك عمل مشرفا تربويا) ، وسعيد الذي كان موظفا وعمل في العديد من المحافظات العراقية. واخ اخر توفي وهو في مقتبل عمره . وكان الاستاذ امين هو أصغر اخوته وقد رباه والده بشيئ كبير من الحنان والدلال والحب ، وبعد ان قوي عوده وشب وانهى دراسته الابتدائية في بامرني انتقل الى بغداد واكمل دراسته في “دار المعلمين الريفية ” وكانت مدة الدراسة فيها ست سنوات وبعد تخرجه في بداية عقد الخمسينات منح رتبة ملازم في الجيش العراقي وخٌير بين البقاء في الجيش أو الانخراط في سلك التعليم ، اختار مهنة التعليم ، وقد عين معلما لاول مرة في مدرسة سركلو التابعة للواء السليمانية بموجب الامر الاداري الصادر من مديرية معارف لواء السليمانية المرقم 4395 في 1-11-1950 . وقد ٌثبت اعتبارا من 25-6-1952 براتب شهري قدره 10 دنانير بعد مرور سنة ونصف على تعيينه بموجب الامر الاداري 3080 ش في 26 حزيران سنة 1952 . وبقي في سركلو حتى 30-11-1951 حين نقل الى جوارته .. ومما وجدنا في اضبارته انه رٌفع عندما كان معلما في مدرسة ابي تمام الابتدائية في الموصل ، واصبح راتبه 27 دينارا بعد ان كان 22 دينارا اعتبارا من 4-2-سنة 1959 ومما اطلعنا عليه كذلك ضمن اضبارته الشخصية ان مدير معارف السليمانية أصدر أمرا اداريا برقم 2322-45 في 5-5-1951 بعد الاستاذ امين حاجي احمد (معلما اول ) للمدرسة تكريما له وقد ارفق مدير المعارف بكتابه تقريرا للمفتش (المشرف التربوي ) الاستاذ خير الدين محمود عن الاستاذ امين حاجي احمد جاء فيه ان الاستاذ امين: ” معلم ناجح ، وحريص في اداء واجباته، متمكن من مادته ،مخلص في عمله يشعر بمسؤوليته على نحو كبير ..يعمل بأستمرار على رفع مستوى تلاميذه ، ولايألوا جهدا في افادتهم ، متعاون مع ادارة المدرسة ومع زملائه …”.
وعندما كان معلما في مدرسة جوارتا في السليمانية وصلته دعوة من جمعية المعلمين –فرع السليمانية وكان عضوا مؤسسا فيها واشتراكه السنوي 500 فلسا بتاريخ 9-5-1951 جاء فيها ان الجمعية تعتزم اصدار مجلة شهرية لتكون لسان حالها من جهة ، ومعرضا لاخر الاراء والتطورات التربوية في العالم بغية رفع المستوى التعليمي في لواء السليمانية وطلبت منه ابداء ارائه بخصوص اصدار المجلة .
وبين السنوات -1952 و1982 تنقل بين مدارس عديدة منها مدرسة جوارتا –لواء السليمانية ( نقل من مدرسة سركلو الى مدرسة جوارتا اعتبارا من 1-12-1951 ) ومدرسة زنكنان (كان مديرا فيها ) ومدرسة بيدوه ومدرسة الداؤودية( التابعة لمديرية معارف لواء الموصل ) ومدرسة أرادن وجاء مدرسة ابي تمام الابتدائية في الموصل في 14 تموز سنة 1957 ، وبقي فيها حتى الاول من تشرين الاول سنة 1960 ومن مدرسة ابي تمام نقل بموجب الامر الاداري المرقم 27709-18 د.م.و والمؤرخ في 24 -9-1960 ، وبتوقيع الاستاذ عبد المحسن توحلة مدير معارف الموصل، الى مدرسة الاحرار . وبين 1960 و1982 عمل في مدرسة الاحرار ومدرسة الاستقلال(22 تشرين الاول 1960-5تشرين الاول 1961 ) ومدرسة الزعيم (الاندلس ) في مدينة الموصل(7تشرين الاول 1961-1982 ) .
من الوثائق والاوراق الخاصة به –رحمه الله – يتضح ان مديرية معارف الموصل (المديرية العامة للتربية في محافظة نينوى الان ) ، كانت تختاره من بين المئات من المعلمين ليكون عضوا في لجان فحص مواد الدراسة الابتدائية وعلى سبيل المثال نجد من خلال الامر الاداري المرقم س-76 في 31 05-1959 انه كان من ضمن اللجنة الثالثة المتخصصة بمادة “الحساب والقياسات ” ، وكانت مهمته ” تدقيق الدفاتر الامتحانية ” مع الاستاذ يحيى عبد سعيد (استاذ الرياضيات المشهور في كلية العلوم –جامعة الموصل فيما بعد ) .وكان المصححون في هذه اللجنة الاساتذة بشير محمد(معلم مدرسة المأمون ) ، ورمزي بهنام( معلم الغسانية الجديدة ) وزكي كنعان( معلم الشفاء) ونافع متي بدرية (معلم النظامية ) . كما كان من بين المعلمين الذين تختارهم مديرية التربية في الموصل للمشاركة في خدمات الدفاع المدني كمرشدين للمواطنين في الحالات الطارئة .وعندما ابتدأت الحملة الوطنية الشاملة لمحو الامية اسهم فيها بفعالية .
ليس من السهولة حصر كل التقارير التي كتبها المشرفون التربويون عن الاستاذ أمين حاجي أحمد ، وقد أشرت الى احدها اعلاه عندما كان في السليمانية . وبعد نقله الى مدارس الموصل وجدت ان المشرف التربوي الاستاذ عبد الرحمن البزاز، يكتب عنه تقريرا في 30 اذار سنة 1967 ومما جاء في التقرير : “معلم مؤدب وقور، متزن، مخلص في عمله، واثق من نفسه يدرس مادة الحساب يؤكد على صياغة الاسئلة واستناج القاعدة وشرح الاسئلة . وفي مادة اللغة العربية التي يدرسها كذلك يؤكد على اللفظ الجيد ، والمتأن ، والاملاء والمعاني …وفي مادة التربية الوطنية كانت مادته حسنة ، ويهتم بالملخص السبوري …” .وقد تمنى المشرف التربوي ان يستمر الاستاذ على خطته المثمرة .
وفي تقرير اخر قيمه المشرف التربوي نفسه في تقرير مؤرخ في 5-3-1968 بقوله :” له شخصية متزنة، يشعر بالمسؤولية، راغب بمهنة التعليم يهتم بتحضير دروسه اليومية ، وقد نظم خطة سنوية عمل على تطبيقها ..قائم بواجباته حسب الاصول …” .
مما قام به خلال عمله التعليمي والتربوي قيامه بتصحيح مواضيع الامتحانات العامة للدراسة الابتدائية . ولدينا اوامر ادارية بهذا التكليف منها اوامر ترجع الى سنة 1965 عندما كان الاستاذ نجيب الخفاف مديرا للتربية في الموصل .وفي الامر الاداري المرقم 35231 -43 في 8- 10 – 1970 ما يشير الى انه كلف بادارة والقاء المحاضرات مجانا في مراكز محو الامية الوظيفي .
وفي 9-3-1971 زاره المشرف التربوي الاستاذ سالم ذنون سلطان وكتب عنه في تقريره قائلا :” معلم جيد ، ملم بمادته ، ويحضرها ، يشعر بالمسؤولية ، ومخلص في عمله .. استفادة الطلاب منه جيدة ..ما انجزه من المنهج متناسب مع الزمن المخصص، سلوكه جيد ، وسمعته طيبة ، منسجم مع الاخرين ومتعاون مع الادارة …طريقة عرضه للمادة حسنة واستفادته من السبورة حسنة ..ضبطه وهيمنته على الطلاب حسنة ” .
وفي 27-3-1972 بلغ من قبل مديرية تربية نينوى بتقرير المشرف التربوي اذي زاره وكتب عنه انه معلم ” يشعر بالمسؤولية ،مخلص بعمله وراغب فيه ،منسجم ومتعاون مع المعلمين والادارة ..جيد الحيوية والنشاط حسن المظهر والشخصية . قابليته العلمية والمهنية جيدة ملم بمادته وثقافته العامة حسنة .يعتني بدفتر التحضير وخطته السنوية واليومية منسقتان ،واستفادة الطلاب منه جيدة يعتني بالواجبات المدرسية …يغرس في نفوس طلبته روح المواطن الصالح ويجسد عندهم الشعور بالمسؤولية اتجاه الجماعة …” .
أما المشرف التربوي حميد احمد المحمود، فقد كتب عنه تقريرا في 18-3-1974 جاء فيه : “لقد وجدتك معلما جيدا ناجحا في تدريس الصف الثاني حريصا على فائدة التلاميذ ، تجيد عرض المادة ، تحسن توجيه الاسئلة ، وجلب انتباه التلاميذ ، متتبع لعملك التربوي ، شعورك بالمسؤولية وحسن تصرفك جيدان ، منسجم ومتعاون مع الادارة …” .
وفي التقرير الذي كتبه المشرف التربوي الاستاذ نجيب توفيق ابراهيم والمؤرخ في 15-3-1975 نجد انه يكتب عن الاستاذ امين الحاج أحمد بأنه :” حسن المظهر ، نشيط ، تقدر المسؤولية ، وحريص في أداء عملك الذي تؤديه بجد واخلاص وبشعور تام للمسؤولية .. محب للتعاون ، ومنسجم، وعلاقاتك جيدة بالادارة والمعلمين ، تجيد ضبط الصف والهيمنة على التلاميذ ، وتعاملهم برقة ولطف المامك جيد بمادتك …تحسن عرض المادة، وخبرتك جيدة …وتجيد النزول الى المستوى الفكري لتلاميذك وتراعي الفروق الفردية …أنجزت من المنهج ماهو مناسب للزمن والخطة …تهتم بالواجبات البيتية ، ودقيق في التصحيح …تطبق التوصيات بدقة ” .
في 21 شباط سنة 1982 زاره المشرف التربوي الاستاذ عبد الغني عبد الجبار جرجيس ، عندما كان معلما في مدرسة الاندلس الابتدائية للبنين وكتب تقريرا عنه جاء فيه :” انك معلم ذو اخلاق فاضلة ، وسمعة طيبة . قائم بواجباتك ، وتحب التعاون ، محترم من قبل زملائك ، معاملتك لتلاميذك قائمة على الحب والحنان، طريقتك في عرض مادتك حسنة ” .وقد اشاد المشرف به وبقدرته على الاستفادة من دورات الرياضيات الحديثة استفادة جيدة .وكان الاستاذ أمين حاجي أحمد قد دخل دورة الرياضيات الحديثة منذ بواكير بدأها في الموصل في اوائل السبعينات من القرن الماضي واجتاز الدورة التي نظمت بين 15 -11-1972حتى 13-12-1972 بتقدير جيد جدا وكان مدير التربية انذاك الاستاذ عبد القادر عز الدين .

تزوج الاستاذ الحاج امين حاجي احمد في سنة 1956 من سيدة وهي من اسرة عربية موصلية عريقة وقد عملت مٌعلمة ثم مٌعاونة لمدرسة الفتوة النموذجية ثم مديرة لروضة القادسية في الموصل لمدة 29 سنة وقد توفيت رحمها الله . وللاستاذ أمين اربعة اولاد وبنت واحدة وهي مهندسة زراعية واولاده هم المهندس مازن رئيس مهندسين أقدم في وزارة الاسكان والسيد ازاد رسام هندسي في وزارة الاسكان والاستاذ الدكتور انمار الاستاذ في كلية الادارة والاقتصاد، والاستاذ محمد تدريسي في كلية الزراعة والغابات –جامعة الموصل
أحيل الاستاذ امين حاجي احمد على التقاعد سنة 1982 بعد انهائه لاكثر من ثلاثين سنة في التعليم وانصرف الى العبادة والمطالعة .وقد وافاه الاجل -رحمه الله -يوم 5 حزيران سنة 2005
كان الاستاذ امين حاجي احمد معلما رائدا عرفه الناس بطيبته ، واخلاصه ، وصدقه ، وحلمه ، وسعة صدره ..لم يكن يعرف اليأس ولا الانتقام ولا الحقد كان عطوفا على اولاده وتلاميذه متسامحا مع الناس ، لينا في التعامل ، طيب الخلق ، حلو المعشر ، عالي الجناب ومن تلاميذه الذين كان يعتز بهم ويعتزون به كاتب هذه السطور والدكتور نظام محمد شكري والدكتور ثامر شيت وولده الدكتور انمار والشيخ نافع عبد الله –ابا معاذ العالم والخطيب المعروف .
ومما يمكن اضافته في استذكار هذا المربي الرائد ان ولده الاستاذ الدكتور انمار كتب في حقه كلمات جميلة جاء فيها : “ان الحروف تعجز ان تعبر عن جبل أشم ذو همة عالية.. انه أبي الاستاذ أمين حاجي الذي عرف في مقتبل حياته بأمين افندي ثم استاذ امين لكنه كان يحب ان يكنى بأبي مازن ولده البكر …كان أبي يمثل لي النبراس والنور الذي اهتدي به وأعد والدي مقياسا لي في كل شيئ .. فهو أجمل شيء في حياتي أحاطني بحب وحنان ورعاية كبيرة في طفولتي ..كان كثير الدعاء لي بالخير وانا طفل صغير انه استاذي ومعلمي وصديقي ومرشدي …كلماته حكم …نبرات صوته الهادئة كانت تزيدني حماسا في الجد والاجتهاد والعمل والثقة بالنفس …اعطاني اعلى قيم الانسانية والرجولة ..كان يصطحبني الى المسجد وما انفك يركز في نصحي على الالتزام بالعلم والقيم والنزعة الانسانية في التعامل …لم تكن المادة لتعني شيئا في حياته وكان يساعد الاخرين وكان يردد اصبر فلكل مشكلة حل ويقول لاتنظر الى من هو افضل منك وانما انظر لمن انت افضل منه واحمد ربك واشكره وتعلم ان تتجاوز اخطاء الاخرين ولاتذكر الغير بما لايحب ..كان –بأختصار – عزيز النفس ،كريم الخلق …” .
رحم الله الاستاذ امين حاجي احمد البامرني البرواري وجزاه خيرا على ما قدم فلقد ترك فينا الولد الصالح ، والذكر الحسن، والعمل الطيب .

ا.د.ابراهيم خليل العلاف
استاذ التاريخ الحديث –العراق