الرئيسية » الآداب » رسائل إلى شهريار (١)

رسائل إلى شهريار (١)

ما بالك أيتها الحروف عصية عليّ هذه الليلة، تقفين كالغصة في حلقي، وترفضين الإقلاع على متن قلمي لتبحرين عبر أوراقي المبعثرة، لم يعد ما تحيكيه من كلمات، يدفِّئ من ينتظرون على موانئ من سراب، فحلّقي بي في سماء سرمدية، وارسميني قمرا توسد غيمتين، ونجمة تطل من بعيد تخفت وتضئ كأنها تسافر حزينة فوق غيمات تشرين الراحلة.
اكتبيني سطورا من دموع العشاق الذين أرقهم سهاد الليل وبعثرهم الغياب وطوتهم سنوات من ضياع يبحثون عن لقاء قد استحال، وازرعيني زهرة على شرفات من أمل تنثر عبقها في دروب الحيارى التائهين، واتركيني قابعة بين الأماني المستحيلة ، ودعي العمر الضائع كطفل لقيط لا يجد إلا رصيف من ذكريات من مروا تاركين آثار حفرت بدمع المآقي على جذع شجرة وثقت لمن أشهدوها على عهدهم، هي بقيت شامخة راسخة، وهم طوتهم الأرض تحت ثراها ربما أو تسربلوا في النسيان.
أتراك قد صرتِ وهما أيضاً أيتها الكلمات؟! لم أعد أجد الحقيقة أو أميزها بين حكاياتي التي تتقاطرين لتسرديها هنا كل ليلة، ولم يعد شهريار كما عهدته متلهفا لسماعها، لا أدري ماذا حل به أو دهاه.
انظر إلى قمري فأراه كئيبا هذه الليلة حتى أن قناديله مطفأة وقد هجره ساكنوه، لم يعد من يسامر ليلي فيه ولا أرى سوى حلكة الليل تلفني وبرد الوحدة يفتك بي. أين أنت يا شهريار؟! ما هذا الغياب؟ ما كل هذه القسوة التي غلفت تعابير محياك؟ لم أعد أراك يا خليلي واختفيت خلف قناع من اللامبالاة، لكنك لم تتقن رسمه فبانت ملامحك العطوفة خلفه وإن أخفيتها فأنت لا تجيد التمثيل ولا لبس الأقنعة.
كتاب مفتوح أنت طالما قلبت صفحاته وحفظتها عن ظهر قلب، بكل ما فيك، من سكون ليلك حتى صخب نهارك، حلمك، غضبك، بكل تناقضاتك أنت أمامي. لا تعاقبني يا رفيق الروح، يا مهجة الفؤاد واقترب مني لنتذكر كيف كان ليلنا طويلا لا نريد له صباح، كيف كنا نستجدي تلك الشمس أن تبطئ حتى لا تفسد أمسياتنا. أين أنت الآن مني؟! وأين ذرتك أقدارك؟! عد يا شهريار ولا تيأس مني فأنا هكذا سيدة المتناقضات، وهم الحقيقة والسراب، أسطورة الماضي، عنقاء تنتفض من تحت الرماد.
تعال يا شهريار واجمع شتاتي بعدما بعثرني غيابك، واستوطنتني غربان الخراب تنعق في ذاتي تخنق كل تغريدة من بلابل الروح التي ما فتئت تناجيك بصوتها الشجي، تناديك لا تتركني فريسة هذا الخواء الذي يبطش بي وعد فاملأ سمائي بالفرح ودع أهازيج اللقاء تصدح في أفق الليل ليعود الضياء إلي قمري الحزين وتتراقص النجمات على موسيقى كونية أبدعها خالق الكون.
خذ بيدي يا شهريار لا تتركني أتوه بعدما عثرت عليك كفاني ضياعا وانتظارا وسكوتا.

زهر البيلسان/ فلسطين