الرئيسية » الآداب » دموع في محاجر عراقية…. قصة قصيرة

دموع في محاجر عراقية…. قصة قصيرة

كثيرا ما بكت على ما جرى لها من كوارث ونوائب، لكأن القدر قد تفرغ من مواكبة الاخرين فجلس يكيل لها مصائبا ونكبات، عيون غائرة في محاجر كهفيه نست يوما ان تكتحل بفرحة من غفلة قدر، شربت المر، بل ان المرارة قد جزعت منها فهربت الى بيوتات بعيدة، فارقها من كان شمعة في حياتها المظلمة، فبعد ترملها سنين تاه العد فيها، ركب ابنها عجلة الضياع والبحث عن لقمة العيش، عائلة بائسة مكونة من ثلاث فتيات صغار ولدن في لحظة فراغ وفقر … خطفه القدر بعد ان اطارت به يد الارهاب بعيدا، لم تحظى جثته بتابوت فقد تناثرت اشلاءً كأنها ارادت ان تترك اثارا على ارض وطن قائلة: انني عراقية بلا ارض رغم تغطية جسدي مساحات بعيدة .. بلا سكن لذا اردت ان اسكن في كل مكان على سطح وطني قبل باطنه … بكت يومها وقد اخرجت جدائل أم خجل النهار من بياضها فأردف ظلا من غيوم سماء لتغطية رأسها الاشيب، ضاربة على وجه ماتت فيه الوجن التي لم تشعر آلام الضرب بأيدي خشنت رغما عنها بأعمال ذات قسوة عذاب … سالت دموعا حجرية جف نبع البكاء منها … نحيب ليال وأيام .. على ضيق حال دون فرج .. لم تيأس من رحمة الله … ولكن في ذلك اليوم الذي فقدت ولدها .. ايقنت في لحظة جزع ان الله لها في المرصاد، قاصدا حرمانها من نبضات قلب وبقايا روح في جسدها صرخت .. ممسكة بجلابيب مهلهلة .. ربي .. ماذا فعلت؟؟؟ هل جنيت ذنباً؟؟ هل سرقت؟ هل زنيت؟ هل قتلت؟؟
إلهي .. واه طويلة موجعة، عويل بدموع قلب دامي نزف من أوردتها قبل نبع نضب من دموع .. امسكن بها نسوة حاولن تكميم فمها … استغفري الله .. انه أمر الله .. صرخت لا .. انه ليس امر الله .. انه امر الذين ركبوا على اكتاف ولدي ومزقوه قطعا هنا وهناك، انه أمر من استباح بلدي بمسميات جديدة .. انه أمر من ركب الكراسي ثم أخذ يتطلع لنا من فوق ويبتسم، اين الحكومة؟؟ اين .. الجيش .. الشرطة؟ اين الامان في زمن الكل يريد ان يمسك الصولجان ليكون لسفينة وطني ربان وقرصان، وهو عن كل الامور نائم غرقان، كممت النسوة فمها، بعضهم بكى على حالها، والأخريات شاركن في صوت اخرس كلامها، رجلا قال: والله لو صرخت عدد سنين عمرك الماضية والقادمة فلن يتغير شيء، كنا في ظلام ودمار وها نحن في دمار وظلام … يرحمك الله يا أم الولد، حملنها النسوة مع بقايا في تابوت فارغ، اخوات صغيرات يتمسكن بعباءة حمراء امتص جسدها سوادها فكساها بؤس عذاب، جاءوا مواساةً بقية من اقارب في زمن الضيق الصعب من خلال اشباه بيوتات، مساهمة في دفن من كان نابضا بالأمس ومعيلاً لأم ٍ واخوات، سارت فوقها ايام باكية، مُشَيعة رفات ضمن قوافل الى مقابر كرهت ان تملأ بقايا اجساد، ومن قبل كرهت نفسها، إنهم أموات في زمن المقابر الجماعية، هجت وطن من سكن عليه لابد ان يدفع، بل يزرع قبرا حتى امسى اناس باطن أرضي اكثر من هم عليها، بكت يومها دموعا في عاصفة مغبرة على من وئدوا في زمن جديد، جلست على حافة قبر ولدها تهيل تراباً على رأس فارق العقل فيه محيط دماغ، ولولت … نحبت ..شهقت .. لكن .. شأنها والاخرين في دفن رفات بقبور مجاورة، تاه صراخها، بين نحيب نسوة معها في سماء أدلهمت مرارة الحزن، عادت تتكأ على اكتاف بنات نستهن في وحشة فراق لولد، ضمتهن بقوة لثمت وجوها بشفاه جفت طعم حب الحياة فيها، سلكت تلك الرقعة الخربة التي ضمتها وبقيتها … خوف من ضياع وموت، رغم إدراكها ان الموت .. لا يطرق باب من تسلق على جثث الموتى ليرتقي ثم يعلن حزنا في خبر بعدها شجبا ووعيد في القضاء على الارهاب .. وها نحن قد دخل الارهاب بين اضلعنا هلعا من أنفسنا … في سكنة وظلمة .. أستغفرت الله طالبة غفرانه .. ولله الامر من قبل ومن بعد … همست في سريرة نفسها … تلمست اصابعها الخشنة عيون غائرة في وجه تلحف تجاعيد زمنية، أرادت البكاء… ولكن شح بئر الحرمان من دموع، فأغلقت الجفون لترتدي ظلمة ابدية … وتتيه روحها مع نعوش موتى … أيتام بلا ملاذ في وطن لبس سرابيل جديدة ليصدق مرتديها أنهم رجال الزمن الحديث …