الرئيسية » مقالات » مدخل لتجاوز الوضع الراهن في العراق ..

مدخل لتجاوز الوضع الراهن في العراق ..

المتابع للشأن العراقي يسمع ويرى هذا الكم الهائل من الانتقادات الشديدة والمراوغة توجه إلى المالكي تتهمه بشتى النعوت والأوصاف ، كأننا نجد من خلال تركيز النيران عليه مدخلاً للعبور لشاطئ الأمان والاستقرار السياسي!

أتساءل ويتساءل معي كثيرون.. هل حقاً أن مشاكلنا وطبيعة ازماتنا من صنع هذا الرجل وحده؟! .. هل ستنتهي الأمور ونعبر لشاطئ الأمان بمجرد معارضته وتعريته وتوجيه النيران نحوه؟! .. هل هذا هو المطلوب اليوم من السياسيين لمعالجة طبيعة الأزمة التي يمر بها المجتمع العراقي بكافة مفاصله وتكويناته ؟

هل ما زلنا نعتقد أن مشاكلنا العويصة ما زالت مُنتجة من فردٍ واحدٍ ، سواءً أكان ديكتاتوراً مطلقاً كصدام، أم مجرد شخصاً كالمالكي وضعتهُ نتائج المحاصصة في موقع لا يستحقه فأصبح بالتالي محور الأزمات التي تتسلسل وتتواصل كأنه محركها الأول و الأخير !..

لنفكر معاً بما يجول ويحيط بنا ولنتابع تاريخ ازماتنا وطبيعتها البنيوية ومورثاتها الفكرية والسياسية في العهد الدكتاتوري الصدامي وما قبله .. في العهد الملكي وما سبقه .. في عهد التبعية للدولة العثمانية وما سبقها .. في العهود السابقة للإسلام وما قبلها .. من مرحلة ما قبل التاريخ وما تلاها ..

قبل أن نجيب على التساؤلات المطروحة ، علينا أن نكتشف من نحن ؟ .. كي نرى بوضوح ونشخص جذور العنف وامتداد شلالات الدم والقتل وفن التعذيب الذي أنغرس في التربة العراقية ونفوس ساكنيها وانعكاس هذا الإرث الدامي وتواصله مع الزمن ..

من نحن ؟ وماذا نريد ؟ ..

هل نرى ونسمع ونفكر ونحتكم للعقل والمنطق ؟.. أم أن حواسنا معطلة .. تثيرنا العواطف وتتحكم بنا الغرائز وطبائع ما قبل الأنسنة ؟ ..

هل بلادنا .. موطننا .. ارضنا .. ما بين النهرين .. العراق القديم بعهوده المختلفة .. والعراق الجديد بتوجهاته الراهنة .. وطناً .. وطناً حقيقياً.. أم ما زال مسلخاً في غابة للوحوش تتقاتل وتتصارع فيه الأشباح ؟..

هل هذا الصراع والتنازع مستأصل فينا يتجددُ ويغير تسمياته وأشكاله مع الزمن أم انه مؤقت وعابر سنتجاوزه ونمرق من دهاليزه؟ ..

كيف ؟ ومتى ؟.. هل ثمة خيار يفضي لما نريد ونرغب ؟.. هل ثمة افق يتجلى للعبور نحو برٍ نستكين فيه كي نتواصل بلا خوف أو وجل ؟..

إرث التاريخ .. ومورثات الثقافة والدين وسياسة التخندق تقول ..

في العراق .. العراق منذ أن سمعنا به .. من عهد اللوح والقلم الذي سجل نتفاً مما مر عليه .. أن العنف فيه يدور ويتواصل وينتقل من جيل لآخر .. هذا العنف الذي يلاحقنا .. هو نقطة البداية .. فمن أين نبدأ مع العنف ؟.. كيف نستأصل صلة الرحم به ؟.. كيف نقطع صلتنا به ونتخلص من تاريخه ؟.. حينها نكون قد حققنا مدخلاً لبوابة تفضي للسلام والأمان ..

السلم ما نحتاجه .. السلم المفقود بات حلماً لا ندركهُ .. حروبنا تتواصل وقتالنا مستمر وحقدنا يتفشى تقودنا العصبيات القبلية والتكتلات البشرية الدينية والإثنية إلى المزيد من التمزق والتطاحن ..

قادنا الدكتاتور للحروب المفتوحة بلا هدف ولا غاية، حينما تحكمت النزوات به. الدكتاتور .. القائد الملسوع في مؤخرته .. من حجرة الجرذ يخرج ذليلاً منفوث الشعر واللحية .. لا يقاوم .. لا يدافع عن مؤخرته ويفتح فكيه بصمت .. كالكلب يتمشدقُ لصاحبه هازاً ذيله .. لا يعوي .. لأول مرة يُشاهد مفتوح الفم دون عواء ..

نلهث ونلهثُ .. تدور بنا الأيام من حرب لأخرى دون توقف .. يتواصل النزف وخط الدم والجوع .. القهر .. القمع .. الألم .. الوجع .. الدكتاتور ليس وحده من أدخلنا نفق الموت والحروب .. سبقه طغاة ومستبدون لا يعدون ولا يحصون .. طغاة ومستبدون من فجر السلالات وما قبل الميلاد وما بعده .. مستبدون يتناسلون الإرث والخبرة وأساليب القمع وتعاويذ الميثولوجيا وأسماء لدجالين حلقوا بين الارض والسماء.. تتابعوا من جيل لآخر مع خطب لأئمة حاملين الرايات السوداء للإله الذي منحهم صلاحيات مطلقة وحقوقاً بالتصرف تصل استلاب الأرواح وانتزاعها من البشر ..

الإمام .. أي أمام حتى لو كان معتوهاً في زمن الدين الجديد بإمكانه أن يقودك للموت ..

هذا هي الوضاعة التي أنتجت الوضع الذي نحن فيه .. الوضاعة تولد الرذيلة.. الرذيلة تؤسسُ للانحطاطِ .. الانحطاط يتآلف مع الفساد .. الفسادُ يُعفن الروح والجسد والأخلاق والفكر ..

قادتنا الفاسدون تعفنوا

افكارنا عفنت

أرواحنا عفنت

أحزابنا عفنت

ثقافتنا عفنت

اخلاقنا عفنت

الوطن .. حتى الوطن تعفن

العلة ليست في المالكي وحده ..

من منكم افضل منه .. ليتقدم الصفوف ليرينا كيف نتخلص منه ومن عفونته.. ليتقدم ويمنحنا فكرة تنقذنا من افكارنا العفنة ..

ليتقدم وينفخ فينا روحاً جديدة ..

ليتقدم ويؤسس حزباً جديداً..

ويمنحنا ثقافة ووعياً تمكننا من تبني قيماً وأخلاقاً ارفع وأرقى ..

كي نؤسس وطناً جديداً يليق بنا.. لا يتحكم به المالكي و امثاله ..

العلة فينا ليست في المالكي وحده ..

سيرحل المالكي ويغادر اليوم أو غداً ..

لكن السؤال من سيحل محله ؟ ..

من يتقدم ليحل محله ويحقق التغيير المطلوب كي نعاضده ونسير معه للخلاص

من منكم قطع صلة الرحم بالعنف والرذيلة والفساد وحمل بدلاً منها مفاتيح الحرية والمستقبل والسلام ؟ ..

من منكم ؟.. يا أولاد ..

قالها النواب ولا احتاجُ لتكرارها..

ـــــــــــــــــــــــ
منتصف شباط2013

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *