الرئيسية » مقالات » لا لدينٍ يُبيحُ اختطاف الأطفال ..

لا لدينٍ يُبيحُ اختطاف الأطفال ..

من القاع ، بمعنى العمق والجذر وليسَ الأسفل من السفالة ، سأكتب هذه الأسطر عن سيمون التي شغلت الناس وباتت قضية ملحة تشعبت فيها وعنها الحكايات الممتدة من عمق التاريخ وهول الجغرافيا وأوجاع الميثولوجيا وخرافاتها ..

في هذا الزمن الخرافي .. الممتد بينَ أصقاع مدينتين .. الأولى خورزان التي دمرها الدكتاتور بفعل احتضان أهاليها للمعارضة الأنصارية المناهضة لنهجه الدموي وهجّرَ سُكانها ليودعهم في مجمعات قسرية بعدَ أنْ قتلَ وشرّدَ الكثير ممن كانَ لهُ صلةِ قرابةٍ بسيمونَ وذويها في الأنفال وما قبلها ..

هؤلاء الكادحون الجوعى كانوا في تلكَ الأيام ابطالاً تحدوا قسوة الدكتاتورية وعنفها واستمدوا جزءً من عنفوانهم وكبرياؤهم ليسَ من حركة الانصار والبيشمركة فقط ، بل من تاريخ مشبع بالألم والقهر والاضطهاد ، منذ أنْ دخلت جحافل الدين الجديد لمحمد تزحفُ في ارجاء كردستان وما حولها ، لتشكل بداية انشطار اجتماعي جديد يتمحور حول الدين الذي نشأ في الصحراء وجلبَ معهُ رداءة وقسوة الثقافة البدوية وصلفها، التي تقرُ اعمال وممارسات تبدأ بالترهيب وتبيح الخطف وتجيز القتل ، ومن هول القسوة وشدة الظلم تحولَ فيه الكُرد من يومها الى مجموعتين : الأولى تماهت مع الدين الجديد وأصبحت رغم قلتها تتحكم ببقية العباد تنشر الرعب بينهم ..

على امتداد التاريخ حَدثت تجاوزات متواصلة بعضها فردي لم يعرهُ الناس اهمية وبعضها سافر استقدم الجيوش .. جيوش الدين .. من كافة ارجاء الإمبراطورية الاسلامية ووجهها نحو سكان القرى الآمنة في سنجار والشيخان ولالش و بحزاني وبقية اصقاع الجغرافيا امتداداً من اطراف كركوك ومروراً بأسكي لكلك وحرير وكويسنجق ودهوك و زاخو وما بينها وفي الجوار حيث تمتدُ مُدن الشمس بين بعلبك في لبنان و قندهار في افغانستان ودول حوض القفقاس ..

هكذا تروي الميثولوجيا حَكايا عن سبايا بلا نهاية .. سنكتفي لمن يريد أنْ يعتبر بالإشارة الى واحدة منها فقط .. يكفي أنْ نذكرَ أسم الأمير الأعور الراوندوزي لتتجلى امامنا الصور البشعة والشنيعة لجرائمه المرتكبة باسم الدين ..

الدين الذي خط اولى خطواته بين قريش ويثرب مُحملا بنفاق السياسة وسطوة التجارة ومراوغات مؤسسه ، قبل ان يبدأ بغزو بقية القبائل ليسلب اموالهم وممتلكاتهم ويسبي نساؤهم وأطفالهم ويوزعهم على مقاتليه ، بعد أنْ ضمن نصيبه وحصته التي أحلها له الله ..

للذين يحتاجون التذكير بجوهر القضية اقول:

هذا هو الدين .. هذا هو في حقيقته بلا رتوش .. هذا هو في نتائجه المدمرة .. هذا هو تاريخ الدين فلا تتوقعوا ولا تتوهموا ان تكونوا آمنين في هذه الضلال .. ضلال الدين مهما صرختم وكررتم عبارة ..آمين .. آمين .. فآمين لا تتفقُ مع اركان الدين، طالما كان الجهاد فريضة في عرف المؤمنين المعاصرين من رهط احفاد أمير المؤمنين .. لا تنسوا ايضاً ما اقترفه صلاح الدين بحق المصريين المسالمين..

حسن نصر الله الكردي الكوراني البرده رشي الحامل لجرثومة الدين بأبشع صورها هو امتدادٌ لهذا الإرث في أصقاع المُدن الثانية التي تماهت مع جحافل الدين ومجازر الامبراطورية العثمانية وجرائم الأمير الراوندوزي الأعور حتى العهد الدكتاتوري في زمن صدام و جحوشه ..

حسن نصر الله الخاطف المغتصب لطفلة وليس فتاة أو صبية كما يقول البعض ويردد واهماً، يعتبر مُجرماً وإرهابياً زرع الكراهية في المجتمع مهما ساق من ذرائع لتبرير فعله الإجرامي القبيح سواءً أكانت الفتاة من اقربائه أو محيطه .. أمْ من طرف آخر ودين ثانٍ لا يتغير الموقف ، فحماية الأطفال والشيوخ والعجزة ، وهنا في هذه الواقعة تحديداً الطفلة سيمون ، من مسؤولية الدولة والحكومة أولاً وقبل كل شيء .. في وضع كردستان التي يتحكم فيها حزبان رئيسيان لا بدّ أنْ تتوجه أصابع الاتهام للمتنفذين في الحزبين بحكم البنية العشائرية التي تفرز آلياتها قيادات الحزبين للمجتمع والحكومة وبقية مؤسسات الدولة وكل ما يتعلق بالعمل السياسي والاجتماعي في الإقليم ، بالرغم من وجود تيارات ديمقراطية مسلوبة الإرادة وغير فاعلة من جهة ، وتعاظم دور الاسلام السياسي في المجتمع الذي لم يحرك ساكناً ويثبت موقفاً ، ومن المؤكد انه يدعم التوجهات الجهادية لحسن نصر الله و امثاله ويعتبرها كسباً مباركاً للمؤمنين بوجه الكفار .

لهذا لا نأمل منهم موقفاً جدياً مغايراً لكن سننبه الى أنّ مثل هذه التجاوزات الإجرامية ستزدادُ وتستفحل في معادلة طرديه مع اتساع رقعة الاسلام السياسي المنتشر في كردستان ، التي ينمو فيها الفساد السياسي المترافق مع تفشي مظاهر الاستحواذ على السلطة والاقتصاد والتجارة وحركة رأس المال وحصره قدر المستطاع في نطاق قبائل وزعامات عائلية ، باتت تتحكم بمفاصل المجتمع ولا يهمها إلا أنْ تعزز من مواقعها في السلطة والمجتمع ، لذلك لا تعير أهمية لاختطاف طفلة ، أو قتل صحفي ، أو حركة احتجاج بقدر ما يهمها أنْ تعزز مواقعها بالمزيد من الصفقات مع قوى الاسلام السياسي ورؤساء العشائر، أي بمعنى آخر لا يهمها تعزيز سلطة المجتمع المدني ولا تعميق مظاهر الديمقراطية والتوجهات التقدمية وضرورة فصل الدين عن الدولة في إطار التوجه لإقامة مؤسسات المجتمع المدني ..

من هنا يمكن أن نستنتج بدون شك :

اولا .. من الخطأ التعويل على مواقف الاحزاب وقادتها في الإقدام على حل مقبول لهذه القضية التي أصبحت قضية رأي عام ، ولا اتوقع أنْ تكون السلطة والحكومة قادرة على تلبية مطالب ذوي الطفلة لاسترجاعها .. كما لا اتوقع أن تقدم الأحزاب والحكومة الكردية على خوض صراع مع القوى الاسلامية الكردية المدعومة من الأوساط الإقليمية والعربية التي باتت تقضُ مضجع الحزبين وتشكل تهديدا ً فعلياً خطيراً لهم في أية انتخابات قادمة ..

ثانياً .. إنّ الاتجاهات العامة لسياسة الحزبين بالإضافة الى حركة التغيير تميل لمهادنة ومسايرة القوى الاسلامية في المجتمع الكردستاني ، امّا حركة التغيير فقد تحالفت في نطاق ” المعارضة ” معها ولا أعتقدُ أنّ ما قدمَ من تغطية في محطة KNN الذي لاقى معارضة شعبية واسعة وانتقادات عنيفة جاء بالصدفة بقدر ما هو تماهي مع توجهات الاحزاب الاسلامية ، لأن العقل السياسي الكردي في اطاره العام ينهلُ من مؤسسة القبيلة وجذور الدين ..

ثالثا .. ان المطالبات المتكررة للإيزيديين ابتداءً من ذوي الفتاة وانتهاء بالمير ونائبه والمثقفين ومن ساهم في ابداء رأيه عبر موقع بحزاني الذي استقطب كافة الكتابات لحد اليوم ، لم تتجاوز في مشروعها المدون حالة الرجاء والتوسل للتدخل من ذوي الشأن ليسَ لحل المشكلة ، بلْ لحلحلة الموضوع ولملمته قدر المستطاع ، كي لا يبرز الى السطح ما لا يُخفى عقباه المتمثل بضعف وهشاشة المجتمع الايزيدي ودينهم وقيمهم أمام حالة تجاوز معاصرة من لدن شاب نكرة يدعى حسن نصر الله ، استقبحَ فعله ابيه وذويه بشجاعة امام الرأي العام في الوقت الذي ماطلت فيه أجهزة الحكومة وعجز ذوي القربة من اتخاذ موقف أو التوصل لحل ..

بقي شأن الدين مرفوعاً لجهة الذكورة الاسلاموية ومهاناً لجهة ذوي سيمون الايزيديين ، وبقيت الطفلة مخطوفة ومغتصبة .. اصبحت ضحية الخاطف الإرهابي حسن نصر الله من جهة ، وضحية صراع ميثولوجي لدينين مختلفين لا يقبلان المساومة والحل ..

الحل بعيداً عن الطفلة سيمون سواء رجعت لذويها وتقبلوها .. أمْ بقيت لدى خاطفها برعاية من يتحكم بطوق النجاة لطرفٍ سيختاره وفق ما تتطلبه مصالح السياسة قبل الاستماع لعويل وبكاء وصراخ ذويها ومن ينادي بتحريرها من قبضة الخاطف ودينه المُشرعن للسبي ، لا يكمنُ في مواجهة الدين بالدين فشتان بين الاثنين .. بل في : ..

السعي بلا كلل لفصل الدين عن الدولة و تأطير مفهوم المواطنة ونشر ثقافة التسامح ورفض منطق القوة التي تمحق الحق .. وهذا لن تكفله الاحزاب العشائرية والدينية بل القوى الديمقراطية الحقيقية التي بإمكانها تحقيق حالة التحول لمجتمع ديمقراطي مدني لا يخضعُ لشروط وقيم الدين وممارساته التسلطية المناهضة لمساواة وحقوق الانسان ..

ان الدين في جوهره معيق لحرية الانسان ويحوله الى عبد خانع قبل أن يجعله جهادياً إرهابياً يحقُ له سلب وخطف الآخرين ، كما فعل الكردي المؤمن المؤتمن الكوراني حسن نصر الله وأدخلنا في آتون مأزق جديد خطير كأنه لم يخطف طفلة بل بعيراً .. لا تنسوا أن الخطف في الأصل والغريزة فعل بهيمي ..

يا اصحاب الشأن في الحكومة والأحزاب المتنفذة .. إن الخطف قد طالَ طفلة بعمر الوردِ .. بئس حكومة وأحزاب لا ترعى وتسترجع الورد ..

وثانية لا لدين يُبيحُ اختطاف الأطفال ..

لا وألف لا لحماية المجرم الخاطف الإسلاموي حسن نصر الله الكوراني ..

ــــــــــــــــــــــــــــــ

منتصف شباط 2013