الرئيسية » التاريخ » دراسات في التاريخ الكردي القديم ( الحلقة 2 ) ما حقيقة نسبة أصل الكُرد إلى العرب؟

دراسات في التاريخ الكردي القديم ( الحلقة 2 ) ما حقيقة نسبة أصل الكُرد إلى العرب؟




من الظاهرات المثيرة للانتباه في المصادر العربية الإسلامية، أن فيها اهتماماً واضحاً بهوية الشعب الكُردي، ونظراً لمحدودية آليات البحث التاريخي العلمي في تلك العهود، وغلبة الظن والاعتماد على روايات شفهية غير موثَّقة، وشيوع التفسير الأسطوري في الروايات، جاء الحديث عن أصل الكُرد في المصادر العربية القديمة بعيداً عن الحقيقة.
ولعل أهم عامل أنتج هذه الظاهرة هو افتقار الكُرد، منذ سقوط مملكة أسلافهم الميد سنة (550 ق. م) إلى حكومة تقيم المؤسسات الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تُعنى بتدوين الوثائق التاريخية وحفظها، وتتيح للأجيال معرفة الكُرد على حقيقتهم.
وعموماً توجد في المصادر العربية ثلاثة اتجاهات رئيسة للتعريف بأصل الكُرد:
الاتّجاه الأوّل- نسبة الكُرد إلى العرب:
أورد المَسْعودي (ت 346 هـ) في كتابه (مُروج الذّهب ومَعادِن الجَوْهَر) بعض ما جاء في هذا المجال، فقال: ” وأمّا أجناس الأكراد وأنواعهم في بَدئهم؛ فمنهم من رأى أنهم من رَبِيعَة بن نِزار بن مَعَدّ بن عَدْنان، انفردوا في قديم الزمان، وانضافوا إلى الجبال والأودية، ودعتْهم إلى ذلك الأَنَفة، وجاوروا مَن هناك من الأمم الساكنة المدنَ والعمائرَ من الأعاجم والفُرس، فحالوا عن لسانهم، وصارت لغتهم أعجميةً … ومن الناس من رأى أنهم من مُضَر بن نِزار، وأنهم من ولد كُرْد بن مَرْد بن صَعْصَعة بن هَوازِن، وأنهم انفردوا في قديم الزمان لوقائع ودماء كانت بينهم وبين غَسّان. ومنهم من رأى أنهم من رَبيـعَة ومُضَر، وقد اعتصموا في الجبال طلباً للمياه والمراعي، فحالوا عن اللغة العربية لِما جاورهم من الأمم”1.
وقال المَقْرِيزِي (ت 845 هـ): ” الأكراد يُنسَبون إلى كُرْد بن مَرْد بن عَمْرو بن صَعْصَعة بن مُعاوية بن بَكْر بن هَوازِن. وقيل: هم من ولد عَمْرو مُزَيْقِياء بن عامِر ماء السَّماء. وقيل: إنهم من بني حُمَيْد بن طارِق الراجِع إلى حُمَيْد بن زُهَيْر بن الحارِث بن أَسَد بن عَبد العُزَّى بن قُصَيّ بن كِلاب. وهم قبائل: منهم الگُورانية بنو گُوران، والهَذْبانيّة، والبَشْنَويّة، والشاهَنْجانيّة، والسَّرِلِجِيّة، واليِزُولِيّة، والمَهْرانيّة، والزَّرْزارِيّة، والكِيكانِيّة، والجاك، واللُّور، والدُّنْبُليّة، والرَّوادِيّة، والدَّيْسِنِيّة، والهَكّارِيّة، والحَمِيدِيّة، والوَرْكَجِيّة، والمَرْوانيّة، والجَلاليّة، والشَّبَنْكِيّة، والجُوبِي. وتزعم المَروانية أنها من بني مروان بن الحَكَم بن أبي العاص. وتزعم بعض الهَكّارية أنهم من ولد عُتْبَة بن أبي سُفْيان صَخْر بن حَرْب”2.
وتندرج هذه الآراء بشكل عام تحت نظريتين:
• النظرية الأولى: هي الأقوى، ترى أن الكرد أولاد (رَبيعة بن نِزار)، أو من أولاد (مُضَر بن نِزار)؛ أي أنهم ينتسبون إلى الفرع العَدناني، وهم عرب الشمال المعروفون بالعرب المُستعرِبة؛ كونهم من أولاد النبي إسماعيل بن إبراهيم، حسب الرواية التوراتية والروايات الإسلامية المعتمدة أصلاً على الرواية التوراتية.
• النظرية الثانية: ترى أن الكرد هم أولاد (عمرو مُزَيْقِياء)؛ أي أنهم ينتسبون إلى الفرع القَحطاني، وهم عرب الجنوب المعروفون بالعرب العاربة، وقال أحد الشعراء:
لَعَمْرُك، ما الأكرادُ أبناءُ فارسٍ ولكنّه كُرْدُ بنُ عَمْرِو بن عامرِ
ومهما يكن فالنظريتان متفقتان على أن الكرد ينتمون إلى العرب، وهما مختلفتان على الفرع (عدناني/ قحطاني). ونحسب أن الاتفاق على الأصل العربي للكرد بحدّ ذاته أمر يستدعي التأمل؛ فالمعلومات التي رواها كل من المسعودي والمَقْرِيزي، وغيرهما من الباحثين القدامى، مستقاة من أقوال أبي اليَقْظان سُحَيْم بن حَفْص (ت 190 هـ) في كتابه (النَّسَب الكبير)، ومن أقوال ابن الكَلْبي (نِسبة إلى قبيلة كَلْب اليمانية) في كتاب يحمل العنوان نفسه، وثمة رجلان يحملان هذه الكنية: أولهما هو محمد بن السائب (ت 146 هـ)، والثاني هو ابنه هشام بن محمد (ت 204 هـ)، ولعله صاحب الكتاب المذكور.
وسواء أكان الكلْبي الأب أم الكلْبي الابن صاحب رواية نسبة الكرد إلى العرب، فالأرجح أن هذه الرواية ظهرت في العهد الأُموي، ثم شاعت فرواها علماء الأنساب، ومنهم أبو اليقظان وابن الكلبي، ومعروف أن الأمويين كانوا ينزعون إلى العصبية العربية، ويؤجّجون النُّعَرات القبلية، وخاصة بين عرب الشمال (العدنانيين) وعرب الجنوب (القحطانيين)، وكان الموالي يعدّون من الطبقة الثالثة في المجتمـع الإسلامي، باعتبار بني أُمَيّة وقُرَيْش عامّة هم الطبقة الأولى، وسائر العرب هم الطبقة الثانية.
ولا يخفى على المتأمل في قيم ذلك العصر ومعـاييره الاجتماعية أن العرب كانوا ينظرون إلى غير العرب عموماً نظرة دونية، ويسمّونهم (المَوالي)، وظلت هـذه النظرة إلى الموالي قائمة حتى بدايات العصر العبـاسي الأول؛ فعندما استولى العباسيون على الخلافة جعلوا أبا العبّاس السفّاح (ت 136 هـ) خليفة؛ مـع أنه كان أصغر من أخيه أبي جَعْفَر المنصور، والسبب أن أمّ السفّاح كانت عربية، في حين كانت أم المنصور أمازيغية (بربرية)؛ أي كانت من الموالي.
وبما أن نظرة العرب إلى الموالي كانت كذلك فكيف رضي علماؤهم في الأنساب أن يعدّوا الكرد (الموالي) عرباً؟ وهل كانوا يُقدِمون على ذلك لولا أنهم لمسوا من النخبة العربية الرضا بما كانوا يفعلون؟ وصحيح أن في المصادر الإسلامية روايات نسبت الأمازيغ (البربر) إلى عرب الجنوب أيضاً، لكنها لا تَرقى، من حيث الأهمية، إلى الرتبة التي وصلتها الروايات الخاصة بأصل الكرد في هذا المجال.
ودعونا نسر في هذا المضمار شوطاً أبعد، إذ يُفهم مما ساقه عالما النسب أبو اليَقْظان وابن الكَلْبي أنه كان بين العرب العَدنانيين والعرب القَحـطانيين تنافس على تنسيب الكرد إلى كل فريق. فلماذا خُص الكرد بهذا الاهتمام دون بقيّة الموالي؟ هل التشابه في القيم بين الشعبين الكردي والعربي؛ مثل قيم (الكرم، الأَنَفة، الحَمِيّة، الشجاعة، الشَّهامة وغيرها) هي وراء نظرة العرب الإيجـابية إلى الكرد؟ أم أن ثمة دوافع وعوامل أخرى؟
قراءة في نسبة الكُرد إلى العرب:
إن هذه التساؤلات وغيرها جديرة بالبحث، ولا ينبغي أن نمرّ بها مرور المستعجل، ونحسب أن العرب القدماء لم ينطلقوا في تنسيب الكرد إلى العرب من فراغ، ونعتقد أنهم صدروا عن تأثير عاملين:
العامل الأول: أنهم سمعوا روايات شفهية¬ قديمة غير معروفة المصدر- وقد تكون أسطورية الطابع- حول القرابة العِرقية بين العرب والكرد، ولعلنا نجد رأس الخيط في نسبة عرب الشمال (الحجاز خاصة) إلى النبي إسماعيل بن النبي إبراهيم، لأن من الباحثين- وفي مقدّمتهم الباحث المصري الدكتور سيّد محمود القِمْني في كتابه (النبي إبراهيم والتاريخ المجهول، ص 64 – 71)- يرى أن النبي إبراهيم من أصل حوري (خوري= هوري)، وأن اسم مدينة حَرّان (حاران) التي عاش فيها إبراهيم مستمدّ من اسم الحوريين بصيغته الأصلية (حوران). وإذا أخذنا في الحسبان أن الحوريين من الفروع الكبرى التي تشكل منها الشعب الكردي قبل الميلاد، وأن قبيلة قريش وغيرها من عرب الشمال هم من سلالة النبي إسماعيل بن إبراهيم حسب مصادر التراث العربي، فالنتيجة المنطقية هي أن الكرد والفرع العربي الشمالي (المستعرب) يلتقيان معاً في الانتماء إلى الحوريين. لكن ما زال هذا الموضوع واقعاً في دائرة الشك، وهو بحاجة إلى كثير من البحث والتدقيق والتحقيق.
العامل الثاني: أن هذه الآراء نمت وترعرعت ضمن مشروع سياسي ذي شِقّين:
ـــ الشِّق الأول قومي: ويتلخّص في الصراع العربي- الفارسي، فقد أسقط العرب المسلمون الإمبراطورية الساسانية، وكان الفرس سادة تلك الإمبراطورية، في حين كان العرب والكرد من الشعوب المستضعفة فيها؛ وكل ضعيف للضعيف نسيب، قياساً على قول امرئ القيس: ” وكل غريب للغريب نسيبُ “. ثم إن الفرس لم يستسلموا للعرب بصورة مطلقة، ولعلهم كانوا يستميلون الكرد إلى صفوفهم باعتبار العنصرين من (الموالي)، إضافة إلى الانتماء المشترك للعقيدة الزردشتية قبل الإسلام، والقرابة اللغوية والانتماء إلى العرق الآري، فجاء تنسيب الكرد إلى العرب لقطع الطريق على الفرس في هذا المجال.
وصحيح أن نظرية القرابة بين العرب والكرد برزت في أوائل القرن الثاني الهجري، لكن دوافعها ظلت قائمة إلى القرن الثالث الهجري، وأصبح العرب حينذاك أحوج إلى الكرد، فالمشهور أن الدولة الأُمَوية كانت عربية الطابع، في حين كانت الدولة العباسية فارسية الطابع، وإزاء هيمنة الفرس على مقاليد الأمور في الدولة العباسية، وانضمام العنصر التركي إلى ميدان المنافسة في عهد الخليفة المُعتصِم بالله (ت 227 هـ)؛ أمام هذا وذاك كان العنصر الكردي ضرورياً للعرب، وباستمالته إلى الصف العربي يتحقق التوازن مع الطرف الآخر (الفرس والترك).
ـــ والشق الثاني قَبَلي: فقد كان الصراع العدناني/القحطاني قائماً قبل الإسلام، والحروب القَبَلية التي نشبت بين الفريقين في الجاهلية أبرز دليل على ذلك، بل إن مكّة كانت موضوعاً للصراع بين الفريقين، فكانت في يد قبيلة جُرْهُم القحطانية، ثم صارت في يد قبيلة خُزاعة القحطانية، ثم سيطرت عليها قبيلة قُريش العدنانية بقيادة قُصيّ بن كِلاب، وكان ذلك حوالي قرنين قبل ظهور الإسلام أو يزيد قليلاً. وصحيح أن حدّة الصراع العدناني/القحطاني خفّت في صدر الإسلام بعض الشيء، لكن الأُمَويين أثاروها من جديد لأسباب سياسية، وانتقل هذا الصراع مع الفتوحات إلى العراق وسوريا وكردستان وفارس وغيرها من البلاد المفتوحة، وكان من المهم لكل فريق أن يستميل الكرد إلى صفه، ويستقوي به على الفريق الآخر.
وخلاصة الأمر أن نظرية انتماء الكرد إلى العرب – عدنانيين كانوا أم قحطانيين- ظلت قائمة في كتب التاريخ والجغرافيا والأدب واللغة طوال العهود الإسلامية، وذكرها معظم المؤرخين والجغرافيين واللغويين، وفي ذلك دليل على أنها كانت معلومة شائعة، وكانت لها مسوّغاتها المقبولة في الوسط الثقافي العربي، ومعروف أن سلاسل النسب كانت تحتل موقعاً مهمّاً في تلك الثقافة.
(يتبع)…
الهوامش
1. المسعودي: مروج الذهب، 2/122 – 123.
2. المقريزي: كتاب السلوك، ص 22 – 23. ابن حوقل: صورة الأرض، ص 240.

توضيح:
هذه الدراسة مقتبسة من كتابنا “تاريخ الكرد في الحضارة الإسلامية”.