الرئيسية » دراسات » الوصايا العشر لساسة الكرد: الوصية العاشرة – الجزء ( 2 ) حــذارِ من حكـم التاريـخ!

الوصايا العشر لساسة الكرد: الوصية العاشرة – الجزء ( 2 ) حــذارِ من حكـم التاريـخ!

 




لكم نقرع الأجراس:
ما كنت أرغب في أن أكون الغراب الذي يحمل أخبار النَّكد، لكن ماذا أفعل؟ فأنا بين خيارين:
– إما أن أجامل وأساهم في تخدير وعي شعبنا.
– وإما أن أصف واقعنا القومي كما هو، وبكل سلبياته.
وها أنتم ترون كم هي اللوحة قاتمة! وإذا كان عملي هذا يجرّ عليّ الحَنََق والغضب، فلا أعتقد أنني خاسر أمام محكمة التاريخ، وإذا لم تجد كلماتي أذناً صاغية من ساسة شعبنا- وهذا ما لا أتمنّاه- أكون على الأقل قد برّأت ذمّتي أمام أجيالنا القادمة، ولعل بعضهم- ولا أدري من أيّة (كورديا) أو إمارة يكون- يقول بعد نصف قرن: “كان هناك من يقول الحقيقة”، وقد يتحمّس ويضع نِرْگِزة على قبري في يوم ربيعي.
ساستنا المحترمين، لعلكم تقولون:
ألم تذكر أن السياسة هي فنّ الممكن؟ ألم تحذّرنا من اللاواقعية في السياسة؟ ألم تذكر أننا نتعامل مع شوفينيين متوحّشين مَكَرة، وأننا في عالم تتحكّم فيه قوى كبرى لا تفهم إلا لغة (المصالح)؟ فهل تريدنا أن نقيم (كردستان مستقلة) بكبسة زرّ؟ ألسنا محكومين بالظروف الداخلية والإقليمية والعالمية؟ أليس من الواقعية السياسية أن نستثمر الفرص المتاحة، ونحقق المكاسب لأمتنا؛ سواء أكانت (فيدرالية)، أم (حكماً ذاتياً)، أم (إدارة ذاتية)، أم (حقوقاً ثقافية)؟
حقاً، ما دامت الانشطارات السياسية والثقافية تمزّق أمتنا، وما دامت حركاتنا السياسية منشغلة بالمشاريع الحزبية، أكثر من انشغالها بالمشروع القومي، وما دامت مهتمة بتحشيد الجماهير في خانة الولاء لهذا السروك أو ذاك، أكثر من اهتمامها بتحشيد الجماهير تحت راية الولاء للأمة، وما دمنا نعيش فوق خطوط زلزالية عائمة على التباينات والتناقضات، فليس أمامنا سوى التمترس خلف حكمة “ليس في الإمكان أحسن ممّا كان”، وسيكون من الغباء تفويت الفرص المتاحة، وعدم اقتناص المكاسب التي يضطر المحتلون إلى إفلاتها من قبضتهم، حتى إن كانت في شكل (حقوق ثقافية).
لكن دعونا نتساءل: هل تقتصر السياسة على التعامل مع الواقع القائم؟ وهل على الساسة أن يبقوا أسرى الظروف القائمة؟ أليس من أولى مهمّات الساسة أن يهيّئوا شعبهم- ثقافياً وأخلاقياً واجتماعياً واقتصادياً وسياسياً وعسكرياً- لخلُق ظروف جديدة ولفرْض واقع جديد؟ وإلا فكيف استطاع جورج واشنطن ورفاقه خلْق دولة اسمها الولايات المتحدة الأمريكية من مستعمَرات إنكليزية متباينة إثنياً وثقافياً؟ وكيف استطاع بِسْمارك إنشاء دولة ألمانيا من 38 حكومة ألمانية متباينة؟ وكيف استطاع مَهاتْما غاندي تحرير الهند من الإنكليز؟ وكيف استطاع مصطفى كمال آتاتورك خلْق (دولة تركيا) من حُطام الدولة العثمانية؟
ساستنا المحترمين، بقدر ما يعرف المرء يتألّم، وبقدر ما يتألّم يتكلم، وإنني مضطرّ إلى أن أقرع الأجراس لكم ولجميع شعبنا، وآمل أن يكون صبركم عليّ طويلاً، واسمحوا لي بأن أقول: إن مركبنا القومي يسير في الاتجاه الخاطئ، إن ربابنته يهتدون بالبوصلات الحزبية، وأحياناً بالبوصلات الأيديولوجية، أكثر من اهتدائهم بالبوصلة القومية، بل يبدو لي- وهذا أكثر ما يخيفني- أنّ أنظمة الاحتلال استغلّت تبايناتنا وتناقضاتنا وافتقارنا إلى مرجعية قومية واحدة، وإلى مشروع قومي موحَّد، فاختطفت مركبنا القومي، وشرعت توجّهه بالريموت كونترول نحو الاتجاه الخاطئ، وبعيداً عن المشروع القومي الأكبر؛ ألا وهو تحرير كُردستان، وإقامة دولة كردستان المستقلة.
المسؤولية ثمن العظمة:
رغم أن لوحتنا الكردستانية تغلب عليها القتامة، ورغم أننا ما زلنا في خانة الهزيمة الأهريمانية من المنظور الكردستاني التاريخي، أقول بكل ثقة: إن مجرّد إصرار شعبنا على أنهم (كُرد)، وعلى أن له وطناً ممزَّقاً اسمه (كُردستان)، لهو دليل صريح على أننا لم نخسر كل شيء، وعلى أن المحتلين خابوا في تحقيق هدفهم الأكبر؛ ألا وهو صهْرُنا وإفقادُنا الوعيَ بهويتنا القومية، إن هذا الوعي القومي العفوي والبسيط الذي ما زال راسخاً في شخصية الكُرد- لُرّاً (فيلي) وصُوراناً وگُوراناً وزازا وكُرمانجاً- لهو قاعدة صلبة، ينبغي أن نبادر إلى تأسيس مشروعنا القومي الشامل عليها من غير تأخير.
تلك هي فرصتكم التاريخية- يا ساستنا المحترمين- فحذار من تفويتها! وتلك هي مسؤوليتكم التاريخية، ولا تنسوا أن “المسؤولية ثمنُ العَظَمة” كما قال تشرشل، فحذار من الانشغال عنها بالأجندات الحزبية! لست من دعاة الفوضى، ولا ممن يجهل دور التنظيمات والقادة في السير بالشعوب نحو الحرية، لكن الضرورة القومية تقتضي أن نتجاوز كل حزب يعتقل جزءاً من شعبنا في أجندته الخاصة، ونتجاوز كل سروك يُشغلنا بأجندته الشخصية، لا وقت للمجاملة ولا لإضاعة الوقت، إن مشكلاتنا الموروثة كثيرة ومعقّدة، وتنضاف إليها الآن مشكلات أخرى أكثر تعقيداً، فالمشاريع الإقليمية تستهدفنا من جانب، والعولمة تفترسنا ثقافياً وقِيَمياً من جانب آخر، فعلينا أن نُدرك شعبنا، وعلى كل حزب وسروك أن يُخضع رؤيته السياسية لمراجعة جوهرية شاملة، ويعيد تأسيسها وفق المشروع التحرري القومي الشامل.
ساستنا المحترمين، إن تحقيق سبعة إنجازات سيكون مؤشِّراً على أنكم انتقلتم- عملياً- من الخندق الحزبي إلى الخندق الكردستاني، وأنكم وظّفتم ما هو حزبي خاصّ لمصلحة ما هو كردستاني عامّ، وهي التالية:
1 – انتظام أحزاب كل جزء من كردستان ضمن جبهة قومية واحدة.
2 – عقد المؤتمر الكردستاني وتأسيس المرجعية الكردستانية العليا(Kon Gel).
3 – تعميم الوعي الكردستاني المتجاوز للتباينات المناطقية والدينية والمذهبية.
4 – توحيد اللغة الرسمية نطقاً وكتابةً في جميع المجالات.
5 – توظيف الثقافة الكردستانية لخدمة مشروع التحرير بوتيرة عالية جداً.
6 – توظيف الإعلام الكردستاني لخدمة مشروع التحرير بوتيرة عالية جداً.
7 – توظيف الاقتصاد الكردستاني لخدمة مشروع التحرير بوتيرة عالية جداً.
بهذه الإنجازات تصنعون لأمتكم تاريخاً مشرِقاً ومبجَّلاً، وتتخلّدون في ذاكرة أحفادنا جيلاً بعد جيل، سيتعلمون منكم التكاتف وتجاوز النرجسيات الشخصية والحزبية والدينية والمذهبية، سيقولون بفخر وشموخ: “انظروا! هكذا فعل أجدادنا الحكماء! إنهم توحّدوا بعد فرقة، وحوّلوا الهزيمة إلى نصر، وانتقلوا بنا من ظلامية أهريمان إلى إشراقات أهورامزدا، ووضعوا أسس صرح الأمة بعد 25 قرناً”.
ألا إن محكمة التاريخ تنتظرنا جميعاً ساسةً ومثقفين.
وإن حكم التاريخ علينا سيكون قاسياً وقاسياً جداً.
فانظروا ماذا أنتم فاعلون؟
ومهما يكن، فلا بدّ من تحرير كردستان!
ـــــــــــ
توضيح من الكاتب:
الأخوات والإخوة، كنت قد نشرت 3 حلقات من هذا السلسلة بالكردية (الكُرمانجية)، والنيّة قائمة على استكمال نشر الحلقات الباقية، وإذا وجدتم فيها فائدة لأمتنا، فحبّذا التفضل بما يلي:
1 – إرسالها إلى السادة ساسة الكرد، لأني لا أعرف إيميلات كثيرين منهم.
2 – ترجمة الحلقات إلى الكردية (الصورانية) والفارسية والتركية، ونشرها ليطّلع عليها أكبر عدد من شعبنا، وهذا جزء من رسالتنا الكردستانية في تعميم الوعي.

وإلى لقاء في ميدان آخر من ميادين فكرنا الكردستاني

8 – 8 – 2012