الرئيسية » دراسات » الوصايا العشر لساسة الكرد: الوصية التاسعة – الجزء ( 2 ) حـذارِ من صناعة الطاغية!

الوصايا العشر لساسة الكرد: الوصية التاسعة – الجزء ( 2 ) حـذارِ من صناعة الطاغية!

 




خطورة الانفلات السَّروكاتي:
إن العوامل الثلاثة (الذهنية السياسية/ سيكولوجيا الجبال/ الاحتلالات) تفاعلت وأنتجت عُقدة الـ (Serokatî) الكُردية، فالكردي لا ينضوي بسهولة تحت قيادة كردي آخر، ويرى أنه أَوْلى بأن يكون الـ (Serok)، وعلى ضوء هذه العُقدة يمكن تفسير الانشطارات الكردية العجيبة، وتفسير حالات العمالة والخيانة والانسلاخ المصاحبة للثورات الكردية، ودافعُها الحقيقي هو أن عدداً غير قليل من الكرد يفضّلون (السيّد الأجنبي) على (السيّد الكردي)، وأصبحت عُقدة الـ (Serokatî) تغزو كلَّ مجال تبدو فيه الحاجة إلى توحيد الكرد تحت قيادة أو هيئة أو مجلس، ونظن أنه لو اقتُرح تنظيم ماسحي الأحذية في كردستان- وما أكثرهم ببركة المحتلين!- تحت قيادة واحدة لحصلت الانشقاقات بدافع عُقدة الـ (Serokatî).
وتعلمون- ساستنا المحترمين- أن مشكلتنا الأساسية منذ 25 قرناً ليست طبقية ولا دينية ولا مذهبية ولا مناطقية، مشكلتنا الأساسية هي الدفاع عن (وجودنا)، إن خرّيجي ثقافات الغزو والاحتلال- بمختلف انتماءاتهم الدينية والفكرية والسياسية- يحاربون وجودنا كشعب له خصوصيته القومية، ويرفضون الإقرار بأن لنا وطناً اسمه (كردستان)، وأجمل هدية نقدّمها لهم هي أن نتخندق حزبياً على أسس طبقية أو دينية أو مذهبية أو مناطقية، والمؤسف أن هذا التخندق قائم الآن لكن مع تفاوت في المستويات، ولذلك لا يرى خرّيجو ثقافات الغزو والاحتلال حرجاً في اختراق صفوفنا، والاستهانةِ بنا هَمْزاً ولَمْزاً، والضربِ على رؤوسنا بين حين وآخر تحذيراً وتهديداً.
ساستنا المحترمين، إن الضرورة التاريخية تقتضي أن ننطلق من عقيدة (الدفاع عن الوجود)، وإلا فإننا نحفر قبر أمّتنا بأيدينا، أو إننا – في أحسن الأحوال- نضع أسساً لإمارات ودويلات كردية متنازعة، سرعان ما ستتهدّم أمام التحدّيات وهي كثيرة، ولنا عِبرةٌ في الدويلات الكردية التي انهارت خلال القرن (11 م) أمام الغزو السلْجوقي، لذا حذارِ أن نقدّم الدفاع عن (الحزب) وعن الـ (سروك) على الدفاع عن (الوجود القومي)، إذا فعلنا ذلك- وللأسف نحن الآن نفعل ذلك إلى حدّ ما- نكون كقبائل لوِيزيانا البدائية، “كانوا إذا أرادوا نَيل ثمرةٍ قطعوا الشجرة من أسفلها، وقطفوا الثمرة” حسبما ذكر مونُتِسْكِيو في (روح الشرائع، ص 91).
إن عقيدة الدفاع عن (الوجود الكردستاني) تتطلب منا (التخندق كردستانياً)، والتخندق كردستانياً يتطلّب وجود (قيادة) واحدة ضابطة حازمة، ويتطلّب وجود (قائد) واحد يرأس هذه القيادة ويمثّلها، وقد مرّ قبل قليل أن الذهنية الكردية تنفر من السلطة المركزية ومن الخضوع لـ (طاغية/مستبدّ)، خاصة إذا كان الطاغية كردياً، ومرّ أن هذه النزعة تفاعلت مع ما أحدثته الاحتلالات وثقافة التبعية من اختراقات في الشخصية الكردية، وأوجدت في مجتمعنا ظاهرة (الانفلات السَّرُوكاتي)، أجل، إن معظم نُخبنا يريدون أن يكونوا (سَروكاً)، وهذا يذكّرني بالمَثل العربي القديم “الإمارة، ولو على الحجارة”! فكيف نجد الحل لهذه المعادلة الصعبة:
1 – ضرورة وجود (قيادة) ضابطة حازمة، و(قائد) واحد، لإيقاف الانفلات الذي ابتُلينا به.
2 – ضرورة عدم السماح بتحوّل (القائد) إلى (طاغية) مطلَق السلطات؟
إشكالية صناعة الطاغية:
ساستنا المحترمين، دعونا نستفد من تاريخ أسلافنا، فطوال تاريخنا كان القائد الذي يأخذ بنهج (Kon Gir) القيادي في السلطة هو الأقدر على توحيد الأمّة، وعلى إقامة تكوين سياسي (دولة، مملكة، سلطنة)، وبقدر ما كان يتجاهل نهج (Kon Gir) القيادي، ويصبح (طاغية)، كان يُلحق الأضرار بالأمّة، ويكون السبب في انهيار الدولة، إن الملك الميدي الأخير أَستياگ بن كَيْ خَسْرو همّش نُخَب الميد في سنوات حكمه الأخيرة، وأصبح (طاغية)، فماذا كانت النتيجة؟ تآمر عليه النُّخب مع الملك الفارسي كورش الثاني، ولم يروا حرجاً في أن تقع مملكة ميديا في قبضة الفرس سنة (550 ق.م)، وإن تهميش نُخَب الكرد من قِبل السلاطين الأيوبيين المتأخرين، وخاصة السلطان الصالح نجم الدين أيّوب، كان أيضاً من أهم أسباب سقوط السلطنة في أيدي مماليكهم الأتراك سنة (1250 م).
على ضوء هذه الحقائق التاريخية- وغيرُها كثير- نرى أن أفضل وسيلة للقضاء على ظاهرة (الانفلات السَّروكاتي)، وقطع الطريق على ظهور (طاغية) كردي، هو الأخذ بالنهج السياسي الذي اتّبعه الحكماء من أسلافنا قبل أوربا وأمريكا؛ نهج (Kon Gir)، نهج (المجلس القبَلي الأعلى)، لكن بتحويله إلى (مجلس قومي أعلى Kon Gel).
وينبغي أن يبدأ تأسيس هذا المجلس من القاعدة الجماهيرية، فتنتخب كلُّ قرية ومدينة أعضاء (المجلس القومي المحلي)، ويختار كلُّ مجلس محلّي ممثّله في (المجلس القومي المِنطَقي)، ثم تختار مجالس المناطق ممثّليها في (المجلس القومي الإقليمي)، ثم يختار كل مجلس إقليمي ممثّليه في (المجلس القومي الأعلى)، ثم يختار (المجلس القومي الأعلى) قائداً أعلى للأمّة الكردية لمدة يتمّ الاتفاق عليها، مع إمكانية التجديد له مرة واحدة أو أكثر بحسب الظروف، ومع وجود ضوابط وقواعد تضمن اتخاذ القرارات على نحو مشترَك، وتضمن عدم تحوّل (القائد) إلى (طاغية).
ساستنا المحترمين، ما أروع هذا الإنجاز إذا تحقق! وأصدقكم القول بأنه الطريق الوحيد إلى بقائنا كأمّة، والطريق الوحيد إلى تحرير وطننا، وقد يبدو هذا المقترَح صعب المنال، وأقول: إنه لكذلك، لكن دعونا نتذكر أن الصعب غيرُ المستحيل، وعندما تتوافر الإرادة القومية الصلبة، ويعززها الوعيُ القومي المتقدّم والشامل، والعملُ القومي الجادّ والمخلِص، يتحوّل الصعب إلى واقع مُنجَز.
ساستنا المحترمين، دعونا نتذكّرْ أننا بصدد إعادة بناء أمة تمهيداً لتحريرها، في وضع إقليمي معادٍ لنا، وفي وضع عالمي متجاهل لنا، وينبغي أن نبدأ من الآن، إن كل يوم نتأخر فيه عن إعادة بناء الشخصية القومية، وإعادة تأسيس الوعي القومي المشترَك، وإعادة تكوين الرؤية القومية المشترَكة، والتخطيط لإنجاز العمل القومي المشترَك، يعني ضمناً أننا لا نؤجّل فقط حلَّ مشكلتنا الأساسية (إنقاذ وجودنا القومي)، وإنما يعني أيضاً أننا نساعد المحتلين على الاستمرار في الاستهانة بنا والاستمرار في استعبادنا وتشويه إنسانيتنا. فهل أنتم راضون بذلك؟
ومهما يكن، فلا بدّ من تحرير كردستان!
وإلى اللقاء في الوصية العاشرة.

3 – 8 – 2012